وجه محبوسون احتياطيًا في قضايا سياسية داخل السجون رسالة استغاثة إلى المسؤولين والمنظمات الحقوقية والرأي العام، طالبوا فيها بإنهاء ما وصفوه بسنوات طويلة من الحبس دون حسم قضائي، مؤكدين أن بعض المحتجزين أمضوا سنوات خلف القضبان قبل صدور أحكام نهائية بحقهم.
وتأتي الرسالة بالتزامن مع اقتراب بدء العمل بقانون الإجراءات الجنائية الجديد، اعتبارًا من الأول من أكتوبر 2026، وهو القانون الذي يتضمن ضوابط جديدة للحبس الاحتياطي ومددًا قصوى أكثر تحديدًا.
ويعرض أصحاب الرسالة، التي جرى تداولها باعتبارها شهادة صادرة من داخل السجون، مجموعة من الشكاوى بشأن أوضاع المحبوسين وطبيعة المحاكمات التي يخضعون لها، مطالبين بضمان المحاكمة العادلة والإفراج عمن تجاوزوا الحدود القانونية للحبس الاحتياطي.
رسالة استغاثة من داخل السجون
بدأت الرسالة بعبارة «أغيثونا»، قبل أن تتوجه إلى «كل أحرار العالم» وكل من ينادون بحقوق الإنسان، وكذلك المسؤولين داخل مصر وخارجها، مطالبة بإبقاء قضية المحبوسين السياسيين حاضرة والعمل من أجل الضغط للإفراج عنهم.
ووفقًا لما ورد في الرسالة، فإن أصحابها يقولون إن أعدادًا كبيرة من المحبوسين احتياطيًا ما زالوا ينتظرون حسم قضاياهم منذ سنوات، في ظل استمرار إجراءات التقاضي وتأجيل الجلسات لفترات متباعدة.
وتشير الرسالة إلى أن بعض الحالات وصلت، بحسب أصحابها، إلى نحو 8 سنوات من الحبس الاحتياطي والمحاكمة، فيما يقول آخرون إنهم تجاوزوا 5 سنوات دون الوصول إلى نهاية واضحة لمسار القضية.
ولا تقدم الرسالة، في صورتها المتداولة، بيانات مستقلة أو قوائم تفصيلية تثبت العدد الإجمالي الذي تذكره، لذلك تظل الأرقام الواردة فيها منسوبة إلى أصحاب الرسالة، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها إحصاءً رسميًا شاملًا.
اتهامات بشأن طول مدد الحبس
تقول الرسالة إن أكثر من 15 ألف محبوس احتياطيًا تمت إحالتهم إلى المحاكمة، وإن عددًا منهم أمضى سنوات طويلة رهن الحبس قبل انتهاء المحاكمات.
كما تتضمن الرسالة اتهامات بأن عددًا من القضايا لا يستند، بحسب أصحابها، إلى وقائع أو أحراز مادية، وأن الاتهامات تعتمد بصورة أساسية على محاضر تحريات أمنية، وتكرر فيها اتهامات من بينها الانضمام إلى جماعة محظورة أو تمويلها.
وهذه النقاط تمثل رواية أصحاب الرسالة عن ملفاتهم القضائية، ولا تعني ثبوت عدم وجود أدلة في جميع القضايا أو تطابق ظروف جميع المتهمين، إذ تختلف الاتهامات والأدلة والإجراءات من قضية إلى أخرى.
وفي المقابل، وثقت منظمات حقوقية خلال السنوات الماضية حالات لمحاكمات استمرت لسنوات، من بينها القضية رقم 955 لسنة 2017 أمن دولة عليا، التي صدر فيها حكم في أبريل 2026 بعد نحو 8 سنوات من الحبس الاحتياطي والمحاكمة.
وذكرت المؤسسة المصرية للحقوق والحريات أن القضية ضمت 81 متهمًا، بينهم 29 كانوا محبوسين احتياطيًا.
انتقادات لطريقة انعقاد المحاكمات
تنتقل الرسالة إلى انتقاد طبيعة الجلسات، موضحة أن بعض القضايا تضم أعدادًا كبيرة من المتهمين، قد تتجاوز 100 متهم وتصل أحيانًا إلى 200، وفقًا لما ورد فيها.
ويقول أصحاب الرسالة إن المتهمين يحضرون الجلسات داخل أقفاص عازلة، وإن مدة الجلسة تكون قصيرة، ولا تتاح لهم، بحسب روايتهم، معرفة تفاصيل ما يدور داخل قاعة المحكمة بصورة كافية.
كما يعترض أصحاب الرسالة على تكرار تأجيل القضايا لمدد تصل إلى ثلاثة أو أربعة أشهر، معتبرين أن استمرار هذا النمط قد يؤدي إلى إطالة أمد المحاكمات بصورة كبيرة.
وتشير الرسالة إلى أن استمرار المحاكمات بالمعدلات الحالية قد يستغرق سنوات إضافية لحسم العدد الكبير من القضايا، خصوصًا مع وجود أعداد كبيرة من المتهمين في القضية الواحدة.
أحكام بعد سنوات من الانتظار
وتتضمن الرسالة انتقادات للأحكام التي صدرت في بعض القضايا، إذ يرى أصحابها أن بعضها جاء بعد مدد طويلة من الحبس، وبعقوبات يرون أنها لا تتناسب مع الاتهامات المنسوبة إلى المتهمين.
وفي هذا السياق، تظهر بعض القضايا التي استغرق مسارها سنوات مثالًا على طول الفترة بين القبض على المتهمين وصدور الأحكام. ففي أبريل 2026، أصدرت الدائرة الأولى جنايات إرهاب حكمها في القضية المعروفة إعلاميًا باسم «التخابر مع تركيا»، بعد نحو 8 سنوات من الحبس الاحتياطي والمحاكمة، وشملت الأحكام السجن المؤبد وأحكامًا بالسجن المشدد لمدد مختلفة، إلى جانب أحكام أخرى بالبراءة.
ولا يعني طول مدة القضية في حد ذاته ثبوت مخالفة قانونية في كل حالة، لكن استمرار الحبس لسنوات قبل الوصول إلى حكم نهائي يظل من أبرز الملفات التي تثيرها المنظمات الحقوقية عند مناقشة ضمانات المحاكمة العادلة والحبس الاحتياطي.
قانون جديد يضع مددًا للحبس
يربط أصحاب الرسالة آمالهم بقانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025، المقرر بدء العمل به في الأول من أكتوبر 2026.
كن من المهم تصحيح نقطة وردت في الرسالة؛ فالقانون الجديد لا يقرر أن الحد الأقصى العام للحبس الاحتياطي هو عامان في جميع الحالات. وتنص المادة 124 على حدود مختلفة بحسب نوع الجريمة والعقوبة، إذ لا تتجاوز مدة الحبس الاحتياطي
في الجنح أربعة أشهر، وفي الجنايات 12 شهرًا، وترتفع إلى 18 شهرًا إذا كانت العقوبة المقررة هي السجن المؤبد أو الإعدام، مع حالات محددة يمكن فيها أن يصل الإجمالي إلى سنتين بقرار من محكمة الجنايات المستأنفة أو محكمة النقض في الحالات التي حددها القانون.
ويتضمن القانون كذلك بدائل للحبس الاحتياطي، مثل إلزام المتهم بعدم مغادرة مسكنه أو نطاق جغرافي محدد، أو الحضور إلى مقر الشرطة في أوقات معينة، أو حظر ارتياد أماكن محددة، وغيرها من التدابير.
ومن المقرر أن يبدأ تطبيق هذه الأحكام مع دخول القانون الجديد حيز التنفيذ في الأول من أكتوبر المقبل، بينما بدأت وزارة العدل بالفعل في تجهيز منظومات التقاضي الإلكتروني والخدمات المرتبطة بالقانون الجديد.
مطالب بالإفراج وضمان المحاكمة العادلة
في ختام رسالتهم، يطالب أصحابها بالإفراج عن المحبوسين الذين تجاوزوا الحدود التي يقررها القانون، وبإنهاء ما يعتبرونه احتجازًا ممتدًا دون حسم قضائي.
كما تتضمن الرسالة دعوة إلى تطبيق الضمانات القانونية والقضائية، وإلى عدم تحول الحبس الاحتياطي من إجراء احترازي مرتبط بضرورات التحقيق والمحاكمة إلى وضع ممتد يشبه العقوبة قبل صدور حكم نهائي.
وتحذر الرسالة من استمرار أوضاع الحبس لفترات طويلة، وتطالب بتدخل قانوني وحقوقي لإنهاء حالة الانتظار التي تقول إنها طالت آلاف الأسر.
وتتصل هذه المطالب بجدل حقوقي أوسع حول الحبس الاحتياطي في مصر. فقد أشارت مؤسسة حرية الفكر والتعبير في تقريرها عن حالة حرية التعبير لعام 2025 إلى أن قانون الإجراءات الجنائية الجديد يتضمن تقليصًا نسبيًا لمدد الحبس وزيادة بدائله، لكنها انتقدت في الوقت نفسه ما وصفته بمشكلة «التدوير» عبر إدراج بعض المحتجزين في اتهامات أو قضايا جديدة بعد انتهاء مدد احتجاز سابقة.
وبينما ينتظر المحبوسون وأسرهم بدء تطبيق القانون الجديد، تبقى مسألة كيفية تطبيق أحكامه على القضايا القائمة، ومدى تأثير الحدود الجديدة للحبس الاحتياطي على من أمضوا بالفعل مددًا تتجاوز الحدود التي يقررها القانون، من أبرز الأسئلة المطروحة مع اقتراب الأول من أكتوبر.


