كانت مريم محمد، 28 عامًا، مهندسة معمارية من القاهرة، تتخيل بوضوح عندما كانت أصغر سنًا عائلة كبيرة وحيوية، ورجلًا تحبه، وطفلًا تستطيع أن تسهم في تشكيل شخصيته ليجعل العالم أفضل قليلًا. لكن مع بلوغها سن الرشد، تخلت عن تلك الصورة. وترى نادين تاج، الصحفية في «إيجيبتين ستريتس»، أن مريم ليست حالة فردية، إذ يتجه عدد متزايد من المصريين في أواخر العشرينيات والثلاثينيات إلى إعادة التفكير في قرار الإنجاب.

 

وقالت مريم لـ«إيجيبتين ستريتس»: «لا أستطيع تحمل فكرة أن أؤدي المهمة بشكل عادي، أو أن أربي شخصًا لا يشعر بأنه محبوب أو غير راضٍ عن حياته أو عاجز عن الوصول إلى أقصى إمكاناته».

 

ومريم ليست سوى واحدة من كثيرين.

 

ففي مختلف أنحاء القاهرة، يصل عدد متزايد من المصريين في أواخر العشرينيات والثلاثينيات إلى النتيجة نفسها، ليس بسبب عدم اهتمامهم بتكوين أسرة، وإنما بسبب مدى جديتهم في التعامل مع مسؤوليات تربية طفل وتكاليفها والواقع الذي يحيط بها.

 

وتكشف مقابلات أجرتها «إيجيبتين ستريتس» مع عدد من الأشخاص عن قاسم مشترك يتمثل في تأجيل الإنجاب أو التخلي عنه، بعدما لم يعد الأمر مجرد اختيار شخصي يتعلق بنمط الحياة، وإنما صار استجابة مباشرة لأزمة اقتصادية وطنية، واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، ومشهد إقليمي تهزه الحروب.

 

وتدعم البيانات دوافعهم.

 

ارتفاع تكاليف المعيشة يعيد حسابات الإنجاب

 

ارتفع معدل التضخم السنوي في المناطق الحضرية بمصر إلى 15.2% في مارس 2026، ثم صعد مجددًا إلى 14.9% في يوليو، بعد فترة قصيرة من التراجع، وفقًا للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. كما ارتفعت تكاليف السكن والمرافق وحدها بنسبة 31.7% على أساس سنوي في فبراير 2026.

 

وتراجعت معدلات الخصوبة أيضًا. وانخفض معدل الخصوبة الإجمالي في مصر إلى 2.34 طفل لكل امرأة عام 2025، مقارنة بـ2.54 طفل في عام 2023، بينما تراجع معدل المواليد الخام إلى 18.1 مولودًا لكل ألف نسمة، مقابل 19.4 مولودًا، وفقًا لوزارة الصحة والسكان المصرية.

 

ولأول مرة منذ سنوات، انخفض عدد المواليد السنوي إلى أقل من مليوني مولود. وتعزو الحكومة هذا التراجع إلى حملات تنظيم الأسرة، بينما يرى خبراء أن ارتفاع التضخم، الذي بلغ 33.6% في عام 2024، يمثل العامل الحقيقي وراء انخفاض معدلات الإنجاب.

 

وبالنسبة إلى الأشخاص الذين يعيشون هذه الظروف، تبدو الحسابات بسيطة وقاسية في الوقت نفسه.

 

كان محمد علاء، 32 عامًا، مهندسًا كهربائيًا من القاهرة، يفترض في السابق أن الأبوة جزء من مستقبله. لكن ما غير رأيه كان إدراكه لحجم التنازلات التي ستفرضها عليه؛ فإما أن يوفر لطفله كل شيء ثم يشعر بالاستياء بسبب التضحيات التي اضطر إلى تقديمها، أو يقلل من إنفاقه عليه، ويخاطر بأن يشعر الطفل بالاستياء منه بسبب ذلك.

 

وقال: «لا يوجد ما يكفي من المال والفرص لأبني لنفسي حياة مستقرة، ناهيك عن طفل».

 

وعلى الجانب الآخر، لم تشعر دنيا أحمد، 29 عامًا، وهي مديرة إبداعية، يومًا برغبة ملحة في الأمومة، لكنها تقول إن اقتصاديات الأبوة والأمومة في مصر عززت قرارها.

 

وقالت: «لا توجد طريقة تتيح لك تحمل تكاليف منح طفلك فرصة لحياة جيدة من دون إنفاق الكثير على تعليمه».

 

وترى دنيا أن البلاد تنقسم بصورة متزايدة إلى مستويين من الأطفال؛ فهناك «المحظوظون» الذين يعيشون في «جهل كامل بوضع الأطفال الآخرين الذين يعيشون في الفقر»، وفي الجانب الآخر يأتي الجميع.

 

ويتوافق تصور أحمد مع البيانات أيضًا.

 

ورغم أن الاقتصاد المصري يشهد نموًا من الناحية الفنية، بعدما بلغ الناتج المحلي الإجمالي نموًا بنسبة 5.3% في الربع الثاني من السنة المالية 2025/2026، مقارنة بـ4.3% في الفترة نفسها من العام السابق، فإن 33.5% من المصريين ما زالوا يعيشون تحت خط الفقر، وفقًا لتقرير رسمي صدر عام 2025. وظلت هذه النسبة مستقرة، بينما يواصل التضخم المرتفع تقليص القوة الشرائية للأسر.

 

ويؤثر تضييق ميزانية الأسرة في قرار الإنجاب بقدر ما تؤثر حالة عدم الاستقرار الاقتصادي.

 

وقال طاهر حسام، 34 عامًا، مدير مشتريات، إنه لطالما تخيل نفسه أبًا، لكنه يريد تحقيق ذلك بعد أن يبني الحياة التي يريدها.

 

وأوضح: «يشعر العالم بأنه أقل يقينًا، وهذا يجعلني أرغب أكثر في أن أكون راسخًا ومستعدًا قبل تحمل مسؤولية حياة جديدة ستعتمد عليّ».

 

وعبر محمد عن مخاوف مماثلة، إذ يخشى عدم النجاح في أداء دوره كأب.

 

وقال: «يبدو العالم قاسيًا للغاية الآن، ومشاهدته أمر مؤلم. يبدو أن إدخال مزيد من الأشخاص في هذه المعادلة، ومحاولة حمايتهم أو رفع معنوياتهم، أمر مستحيل».

 

الإنجاب يتحول إلى قرار شخصي محسوب

 

ما يميز تردد هذا الجيل عن مجرد مواجهة الصعوبات هو الطريقة المتعمدة التي يصف بها أفراده قراراتهم، إذ لم يعتبر أي منهم قراره خسارة.

 

وأعربت أحمد عن يقينها بقرارها، وكذلك حسام.

 

وقال حسام: «لا أرى أنني أتخلى عن أي شيء»، معتبرًا تأجيل الإنجاب شكلًا من أشكال الرعاية وليس وسيلة للهروب من المسؤولية.

 

ورغم أن علاء «يشعر بالسلام إلى حد كبير» مع قراره، فإنه لا يستطيع منع نفسه من التفكير فيما كان يمكن أن يحدث. ومع ذلك، حتى التعافي الافتراضي للاقتصاد لن يغير موقفه.

 

كما أن تحسن الاقتصاد لن يدفع محمد إلى إعادة التفكير في قراره. وقالت: «لا أحب الندم أو تخيل افتراضات لا يمكن أن تصبح حقيقة. في ظل الظروف الحالية، بالكاد أستطيع تصور مستقبلي أنا، فما بالك بمستقبل شخص يعتمد عليّ».

 

وقال علاء إن تحسن الظروف قد يساعده على المدى القصير، لكنه «غير متأكد من أنه سيثق بها بدرجة كافية ليجلب طفله إلى هذا العالم».

 

وكان حسام الوحيد الذي ترتبط حيرته بدرجة أكبر بتوقيته الشخصي وليس بالظروف الوطنية، إذ قال إن تحسن الظروف قد يدفعه إلى تقديم خططه، لكنه أضاف: «سأظل راغبًا في تحقيق أهدافي الأساسية أولًا».

 

وفي بلد يشكل فيه الأطفال دون 18 عامًا 39.7% من السكان، قد يثبت هذا التحول في المواقف أنه أكثر تأثيرًا من أي تقرير منفرد عن التضخم.

 

ولا تزال أعداد السكان في مصر تتزايد، لكن بعض الأشخاص الذين يفترض أن يسهموا في قيادة هذا النمو يصفون الأبوة والأمومة بصورة متزايدة باعتبارها مخاطرة ينبغي تقييمها، لا محطة حياتية متوقعة.

 

وفي الوقت الحالي، يختار عدد متزايد منهم عدم خوض هذه المخاطرة.

 

https://egyptianstreets.com/2026/09/03/why-many-egyptians-are-rethinking-having-children/#google_vignette