تطرح الأزمات في المنطقة سؤالاً متجدداً حول قدرة السلطة المصرية على تحويل المخاوف الأمنية إلى رصيد سياسي، بينما تستمر الضغوط المعيشية التي تغذي انتقادات المعارضة وتزيد الاعتراض على أولويات الإنفاق وإدارة الاقتصاد.
وتكشف مواقف سياسيين وباحثين مصريين انقساماً بين خطاب يربط الاستقرار باستمرار الحكم، وآخر يرى أن حماية الدولة تستلزم إصلاح السياسات ومحاسبة المسؤولين، بدلاً من تعليق المطالب الداخلية كلما اشتعلت جبهة إقليمية.
الأزمات الإقليمية تعيد ترتيب الغضب
تتصدر اضطرابات البحر الأحمر هذا النقاش، بسبب ارتباط الملاحة فيه بقناة السويس ومصادر النقد الأجنبي، وهو ارتباط يجعل أي تهديد للممرات البحرية قضية اقتصادية وأمنية تمس المصريين بصورة مباشرة في حياتهم.
لكن الانتقال من القلق المشروع على المصالح الوطنية إلى منح السلطة تفويضاً سياسياً مفتوحاً يمثل جوهر الاعتراض المعارض، خصوصاً عندما تصبح الأزمات الخارجية مبرراً لتأجيل الأسئلة المتعلقة بالدخل والخدمات والديون والحريات.
ويقدم السفير فرغلي طه، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، قراءة نقدية لهذا التزامن، معتبراً أن التطورات الدولية تمنح الحكم فرصاً متكررة لالتقاط الأنفاس، بعدما يتقدم الغضب الداخلي إلى واجهة النقاش العام.
ولا تكفي هذه القراءة وحدها لإثبات تبدل اتجاهات المصريين أو حجم التأييد الشعبي؛ فالمواقف الإعلامية والمنشورات المتداولة تعكس أصوات أصحابها، ولا تمثل تلقائياً قياساً للرأي العام أو تحولاته وسط الأزمات المتلاحقة.
وتستدعي المعارضة تجربة الحرب على غزة باعتبارها مثالاً على انتقال النقاش من الأداء الداخلي إلى مخاطر الحدود والتهجير، وما يصاحب ذلك من دعوات للاصطفاف الوطني وتخفيف حدة الانتقاد الموجه إلى رأس السلطة.
وفي هذا السياق، يصبح الفصل بين مساندة الموقف الرافض لتهجير الفلسطينيين وبين تقييم سياسات الحكومة ضرورة سياسية، لأن الاتفاق حول خطر خارجي لا يلغي الخلاف بشأن إدارة الاقتصاد أو حدود المساءلة.
وتنطبق الإشكالية نفسها على البحر الأحمر، حيث تتقاطع مصالح التجارة العالمية مع حسابات القوى الإقليمية، بينما تتحمل مصر تبعات اضطراب الملاحة، بما يضع كفاءة التحرك الدبلوماسي وحماية الموارد الاقتصادية تحت الاختبار.
أما الحديث عن سيطرة عسكرية جديدة على مواقع بعينها، فلا ينبغي اعتباره حقيقة محسومة دون تحقق مستقل؛ إذ تختلف القدرة على تهديد السفن عن السيطرة الفعلية على المضيق وجزره وممراته.
وعليه، تظل القضية الأوضح في السجال المصري هي كيفية إدارة تداعيات التوتر، ومن يتحمل تكلفتها، وما إذا كانت الحكومة تقدم استجابة قابلة للتقييم، أم تكتفي باستدعاء المخاوف لتقليص مساحة الاعتراض.
أمن الدولة في مواجهة السلطة
يرى الباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية سيف الإسلام عيد أن الخلط بين أمن الدولة وأمن النظام يفسر جانباً من طريقة التعامل مع الأزمات، عندما تتقدم اعتبارات بقاء المجموعة الحاكمة على غيرها.
وبحسب قراءته، قد تستفيد السلطة سياسياً من إدارة الخطر بطريقة تعزز حاجتها إلى الاستمرار، حتى عندما لا تؤدي تلك الإدارة إلى تحسين موقع الدولة الإقليمي أو حماية مصالحها الاستراتيجية بصورة مستدامة.
ويستند عيد في انتقاداته إلى ملفات غزة والسودان وليبيا والقرن الأفريقي، معتبراً أن تراجع الدور المصري في هذه الساحات يثير أسئلة بشأن ترتيب الأولويات، وحدود تأثير التحالفات الخارجية على صناعة القرار.
وتبقى تلك الأحكام تقييماً سياسياً للباحث، وليست دليلاً مستقلاً على دوافع صانع القرار؛ لكنها تفتح نقاشاً مشروعاً بشأن النتائج الملموسة للسياسة الخارجية، ومدى اتساقها مع المصالح التي تعلن الحكومة الدفاع عنها.
وفي ملف الملاحة، يشدد عيد على امتلاك مصر أدوات للتحرك وحماية مصالحها البحرية، ويستحضر دورها التاريخي في باب المندب، منتقداً ما يراه تغليباً للمواءمات السياسية على تأمين المجال الاستراتيجي المحيط بالدولة.
غير أن امتلاك قدرات عسكرية لا يحسم وحده طبيعة الاستجابة المطلوبة، لأن حماية الملاحة ترتبط أيضاً بالتنسيق الإقليمي والقواعد القانونية وتقدير مخاطر التصعيد، وهي اعتبارات تستوجب نقاشاً يتجاوز الشعارات والاستعراض للقوة.
ويبرز هنا مطلب الشفافية بوصفه مدخلاً للمحاسبة، عبر توضيح أهداف التحرك المصري وحدوده، وشرح تداعيات الاضطرابات على الإيرادات العامة، بدلاً من مطالبة المواطنين بتحمل الأعباء دون معلومات كافية عن بدائل الحكومة.
كما أن الدفاع عن السيادة لا ينفصل عن قوة المؤسسات الداخلية، وقدرتها على مراجعة القرارات ومراقبة الإنفاق؛ فالدولة التي تسمح بالنقد والمساءلة تمتلك أدوات لتصحيح الأخطاء قبل تحولها إلى أزمات ممتدة.
ومن ثم، فإن تحويل كل خلاف سياسي إلى اختبار للوطنية يضيق المجال العام، ويمنح القرارات حصانة غير مبررة، بينما تحتاج التحديات الخارجية إلى ثقة تستند إلى المشاركة والمعلومات والنتائج القابلة للفحص.
المعيشة والحريات تختبران خطاب الاستقرار
على الجبهة الداخلية، يرفض السياسي عبد الموجود الدرديري، عضو مجلس الشعب السابق، اعتبار الأزمات الخارجية ضمانة دائمة لاستمرار الحكم، ويرى أن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية تضع حدوداً لتأثير التعبئة الإعلامية على المواطنين.
ويربط الدرديري موقفه بما يصفه بتدهور التعليم والخدمات الصحية وارتفاع تكاليف الغذاء والطاقة والدواء، معتبراً أن الأسرة المحاصرة باحتياجاتها الأساسية ستواصل البحث عن إجابات عملية مهما تصاعد الحديث عن التهديدات الإقليمية.
ويؤكد أن مطالبة المصريين بتغيير السياسات أو النظام لا تعني رغبتهم في إسقاط الدولة، بل تعبر، في تقديره، عن التطلع إلى حكم يستمع إليهم ويقبل المحاسبة ويضمن الحد الأدنى من الحياة الكريمة.
ويضع هذا الطرح العلاقة بين المواطن والدولة في مركز النقاش، فالأمن القومي لا يقتصر على الحدود والممرات البحرية، وإنما يشمل قدرة الناس على العلاج والتعلم والعمل وتوفير الطعام دون استنزاف متواصل لدخولهم.
وتثير انتقادات المعارضة للديون والمشروعات الكبرى وبيع الأصول سؤالاً عن عدالة توزيع التكلفة، وحجم العائد الاجتماعي للإنفاق، ومدى مشاركة المواطنين في تحديد الأولويات التي تؤثر في حاضرهم والتزامات الأجيال المقبلة على السواء.
وفي موازاة ذلك، يحذر الحقوقي بهي الدين حسن من عمق التدهور الذي يراه في الأوضاع المعيشية والتعليم والمكانة الإقليمية، ويدعو إلى فتح طريق الإصلاح أمام من يخشون انفجاراً اجتماعياً تخرج تداعياته عن السيطرة.
وتزيد الاتهامات المتداولة بشأن اعتقال معارضين وأقارب ناشطين من حساسية المشهد، لكنها تحتاج إلى توثيق مستقل لكل واقعة؛ بينما يظل ضمان الحقوق والإجراءات العادلة معياراً أساسياً لتقييم أداء السلطات الأمنية.
وتخلص هذه القراءة إلى أن الأزمات الإقليمية قد تمنح السلطة مهلة سياسية، لكنها لا تعالج أسباب السخط؛ فاستقرار مصر يحتاج إلى سياسات قابلة للمساءلة، وعدالة اجتماعية، ومجال عام يسمح بالإصلاح والمشاركة والمحاسبة.

