يكشف هبوط صادرات الغزل والمنسوجات بنسبة 9.4% خلال أول 7 شهور من 2026 عن مأزق صناعي لا تعالجه الأهداف المعلنة ولا حملات الترويج الرسمية، بعدما خسرت البلاد نحو 64 مليون دولار في قطاع يفترض أنه أحد أعمدة الإنتاج والتشغيل.

 

وفي الوقت الذي يرفع فيه المجلس التصديري هدف الوصول بالصادرات إلى 1.3 مليار دولار بنهاية 2026، تظهر الأرقام فجوة واسعة بين الوعود والواقع، إذ سجل القطاع 617 مليون دولار فقط مقابل 681 مليون دولار خلال الفترة نفسها من 2025.

 

 

هبوط الصادرات يفضح مأزق الإنتاج

 

وبينما تصدرت الأقمشة المنسوجة قائمة الصادرات، ثم الجينز والأقمشة الصناعية وخيوط الألياف التركيبية، لم تمنع هذه التركيبة المتنوعة التراجع العام، بما يكشف أن المشكلة ليست في سلعة بعينها بل في بيئة إنتاج كاملة تتعثر.

 

كما أن تصدر تركيا للأسواق المستقبلة بقيمة 186 مليون دولار يبرز خطورة الاعتماد الكبير على سوق واحد، بينما لم ينجح نمو الصادرات إلى سوريا بنسبة 75% والبرازيل والهند بنسبة 47% في سد الخسارة.

 

ويرى الدكتور عمرو عدلي، أستاذ الاقتصاد السياسي والمنتقد لسياسات إدارة الصناعة، أن التصدير لا ينمو بالتصريحات المستهدفة، بل بإنتاج مستقر وتكلفة تنافسية وقدرة حقيقية على الوصول للأسواق، وهي عناصر ظلت السياسات الحكومية عاجزة عن ضمانها.

 

لذلك، لا يبدو تراجع القطاع حادثًا عابرًا يمكن تجاوزه في نهاية العام، لأن خسارة 64 مليون دولار خلال 7 شهور تعني أن المصانع فقدت طلبات وإيرادات وفرص تشغيل، بينما بقيت الاستجابة الرسمية محصورة في الأرقام المستهدفة.

 

وفي المقابل، يؤكد تراجع مؤشر الصادرات المصرية خلال 2026 أن أزمة الغزل والمنسوجات جزء من خلل أوسع يضرب الصناعة التحويلية، بعدما تراجع الأداء إلى أدنى مستوياته في الربع الأول، عقب تحسن محدود خلال 2025.

 

كما هبطت الصادرات غير البترولية إلى 10.8 مليار دولار في الربع الأول من 2026، بانخفاض يقارب 16% عن الفترة المقابلة من 2025، قبل تحسن نسبي إلى 12.5 مليار دولار في الربع الثاني.

 

غير أن هذا التحسن المحدود لا يمحو أثر التراجع السابق، ولا يبدد القلق من استمرار ضعف المصانع أمام ارتفاع كلفة التمويل والطاقة ومدخلات الإنتاج، وهي أعباء تراكمت على المنتجين دون معالجة جذرية.

 

وبحسب قراءة اقتصادية من واقع البيانات، فإن الحكومة تطلب من المصانع التوسع في التصدير بينما تتركها تواجه اضطراب العملة وتكلفة الاستيراد والبيروقراطية، ثم تتعامل مع تراجع الحصيلة كأنه مجرد تقلب موسمي.

 

ومن ثم، يصبح الحديث عن أهداف تصديرية ضخمة بلا برنامج تفصيلي للإنقاذ أقرب إلى خطاب علاقات عامة، خصوصًا عندما تفقد الصناعات القديمة أسواقها تدريجيًا لصالح منافسين يملكون سياسات إنتاج وحماية أكثر اتساقًا.

 

 

القطن الغائب يخنق المصانع الوطنية

 

وفي قلب الأزمة يقف القطن المصري، المادة الخام التي طالما حملت سمعة عالمية، لكنه تحول إلى ملف مرتبك بين تراجع الزراعة وغياب السعر العادل للفلاح وضعف الربط بين الحقول والمصانع المحلية.

 

كما تكشف مطالبات نواب البرلمان بالتوسع في زراعة القطن وضمان سعر مجز قبل موسم الزراعة أن الدولة لم تنجح حتى الآن في تأمين احتياجات واحدة من أهم الصناعات الوطنية من خامتها الأساسية.

 

ويرى إلهامي الميرغني، الباحث في شؤون العمال والصناعة والمنتقد لنهج إدارة القطاع العام، أن تجاهل المنتج الزراعي في بداية السلسلة يعني بالضرورة ضرب المصنع والعامل في نهايتها، لأن الصناعة لا تستطيع التخطيط بلا خامة مضمونة.

 

لذلك، تبدو المفارقة قاسية حين تملك مصر تاريخًا طويلًا في القطن والغزل، ثم تجد مصانعها نفسها رهينة استيراد خامات أو نقص الإمدادات أو تقلب الأسعار، بدل أن تقود سلسلة محلية متكاملة تخلق قيمة مضافة.

وفيما يجري تصدير القطن الخام في بعض الحالات، تخسر الصناعة فرصة تحويله إلى خيوط وأقمشة وملابس تدر عائدًا أعلى، وهي خسارة لا تخص الخزانة فقط بل تمتد إلى العمال ومدن الإنتاج التقليدية.

 

كما أن غياب خطة معلنة تربط المساحات المزروعة باحتياجات المصانع يكشف ارتباكًا إداريًا، إذ تعمل الزراعة في مسار منفصل بينما تنتظر الصناعة الخامة، ثم تتحمل السوق آثار الفجوة في الأسعار والقدرة التنافسية.

 

وعلاوة على ذلك، لا يكفي مطالبة الفلاح بالزراعة دون ضمانات شراء عادلة وسريعة، لأن الفلاح الذي يتحمل كلفة البذور والري والعمل لن يغامر بمحصول يتركه عرضة للتسعير المتأخر والخسارة.

 

ومن هنا، يتحول القطن من ميزة تاريخية إلى رمز لسوء الإدارة، عندما تعجز السلطة عن حماية المنتج الزراعي وتوفير الخام للمصنع وتشغيل العامل، رغم أن هذه الحلقات الثلاث يفترض أن تكون سياسة واحدة.

 

 

شركات عامة بلا سوق ولا مساءلة

 

وفي موازاة أزمة الخام، تواجه الشركات الحكومية الكبرى مشاكل إدارية وتسويقية لا تقل خطورة، إذ لا يمكن لمصنع أن يستعيد مكانته بينما تغيب منافذ البيع وتبقى قرارات الأصول والأراضي بعيدة عن الشفافية.

 

كما تطرح أزمات شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة الكبرى أسئلة واسعة حول قدرة الإدارة العامة على التسويق وإدارة المخزون والاستفادة من العلامات التاريخية، بدل ترك الإنتاج يتراكم دون شبكة بيع فعالة.

 

ويرى الكاتب الاقتصادي وائل جمال، المعروف بانتقاد سياسات الخصخصة وبيع الأصول، أن حماية الصناعة العامة لا تكون بالشعارات، بل بالمحاسبة العلنية على الإدارة والاستثمار والتشغيل، ومنع تحويل الأصول إلى بديل سهل عن تطوير الإنتاج.

 

لذلك، تثير التساؤلات المتعلقة بالتصرف في أراض مملوكة للشركة قلقًا مشروعًا، لأن الأصل الصناعي يجب أن يدعم التوسع والتحديث، لا أن يصبح بابًا مفتوحًا لتغطية إخفاقات الإدارة أو سد فجوات مالية مؤقتة.

 

وفي الوقت نفسه، يبقى تعطل مصانع في مناطق صناعية مثل مطوبس نموذجًا موجعًا للفرص المهدرة، حيث تتوقف الآلات وتفقد الأسر مصدر رزق محتمل، بينما تتكرر الوعود بإعادة التشغيل من دون جدول زمني واضح.

 

كما أن ضعف دور الجهات المكلفة بتحديث الصناعة يضع القطاع أمام سؤال مباشر: أين الدعم الفني والتمويلي والتسويقي الذي تحتاجه المصانع الصغيرة والمتوسطة حتى تنافس في أسواق لا ترحم المنتج المتأخر أو المرتفع التكلفة.

 

وبدلًا من بناء منظومة تجمع المصنعين والمزارعين والمصدرين تحت سياسة واضحة، تستمر القرارات المتفرقة في إنتاج الأزمة ذاتها، فتتراجع الصادرات ثم يطلب من العمال تحمل النتيجة رغم أنهم آخر من يملك سلطة القرار.

 

وفي النهاية، لا تمثل خسارة 64 مليون دولار رقمًا تجاريًا مجردًا، بل إنذارًا لمصانع قد تقلل وردياتها، ولعمال قد تتراجع دخولهم، ولمدن صناعية تدفع ثمن إدارة لم تنجح في تحويل تاريخ الغزل المصري إلى قوة اقتصادية حقيقية.