دعا خبراء حقوقيون تابعون للأمم المتحدة الحكومة المصرية رسميًا إلى فتح تحقيق فوري ومستقل في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان واكبت العمليات العسكرية لمكافحة الإرهاب في محافظة شمال سيناء، محذرين من أن هذه الممارسات قد ترقى قانونيًا إلى مستوى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.


وجاء هذا التحرك من خلال مراسلة رسمية مشتركة وجهتها مجموعة من الخبراء والمقررين الخواص بالأمم المتحدة إلى السلطات المصرية، بناءً على شكاوى ووثائق فورنزية مفصلة قدمتها منظمات حقوقية شملت مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان، ومركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، والجبهة المصرية لحقوق الإنسان.


استند الخبراء الأمميون (الذين يبلغ عددهم 13 مقررًا وخبيرًا من أصحاب الولايات بالإجراءات الخاصة) إلى أدلة وثقت خروقات ممنهجة على مدار السنوات الماضية، ومن أهمها:

 

مقبرة جماعية 

تحقيق أجرته مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان بالشراكة مع مؤسسة "فورنسيك أركيتكتشر"، نُشر في سبتمبر 2025 كشف عن موقع مقبرة جماعية في منطقة صحراوية، على بُعد حوالي 20 كيلومترًا جنوب مدينة العريش في محافظة شمال سيناء، وهي منطقة عسكرية مغلقة يُمنع المدنيون من دخولها منذ عام 2014.


تتكون المقبرة من حفرتين متجاورتين تم استخدامهما على مراحل متعاقبة، ورصدت الفرق الحقوقية 36 جمجمة بشرية على الأقل وبقايا هياكل عظمية مكشوفة على السطح.


تُقدّر الأرقام دفن أكثر من 300 شخص في هذا الموقع، وكان بعضهم يرتدي ملابس مدنية، وظهرت على جثث أخرى علامات واضحة تشير إلى تكبيل الأيدي وعصب الأعين وقت الوفاة.


أظهرت صور الأقمار الصناعية حركة مستمرة لمركبات رباعية الدفع وآليات عسكرية حول الموقع بين عامي 2015 و2023، إلى جانب إحاطته بأبراج مراقبة ونقاط عسكرية محصنة شُيدت بين 2014 و2022، مما يعني أن الموقع كان تحت رقابة دورية.

 

القتل خارج نطاق القضاء

 أفادت الإحصاءات الرسمية الصادرة عن القوات المسلحة المصرية بمقتل 5053 شخصًا وُصفوا بأنهم "عناصر إرهابية" بين عامي 2013 و2022.


لاحظ الخبراء وجود فجوة كبيرة؛ حيث إن هذا الرقم يتجاوز بكثير التقديرات الفعلية لإجمالي حجم الجماعات المسلحة التي نشطت في سيناء خلال تلك الفترة (والتي كانت تتراوح بين 1000 إلى 1500 مقاتل فقط)، وهو ما اعتبره التقرير مؤشرًا قويًا على أن عددًا كبيرًا من القتلى كانوا من المدنيين.


المقار السرية والتعذيب الموثق 

أشار البلاغ إلى احتجاز آلاف الأشخاص داخل معسكرات تابعة للجيش تفتقر للرقابة القضائية، وحدد التقرير ثلاثة مواقع رئيسة منها: معسكر الساحة في رفح، ومعسكر الزهور في الشيخ زويد، والكتيبة 101 في العريش. تعرض الموقوفون (ومن بينهم أطفال) لأساليب تعذيب تشمل الصعق بالكهرباء، والضرب المبرح، والتعليق في أوضاع قاسية، فضلاً عن الاحتجاز في زنازين شديدة التكدس مع حرمانهم من المستشارين القانونيين والتواصل مع ذويهم.


خلص الخبراء في تقريرهم إلى أن الانتهاكات المزعومة تشكل خرقًا واضحًا لالتزامات مصر الدولية بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واتفاقية مناهضة التعذيب التي انضمت إليها مصر عام 1986، واتفاقية حقوق الطفل. وقد ترقى بعض هذه الانتهاكات إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بموجب القانون الدولي الإنساني، مع التركيز على عمليات القتل غير المشروع، والاختفاء القسري، والتدمير الواسع النطاق لممتلكات المدنيين.

 

معلومات مفصلة حول 26 قضية

ودعا خبراء الأمم المتحدة الحكومة المصرية إلى تقديم معلومات مفصلة حول 26 قضية رئيسة، تشمل: الإطار التشريعي الذي يحكم العمليات الأمنية؛ أي تحقيقات جارية أو سابقة بشأن المقبرة الجماعية المكتشفة، بما في ذلك إجراءات التعرف على الجثث وإبلاغ عائلات الضحايا؛ التدابير المتخذة لتحديد مصير ضحايا الاختفاء القسري؛ آليات المساءلة عن الوفيات في الحجز وعمليات القتل خارج نطاق القضاء؛ التحقيقات في مزاعم التعذيب وسوء معاملة المحتجزين، بمن فيهم الأطفال؛ الأساس القانوني لتجنيد الميليشيات القبلية والآليات القائمة لضمان مساءلتها؛ المبرر القانوني للهدم الواسع النطاق للمنازل وتدمير الأراضي الزراعية، فضلاً عن التدابير المتخذة لتعويض السكان النازحين وتسهيل عودتهم؛ التدابير المعتمدة لحماية حق الأطفال في التعليم؛ وأسباب تقييد وصول الصحفيين والمراقبين المستقلين ومنظمات حقوق الإنسان إلى المحافظة.

 

وقالت مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان إنها ترحب بدعوة 13 من المقررين الخواص وأصحاب الولايات بالإجراءات الخاصة بالأمم المتحدة الحكومة المصرية إلى استقبال المقرر الخاص المعني بتعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية في سياق مكافحة الإرهاب لإجراء زيارة متابعة رسمية إلى مصر، بعد نحو 17 عامًا من زيارته السابقة للبلاد عام 2009.


جاءت الدعوة ضمن مراسلة رسمية مشتركة وجهها الخبراء الأمميون إلى الحكومة المصرية في 13 يوليو 2026، ونُشرت لاحقًا على موقع الأمم المتحدة في سبتمبر الجاري، واستعرضت أبرز المخاوف التي أثارتها الإجراءات الخاصة للأمم المتحدة منذ عام 2010 بشأن قوانين وممارسات وسياسات مكافحة الإرهاب في مصر.


تضمن الخطاب 14 محورًا في هذا الشأن، أعرب أصحاب الولايات عن قلقهم إزاءها، وقدموا توصيات بشأن كل منها لضمان اتساق تدابير مكافحة الإرهاب في مصر مع التزاماتها وفقًا للقانون الدولي.


وقالت مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان إنها تؤيد توصية الخبراء الأمميين بإجراء تحقيق مستقل بخصوص التقارير المتعلقة بوجود مقابر جماعية في شمال سيناء، وتحديد هويات الضحايا، وضمان التعامل الكريم مع رفاتهم، وإبلاغ عائلاتهم، وضمان المساءلة عن الانتهاكات المرتبطة بها.