دفعت وزارة التربية الكويتية 7019 معلمًا ومعلمة وافدين إلى فقدان وظائفهم ضمن خطة لمعالجة فائض الكوادر، واضعة العاملين أمام كلفة تصحيح اختلال إداري، بينما تتصدر وفورات الرواتب المبررات الرسمية للقرار الجديد.

 

وبحسب بيان الوزارة، تستهدف المرحلة الأولى توفير 42 مليون دينار سنويًا من الرواتب، بعدما كشفت الدراسات فائضًا يبلغ 33268 معلمًا ومعلمة، ما يفتح سؤالًا مباشرًا عن مسؤولية الإدارات التي سمحت بتراكمه.

 

 

فائض يكشف خلل التخطيط

 

ففي تفاصيل التنفيذ، وجه وزير التربية جلال الطبطبائي القطاعات المختصة ببدء الإجراءات وإخطار المشمولين عبر تطبيق سهل، مع تأكيد مراعاة الحقوق الوظيفية واستمرار الدراسة، وفق ما نقلته صحيفة الأنباء عن الوزارة.

 

وعلى مستوى المسؤولية، لا يكفي إعلان اكتشاف الفائض لتفسير نشأته، إذ يستدعي هذا الحجم مراجعة قرارات التعيين والتوزيع والتنبؤ بالاحتياجات، وتحديد مواضع الخلل بدل اختزال المعالجة في تقليص أعداد العاملين وحدهم.

 

وفي خلفية الأزمة، قال وزير التربية الأسبق بدر العيسى عام 2016 إن الوزارة خاطبت الجامعة والتعليم التطبيقي لوقف قبول تخصص رياض الأطفال، لمعالجة فائض قدره 2500 معلمة، وفق تصريحات نشرتها الأنباء.

 

ومن هذه السابقة، يتضح أن ملف الفائض ليس اكتشافًا جديدًا، وأن التحذير منه سبق الخطة الحالية بسنوات، بما يجعل تقييم نتائج المعالجات السابقة ضرورة لفهم استمرار الاختلال داخل المنظومة التعليمية الكويتية.

 

غير أن اختلاف التخصصات والسنوات يمنع اعتبار الأرقام القديمة تفسيرًا كاملًا للوضع الراهن، لكنه يثبت وجود إنذارات مبكرة تستحق المساءلة، ومراجعة ما إذا كانت الجهات المعنية عالجت الأسباب أم أجلت آثارها.

 

وبالتالي، تصبح شفافية الدراسة أساسًا للحكم على القرار، عبر إتاحة منهج احتساب الاحتياجات وتوزيع الفائض بين المدارس، وبيان البدائل التي جرى بحثها قبل إنهاء الخدمات، وأسباب استبعاد إعادة توزيع الكوادر المتاحة.

 

كذلك، يحتاج اعتماد الأقدمية الوارد في التغطيات المتداولة إلى توضيح رسمي تفصيلي، لأن طول الخدمة لا يساوي ضعف الكفاءة، ولا ينبغي أن تتحول الخبرة المتراكمة وحدها إلى سبب لخسارة الوظيفة التعليمية.

 

وأمام هذا المشهد، يظل السؤال الأثقل متعلقًا بمن يتحمل التصحيح، فالعامل ينفذ قرار تعيين أصدرته المؤسسة، بينما تملك الإدارة أدوات تقدير الاحتياجات، وتتحمل مسؤولية مراجعتها قبل أن تتحول الأخطاء إلى خسائر أسرية.

 

 

الوفورات على حساب الاستقرار

 

أما داخل المدارس، فتقول الوزارة إن المعالجة تراعي احتياجات التخصصات، مع التوسع في تعيين الكوادر الوطنية واستمرار التعاقد لسد العجز، وهو تعهد يتطلب متابعة أثر التنفيذ على الحصص وانتظام التدريس فعليًا.

 

وفي هذا السياق، شدد وزير التربية الأسبق محمد الفارس، في حوار نشرته الوطن عام 2017، على التطوير المهني وتقييم أداء المعلم، واعتبر تطوير صنع القرار التربوي أحد محاور إصلاح التعليم بالكويت.

 

وانطلاقًا من هذا الطرح، لا يمكن اختزال كفاءة المدرسة في انخفاض فاتورة الرواتب، لأن جودة التدريس ترتبط بالتأهيل والتقييم والإدارة، وهي عناصر لا يثبت تحسنها تلقائيًا بمجرد خروج آلاف المعلمين منها.

 

بالمقابل، يبقى توظيف المواطنين هدفًا تعلنه الوزارة، لكن تقييم نجاحه يحتاج مؤشرات تتجاوز الجنسية، تشمل جاهزية البدلاء وخبراتهم واستقرار الجداول، حتى لا تتحمل الفصول الدراسية تبعات انتقال وظيفي غير محسوب الأثر.

 

علاوة على ذلك، فإن فقدان الوظيفة قد يربك التزامات السكن وتعليم الأبناء وإعالة الأسر، وهي كلفة محتملة لا تظهر في حساب الوفر السنوي، وتستدعي معالجة واضحة ضمن إجراءات إنهاء الخدمة المعلنة.

 

ولهذا، ينبغي أن تقترن الإخطارات ببيانات مفهومة عن المواعيد والمستحقات وسبل الاستفسار والتظلم، بحيث يستطيع كل مشمول ترتيب أوضاعه، بدل مواجهة قرار مصيري لا تكفي العبارات العامة لتفسير انعكاساته العملية عليه.

 

وبالتوازي، يقتضي الحديث عن حفظ الحقوق نشر تفاصيل التنفيذ ومتابعة الشكاوى، لأن التعهد المؤسسي لا يغني عن قدرة المعلم على معرفة أساس اختياره، ومراجعة بياناته، والحصول على إجابات محددة بشأن مستحقاته.

 

وعند قياس النتائج، تصبح مقارنة وضع المدارس قبل التقليص وبعده ضرورية، خصوصًا في توزيع الأنصبة واستقرار التدريس، حتى لا يتحول خفض الإنفاق إلى إنجاز حسابي يخفي تكاليف تعليمية تظهر لاحقًا للطلاب.

 

 

المصريون بين القلق والتضليل

 

في المقابل، لا تتضمن البيانات التي أمكن مراجعتها توزيعًا للمشمولين بحسب الجنسية، ولذلك لا يوجد أساس موثق لتحديد عدد المصريين الذين سيخسرون وظائفهم، أو الجزم بأنهم يشكلون النسبة الأكبر من المتضررين.

 

وتحديدًا، لا تصلح حصة المصريين في المدارس الخاصة لحساب نصيبهم من إنهاء الخدمات الحكومية، فاختلاف القطاع والتخصصات وآليات التعيين يجعل إسقاط النسب بينهما تقديرًا مضللًا، حتى لو قُدم باعتباره مجرد حساب.

 

ومن زاوية مؤسسية، ربطت الخبيرة التربوية فاطمة الهاشم تداخل الاختصاصات بتدني المستوى التعليمي، في تغطية نشرتها القبس عام 2023، وهو رأي سابق عن المنظومة وليس تعليقًا على قرار إنهاء الخدمات الحالي.

 

وبناءً على ذلك، يظل إصلاح الإدارة وتحديد المسؤوليات جزءًا أصيلًا من النقاش، لأن خفض الأعداد لا يعالج بذاته تضارب الاختصاصات، ولا يضمن منع تكرار التوسع بالتعيين ثم الاستغناء عن العاملين لاحقًا.

 

ولمنع التضليل، ينبغي أيضًا فصل قرارات الاستقدام القديمة عن القرار الراهن، فالقيود على تعاقدات خارجية في سنة معينة لا تثبت حظرًا دائمًا لجنسية بعينها، ولا تحدد هوية المشمولين بالتقليص الجاري حاليًا.

 

إزاء ذلك، تحتاج الجهات المصرية المعنية إلى طلب بيانات دقيقة عن المتضررين ومتابعة أوضاعهم، بدل ترك الأسر أمام تقديرات إعلامية متضاربة، مع توضيح ما يتاح من دعم وخيارات عملية لكل حالة.

 

وأخيرًا، يضع القرار الوزارة أمام اختبار يتجاوز توفير الأموال، يتمثل في تفسير تراكم الفائض ومحاسبة الخلل الإداري وحماية حقوق العاملين، حتى لا يصبح المعلم الحلقة التي تدفع وحدها فاتورة سوء التخطيط.