كشف تجدد تكسير تماثيل الحديقة اليابانية بحلوان عن فجوة واضحة في حماية موقع تراثي يتجاوز عمره قرنا، بعدما ظهرت رؤوس مقطوعة وكسور جديدة وأجزاء متناثرة رغم شكاوى وتحقيقات سابقة معلنة.

 

وأظهرت الصور التي وثقتها مفتشة الآثار نجلاء مجدي أن التلف لم يعد مقتصرا على آثار قديمة، إذ رصدت كسورا حديثة في الأكتاف والرقاب، إلى جانب اختفاء أجزاء من تماثيل داخل الحديقة.

 

وبحسب البيانات التاريخية، أنشئت الحديقة عام 1919 واكتمل تصميمها عام 1922 على مساحة تقارب 10 أفدنة، لتصبح أحد أقدم النماذج المصرية التي استحضرت الطراز الآسيوي داخل فضاء عام بالقاهرة الحديثة.

 

وفي الوقت نفسه، تضم الحديقة عشرات التماثيل والعناصر المعمارية والنباتية ذات الدلالة التاريخية، ما يجعل أي تلف يصيبها خسارة تتجاوز الشكل الجمالي إلى ذاكرة حلوان وعلاقتها بتاريخ الحدائق العامة في مصر.

 

كما أن الأزمة لم تبدأ هذا الأسبوع، إذ تعود شكاوى موثقة إلى 2025 بشأن رؤوس مفقودة وتماثيل مكسورة، وهو ما يثير سؤالا مباشرا حول ما جرى بعد البلاغات السابقة ولماذا استمرت الأضرار.

 

غياب الحماية اليومية

 

وأكدت نجلاء مجدي، مفتشة الآثار الإسلامية والقبطية بحلوان، أنها رصدت خلال زيارة حديثة أضرارا طالت أكثر من أربعة تماثيل، معتبرة أن نمط الكسور يشير إلى تدخل مباشر وليس تآكلا طبيعيا.

 

وأضافت مجدي أن بقايا بعض التماثيل ظهرت في أماكن متفرقة، فيما شاهدت طفلا يحمل أذنا مكسورة لأحدها، وهي واقعة تكشف حجم سهولة الوصول إلى الأجزاء المتضررة دون تأمين كاف داخل الموقع.

 

ومن جانبها، حملت مجدي جهات الإدارة المحلية والحدائق المتخصصة مسؤولية قصور الصيانة والمتابعة، مشيرة إلى أن وجود موظفين وأمن داخل الموقع لم يمنع استمرار التكسير أو يحفظ الأجزاء المنفصلة تمهيدا للترميم.

 

وعلى الجانب الآخر، نفت إدارة الحدائق المتخصصة وجود تخريب حديث، وأرجعت بعض التلفيات إلى أحداث سابقة، ما يخلق تعارضا يحتاج إلى فحص فني مؤرخ للكسور بدلا من الاكتفاء بتبادل الروايات.

 

لذلك، تصبح كاميرات المراقبة وسجلات الحراسة وتقارير الصيانة أدوات حاسمة لتحديد توقيت التلف ومسؤوليته، لأن غياب التوثيق يسمح بتحويل كل واقعة جديدة إلى خلاف حول تاريخها بدلا من منع تكرارها.

 

تسجيل يحمي الموقع

 

وأشار خبير الآثار عبد الرحيم ريحان في تصريحات سابقة إلى أن الحديقة اليابانية تستوفي قيمة تاريخية ومعمارية واضحة، وطالب بتطويرها وترميمها ووضعها ضمن مسار حماية أكثر صرامة وفاعلية حتى اليوم.

 

وأوضح ريحان أن معاينات سابقة أوصت بترميم التماثيل والأكشاك وتطوير الإنارة وشبكات الري ورفع كفاءة الأسوار، إلى جانب تركيب وسائل مراقبة تمنع العبث بالعناصر التاريخية داخل الحديقة بصورة متكررة اليوم.

 

وفوق ذلك، دعا ريحان إلى تسجيل الحدائق التراثية غير المسجلة ضمن منظومة الحماية القانونية، معتبرا أن التسجيل يمنحها إطارا أوضح للصيانة والحفاظ ويقلل احتمالات تركها رهينة لتعدد جهات الإدارة المختلفة.

 

وبهذا المعنى، لا تكمن المشكلة فقط في كون الحديقة مسجلة أثريا أو غير مسجلة، بل في غياب نظام حماية فعلي يضمن التدخل فور ظهور الكسر ويحفظ الأجزاء ويمنع العبث مستقبلا.

 

ومن ثم، فإن ترك أجزاء التماثيل في متناول الزوار يضاعف الخسارة، لأن القطعة المنفصلة قد تضيع أو تتعرض لكسر إضافي، بينما يمثل جمعها وتوثيقها خطوة أولى لأي ترميم علمي لاحق.

 

إدارة التراث لا التجميل

 

ويرى المهندس محمد أبو سعدة، رئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، أن الحدائق التراثية جزء من ذاكرة المدن، وأن التعامل معها يجب أن يخضع لقواعد حماية تختلف عن الصيانة التقليدية للمسطحات الخضراء.

 

وسبق لأبو سعدة أن أكد إعداد أدلة ومعايير لإدارة الحدائق التراثية، تشمل أسس الحفاظ والارتقاء والتنسيق الحضاري، بما يعني أن المشكلة ليست نقص المعرفة الفنية بقدر ضعف التطبيق والمتابعة المستمرة.

 

وعلاوة على ذلك، يشير حديثه عن الأرشيف القومي للحدائق إلى أهمية التوثيق الكامل للعناصر الأصلية، لأن أي ترميم دون سجل دقيق للأشكال والخامات والمواقع قد يحول الإصلاح إلى تشويه جديد.

 

وبناء على ذلك، تحتاج الحديقة اليابانية إلى حصر فوري لكل تمثال وقطعة مفقودة أو مكسورة، مع تصوير حالتها وتحديد مستوى الضرر وتاريخ اكتشافه قبل بدء أي تدخل إنشائي أو تجميلي.

 

وفي السياق نفسه، قال النائب محمد فريد إن استمرار الإهمال يكشف خللا أوسع في إدارة الأصول العامة، مؤكدا أن الحديقة تمثل مساحة خضراء وتاريخية لا يجوز التعامل معها بمنطق رد الفعل.

 

كذلك، فإن استمرار التعديات رغم وجود إدارة وأمن يطرح سؤال الكفاءة لا العدد، لأن حماية موقع مفتوح تحتاج إلى توزيع مسؤوليات واضح ومسارات تفتيش منتظمة ومحاسبة فعلية عند ثبوت التقصير.

 

أما الصيانة الوقائية، فهي أقل كلفة من انتظار تحطم العناصر ثم البحث عن ترميمها، خصوصا عندما تكون بعض الأجزاء الأصلية قابلة للفقد النهائي أو الاستبدال بنسخ لا تحمل القيمة نفسها.

 

لهذا، ينبغي أن تشمل الاستجابة حماية فورية لمحيط التماثيل وتوثيق الكسور وجمع الأجزاء المنفصلة ومراجعة تسجيلات المراقبة، بالتوازي مع تقييم هندسي وأثري مستقل يحدد ما يحتاج إلى ترميم عاجل فعليا.

 

وفي المقابل، فإن تحويل القضية إلى خلاف حول الجهة المسؤولة سيعيد إنتاج الأزمة، لأن تعدد الاختصاصات بين المحافظة والحدائق والتنسيق الحضاري لا يعفي أي طرف من واجب حماية الأصل العام.

 

وأخيرا، تكشف الحديقة اليابانية أن التراث قد يضيع تدريجيا لا بقرار هدم واحد، بل عبر كسر صغير يتبعه صمت طويل، ثم جزء مفقود، حتى يصبح ما كان قابلا للحماية ذكرى.