يربط الكاتب أسامة جاويش بين الإبادة الجماعية الجارية في قطاع غزة وبين أحداث مجزرة رابعة العدوية التي وقعت قبل أحد عشر عاما. ويؤكد الكاتب أن آلة الدعاية الصهيونية استخدمت نفس الأكاذيب التي روجها الإعلام المصري لتشيطن المعتصمين وتبرر سفك الدماء. ولذلك، يرى المراقبون أن الصمت الدولي تجاه دماء المسلمين في رابعة شجع الاحتلال على تكرار ذات المشاهد المروعة في فلسطين.
وتشترك المجزرتان في أساليب الحرب النفسية والترويع المنهجي الموجه ضد المدنيين العزل. فقد ألقت الطائرات في كلا المشهدين منشورات تحذر الأهالي وتطالبهم بإخلاء أماكنهم، ثم استهدفتهم القنابل والأسلحة النارية بلا رحمة. وبناء على ذلك، تكرس هذه الممارسات سياسة العقاب الجماعي التي تخالف مبادئ العدالة وتستبيح حرمة دماء المسلمين وممتلكاتهم.
وتتجسد أبشع صور التشابه في استهداف المساجد والمستشفيات وتدميرها فوق رؤوس من فيها. حيث أحرق الجنود المستشفى الميداني في رابعة العدوية بمن فيه من جرحى وأطباء، ليعيد الاحتلال الصهيوني ذات الجريمة في مجمع الشفاء الطبي. وفي هذا السياق، نستحضر قولا يؤكد أن التاريخ يعيد نفسه عندما تُنسى الجرائم وتُترك بلا محاسبة.
"المجازر المنسية تتكرر." المصدر: علي عزت بيغوفيتش
وتبرز مشاهد حرق الخيام كدليل دامغ على تطابق العقلية الإجرامية بين منفذي المجزرتين في مصر وفلسطين. فقد أحرق الجنود عشرات المعتصمين أحياء في ميدان النهضة، لتتكرر الفاجعة ذاتها في خيام النازحين بمدينة رفح. وعلاوة على ذلك، يتبادل القتلة نفس نظرات التشفي والشماتة وهم يرفعون أسلحتهم فوق الجثث الطاهرة التي ارتقت إلى ربها.
يسعى الإعلام المعادي دائما إلى قلب الحقائق وتبرئة المجرمين وإلقاء اللوم على الضحايا الأبرياء. حيث ادعت القنوات المصرية أن المعتصمين يقتلون بعضهم البعض، بينما زعم الاحتلال أن المقاومة هي من قصفت المستشفى المعمداني. وبالتالي، يشكل الإعلام المضلل ذراعا أساسية في منظومة القمع التي تستهدف كسر إرادة الأمة الإسلامية وتزييف وعيها.
كما يطول الاستهداف الممنهج الصحفيين الذين يسعون لنقل الحقيقة وفضح الجرائم أمام العالم. فقد سقط العديد من الإعلاميين شهداء في ساحة رابعة، ليلحق بهم أكبر عدد من الصحفيين الشهداء في تاريخ الحروب على أرض غزة. ومن ناحية أخرى، تتطابق مشاهد إذلال الأسرى وتجريدهم من ملابسهم بين أيدي الجنود في كلا البلدين لتؤكد وحدة النهج القمعي.
"إن إبادة غزة بدأت بمجزرة رابعة، بدعم إماراتي وسعودي، ومباركة أمريكية، وسعادة إسرائيلية، وتواطؤ غربي، وصمت شعبي."
- أسامة جاويش، ميدل إيست مونيتور
وتتجلى وحشية المشهد في استهداف الفئات الأضعف من الأطفال والنساء دون أي رادع أخلاقي أو إنساني. فقد وثقت الكاميرات صرخات طفل مصري يناجي أمه الشهيدة في ميدان رابعة لعلها تستيقظ من غفوتها الأبدية. ثم تتكرر المأساة ذاتها بعد سنوات مع طفل فلسطيني يبكي والده الشهيد متسائلا عمن سيوقظه لصلاة الفجر في غزة.
وتكشف هذه الأحداث المتعاقبة عن وحدة المنهجية التي تتبعها قوى الطغيان لإخضاع الشعوب الحرة الرافضة للظلم. حيث تستمد الأنظمة الاستبدادية العلمانية في المنطقة ممارساتها القمعية من نفس النبع الذي يغذي آلة الحرب الصهيونية. وعلاوة على ذلك، يشير هذا التشابه الدقيق في أساليب القتل والتنكيل إلى تبادل الخبرات الإجرامية بين قوى الاستكبار العالمي والمحلي.
وتقف الأمة الإسلامية اليوم أمام تحديات مصيرية تتطلب وعيا عميقا بحقيقة المعركة التي تستهدف دينها وهويتها. فالمساجد التي أُحرقت ودُمّرت لم تكن مجرد جدران وأحجار، بل كانت قلاعا للإيمان ومحاضن لتربية النفوس الزكية. ومن ثم، يمثل استهداف هذه المقدسات حربا صريحة على عقيدة الأمة، ويستدعي العودة الصادقة إلى الله والتمسك بتعاليم الدين الحنيف.
"كل شيء بدأ في هذا اليوم، قبل 11 عاماً."
-أسامة جاويش، ميدل إيست مونيتور
ويتبنى الإعلام المعادي استراتيجية شيطنة الضحية لتبرير أفظع الجرائم التي تُرتكب ضد الإنسانية جمعاء. فقد حشدت السلطات المصرية شخصيات دينية كدعاة السلاطين لتأليب الرأي العام ضد المعتصمين وتبرير إراقة دمائهم. وبالمثل، يستعين الكيان الصهيوني بأبواق إعلامية ناطقة بالعربية لغسل أدمغة الجماهير وإيهامهم بأن المقاومة هي المسؤولة عن دمار القطاع.
وتعكس هذه المواقف الإعلامية المتخاذلة انحرافا خطيرا عن قيم الصدق والأمانة التي أمر بها الإسلام. حيث ينبري بعض المحسوبين على العلم والدين لتبرير سفك الدماء المعصومة، متناسين الوعيد الشديد الذي توعد الله به قتلة المؤمنين. ولذلك، يجب على المسلم الحق أن يحصن نفسه ضد هذه الدعاية المضللة، وأن يستقي وعيه من المصادر الموثوقة التي تحترم عقله ودينه.
تقنين الاستبداد وصناعة الخوف
وينتقل الباحث داغيم يوهانس إلى تحليل البنية الهيكلية للقمع الذي تلا تلك الأحداث الدامية في مصر. ويوضح الباحث أن السلطات لم تكتفِ بإعادة الاستبداد القديم بل أعادت هيكلته ليصبح جزءا من النظام القانوني والمؤسسي. ونتيجة لذلك، تحولت آليات القمع إلى أدوات يومية تهدف إلى إخضاع المجتمع وإخماد أي صوت ينادي بالحق والعدل.
وتوظف الأنظمة القمعية القوانين الملتوية لشرعنة انتهاكاتها وتوسيع دائرة اعتقال المعارضين السلميين. حيث جرم قانون التظاهر التجمعات السلمية، بينما وسع قانون مكافحة الإرهاب تعريف الإرهاب ليشمل كل من يخالف توجهات السلطة. وبناء على ذلك، تكتظ السجون بعشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين الذين زُج بهم خلف القضبان تحت مظلة نصوص قانونية جائرة.
وتعتمد السلطة الاستبدادية سياسة الأقلمة الأمنية لتصوير كل معارضة على أنها تهديد وجودي لاستقرار البلاد. وقد شمل هذا التصنيف التعسفي الصحفيين والناشطين، ليُبرر سلب حرياتهم أمام الرأي العام المحلي والدولي. وفي هذا الإطار، تضمن هذه المنظومة إفلات القوات الأمنية من العقاب وتمنحهم حصانة مطلقة لارتكاب المزيد من التجاوزات.
"لم يكن القمع في مصر ما بعد 2011 مجرد عودة إلى الممارسات السابقة، بل كان إعادة تشكيل لكيفية ممارسة الإكراه."
داغيم يوهانس، هورن ريفيو
وتهدف هذه السياسات الممنهجة إلى تفتيت النسيج المجتمعي وزرع انعدام الثقة بين أفراد المجتمع المسلم. حيث تعتمد السلطات على المراقبة الواسعة والقوانين الصارمة لعزل الجماعات والأفراد ومنعهم من التواصل الفعال. وبالتالي، تضعف الروابط الاجتماعية التي حث عليها الإسلام، وتتلاشى القدرة على التنظيم الجماعي لمواجهة الظلم والطغيان.
وتحاصر التشريعات القمعية مؤسسات المجتمع المدني وتجردها من استقلاليتها وقدرتها على إحداث تغيير إيجابي. فقد فرضت القوانين قيودا خانقة على تمويل ونشاط هذه المؤسسات، لتصبح خاضعة تماما لرقابة الدولة وتوجيهاتها. ومن ثم، تضمن السلطة بقاء هذه المؤسسات مشتتة وضعيفة، مما يمنعها من أداء دورها في توعية الأمة وخدمة قضاياها.
وتعكس هذه الإجراءات قدرة الأنظمة الاستبدادية على التكيف مع المتغيرات وخلق أساليب جديدة للهيمنة والسيطرة. فلم تسع السلطات إلى القضاء على المجتمع المدني بالكامل، بل أعادت تشكيل البيئة التي يعمل فيها لصالحه. وبذلك، يتحول الاستبداد إلى بنية تحتية مستدامة تستبق المعارضة وتجهضها قبل أن تتبلور وتصبح واقعا ملموسا.
"الدولة المصرية لم تكتفِ باستعادة الاستبداد فحسب؛ بل أعادت اختراعه."
داغيم يوهانس، هورن ريفيو
وتعمق الباحث داغيم يوهانس في دراسة الآليات القانونية التي ابتكرتها السلطة لتكريس هيمنتها المطلقة على مقاليد الحكم. حيث تحولت القوانين من أداة لتحقيق العدل وحماية الحقوق إلى سلاح فتاك يُشهر في وجه كل من يطالب بالإصلاح. وفي هذا الصدد، يمثل قانون تنظيم التظاهر تدميرا منهجيا لحرية التعبير السلمي التي تكفلها الفطرة السوية.
وتستغل السلطات الاستبدادية ذريعة مكافحة الإرهاب لتصفية الحسابات السياسية وإسكات جميع الأصوات المعارضة بلا تمييز. فقد أصبح الاتهام بالإرهاب تهمة جاهزة تُلقى على عاتق الصحفيين بمجرد توجيههم لأي انتقاد موضوعي للأداء الحكومي. وبناء على ذلك، تعيش المجتمعات في حالة من الرعب والترقب الدائم، خشية أن يطولها سيف القوانين الاستثنائية الجائرة.
ويمتد هذا القمع الهيكلي ليشمل إعادة تشكيل الفضاء العام والسيطرة الصارمة على الشوارع والميادين الكبرى. فقد نشرت السلطات كاميرات المراقبة وكثفت التواجد الأمني لتحول المدن إلى ثكنات عسكرية تمنع أي تجمع سلمي. ومن ناحية أخرى، تهدف هذه السيطرة المكانية إلى خنق أي محاولة للعمل الجماعي وإبقاء الأفراد في دائرة الانفراد والعزلة.
وتتجلى آثار هذه السياسات في تحجيم دور مؤسسات العمل الأهلي التي كانت تسهم في دعم الفئات الضعيفة. فقد قيدت التشريعات الجديدة حركة هذه المؤسسات وجعلت أنشطتها مرهونة بموافقات أمنية معقدة وشروط تعجيزية. وبالتالي، فقدت الأمة جزءا كبيرا من طاقاتها الحيوية التي كانت تُسخر للتخفيف من معاناة الفقراء والمحتاجين.
ويسعى النظام من خلال هذه الترسانة القانونية إلى إضفاء شرعية زائفة على ممارساته القمعية أمام المجتمع الدولي. حيث يوهم العالم بأنه يكافح التطرف ويحمي استقرار المنطقة، بينما يمارس إرهاب دولة ممنهج ضد شعبه. ولذلك، ترفض العقلية الإسلامية الواعية هذه الخدع البصرية، وتدرك أن الاستقرار الحقيقي ينبع من إقامة العدل واحترام كرامة الإنسان.
وتمثل قضية المصور الصحفي محمود أبو زيد نموذجا صارخا لكيفية توظيف القوانين في قمع حرية نقل الحقيقة. فقد قضى هذا الشاب سنوات طويلة في غياهب السجون لمجرد قيامه بتوثيق الجرائم بكاميرته الخاصة. وعلاوة على ذلك، تثبت هذه الحالات الفردية أن منظومة العدالة اختطفت بالكامل لتصبح أداة طيعة في يد الجلاد.
هشاشة النظام وتداعيات القمع
وتخفي الواجهة الصلبة لهذه الأنظمة القمعية هشاشة داخلية تجعلها تعيش في حالة من الرعب المستمر. حيث يعتمد بقاء هذه الأنظمة على الإنتاج الدائم للخوف وإلغاء أي مساحة حقيقية للتعبير الحر أو التنظيم المستقل. ولذلك، تدرك السلطات أن استقرارها المزعوم هو مجرد وهم يحتاج إلى تغذية مستمرة بأدوات المراقبة والعنف الموجه.
ويدفع هذا الهوس الأمني الأنظمة إلى مضاعفة قمعها، مما يزيد من الضغوط المحتقنة داخل أروقة المجتمع. فالأنظمة التي لا تحتمل أدنى درجات النقد تضطر إلى قمع كل شيء، وتخاطر بذلك بتفجير الأوضاع التي تحاول السيطرة عليها. وفي النهاية، تؤدي الأزمات الاقتصادية وتفكك النخب إلى زعزعة هذه الأسس الواهية التي بنيت على الظلم وسلب الحقوق.
وتؤكد التجارب التاريخية أن الظلم لا يدوم، وأن الأنظمة التي تعتمد على الإكراه تحمل بذور فنائها في داخلها. فقد يعتقد البعض أن الاستبداد تجذر واستقر، لكن الحقيقة تثبت أن استدامته مشروطة ومبنية على أسس سياسية هشة. وبناء على ذلك، يجب على الأمة أن تستوعب هذه الدروس وتدرك أن القوة الغاشمة لا تبني دولا مستقرة ولا تحقق نهضة حقيقية.
"الدرس المستفاد من عام 2011 إذن ليس أن الاستبداد في مصر صامد بأي معنى مطلق، بل إن استمراريته مشروطة ومبنية سياسيا."
- داغيم يوهانس، هورن ريفيو
ويربط العقل المسلم بين الأحداث الجارية وبين السنن الإلهية التي تحكم مسيرة التاريخ وصعود وسقوط الأمم. فكل قطرة دم تُسفك ظلما في ساحات الاعتصام أو تحت أنقاض المنازل المدمّرة تُسجل في صحائف لا تُنسى. وبالتالي، يبقى الأمل معقودا على وعي الشعوب ويقينها بأن عاقبة الظالمين محتومة مهما طال الزمن وتعددت آليات البطش.
ويتطلب تفكيك هذه البنية القمعية وعيا شاملا وعودة صادقة إلى المفاهيم الإسلامية الأصيلة التي تُعلي من شأن الأسرة والمجتمع. حيث تبدأ مقاومة الاستبداد من بناء أسرة مسلمة متماسكة يسودها الاحترام المتبادل ويتربع الأبوان على قمتها بحكمة وحنان. وبالتالي، ينشأ جيل قوي نفسيا وفكريا قادر على التمييز بين الحق والباطل، ومؤهل لحمل أمانة النهوض بالأمة من كبوتها.
"الغريب أن مشاهد الاعتقال والاحتجاز هي نفسها بين رابعة وغزة، وكأن الجاني واحد."
أسامة جاويش، ميدل إيست مونيتور
وتتلاقى خيوط المأساة بين مصر وفلسطين لتؤكد أن المعركة واحدة وأن العدو يتبادل الأدوار لتمزيق جسد الأمة. فما حدث في ميادين القاهرة لم يكن منفصلا عما يجري اليوم في شوارع غزة ومخيماتها الصامدة. وبناء على ذلك، تظل قضية تحرير الإرادة الإسلامية من قيود الاستبداد المحلي خطوة أساسية نحو تحرير المقدسات من دنس الاحتلال الأجنبي.
https://www.middleeastmonitor.com/20240816-gazas-genocide-started-with-the-rabaa-massacre/?amp=
https://hornreview.org/2026/06/18/the-structural-rebuilding-of-repression-in-post-2011-egypt/

