ارتكبت قوات الأمن المصرية في الرابع عشر من أغسطس عام ألفين وثلاثة عشر أسوأ عملية قتل جماعي للمتظاهرين في التاريخ الحديث. فاقتحمت القوات الميدانين، رابعة العدوية والنهضة، وفتحت نيران أسلحتها على حشود المعتصمين السلميين المطالبين بعودة المسار الديمقراطي. وأسفرت تلك الحملة العنيفة عن مقتل ما يزيد على تسعمائة شخص في وضح النهار، لتهدر دماء الأبرياء دون محاسبة الجناة حتى يومنا هذا.

 

وجاءت هذه الأحداث الدامية بعد مرور ستة أسابيع على إنقلاب الجيش على الرئيس المنتخب ديمقراطيا، ليطالب آلاف المعتصمين بعودته إلى منصبه. وتجمع في الميدان رجال ونساء وأطفال، ينتمون لتيارات سياسية مختلفة، رفضا للانقلاب العسكري ودفاعا عن مكتسبات ثورة يناير السلمية. ولذلك، شكلت هذه المجزرة نقطة تحول مظلمة أنهت مسار التحول الديمقراطي الذي كانت تأمله شعوب المنطقة بشغف كبير.

 

وشهدت الساحة السياسية قبل المجزرة توترات بالغة إثر تصريحات وزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي التي مهدت للتدخل العنيف. فحذر السيسي من انزلاق البلاد نحو نفق مظلم، مطالبا بتفويض شعبي لمواجهة الإرهاب المحتمل وفرض سيطرة الدولة بالقوة. وبناء على ذلك، تصاعدت حملات التحريض الإعلامي التي طالبت بفض الاعتصام بالقوة العسكرية الغاشمة لترسيخ أركان النظام الجديد.

 

شهادات حية توثق المأساة

 

تروي الناجية جيهان ماهر عقل تفاصيل ذلك اليوم المروع وكأنه حدث بالأمس القريب، حيث شاهدت الجثث المتفحمة والمصابة بطلقات القناصة. وتصف جيهان كيف انهمر الرصاص على المعتصمين من كل حدب وصوب بمجرد أن بدأت عملية الفض العنيفة. ولذلك، أيقنت في تلك اللحظات العصيبة أنها لن تخرج من الميدان على قيد الحياة، ورأت الخط الرفيع الفاصل بين الحياة والموت.

 

"انهمر الرصاص علينا من كل جانب، ولم أعتقد يوما أنني سأخرج من الميدان حية."

- الناجية جيهان ماهر عقل، تقرير ميدل إيست آي

وحاصرت القوات المدرعة جميع مداخل الميدان الخمسة، مما جعل خروج المحاصرين أو نقل الجرحى للمستشفيات أمرا شبه مستحيل. وقتلت القوات العديد من المعتصمين أثناء محاولتهم الفرار من جحيم الرصاص والغاز الذي خنق المكان بأكمله. وشهد الواقع حصارا قاتلا أنهى حياة المئات بطرق وحشية متجاهلا وعود السلطات السابقة بتوفير ممرات آمنة للمدنيين.

وشهد المراسل الصحفي شريف عبد القدوس مشاهد الفوضى وإراقة الدماء التي وصفها بأنها الأعنف خلال تغطياته الميدانية الطويلة في مصر. فاستمع لطلقات المدافع الرشاشة وشاهد اختلاط الغاز المسيل للدموع بالدخان الأسود المنبعث من إطارات السيارات المشتعلة في محيط الميدان. ونتيجة لذلك، اكتظت المستشفيات الميدانية بأعداد هائلة من القتلى والجرحى الذين سقطوا برصاص الذخيرة الحية في ساعات معدودة.

 

"كانت الأرض زلقة بالدماء، والقتلى في كل مكان، حيث أحصيت أربعا وعشرين جثة ملقاة على الأرض في غرفة واحدة."

- المراسل شريف عبد القدوس، ديموكراسي ناو

 

واستمرت المجزرة من شروق الشمس حتى غروبها، حيث أطلقت قوات الأمن الرصاص الحي بكثافة على حشود المعتصمين العزل. ووثقت منظمات حقوقية مقتل أكثر من ثمانمائة شخص في رابعة وعشرات آخرين في ميدان النهضة، بينما تشير مصادر أخرى لأعداد مضاعفة. ولا يزال المئات من المتظاهرين في عداد المفقودين حتى هذه اللحظة وسط جهل عائلاتهم التام بمصير أبنائهم.

 

واسترجعت الناجية جيهان لحظات الرعب حين لجأ المعتصمون إلى المسجد هربا من الغاز الخانق الذي أطلقته القوات بكثافة. وأغلقت الأمهات النوافذ لحماية الأطفال، بينما نقل الرجال جثامين الضحايا وكدسوها داخل أروقة المسجد في مشهد يفطر القلوب. وتذكرت جيهان بأسى جثة شاب بلا رأس، لتتساءل عن مدى الوحشية التي دفعت القوات لتفجير أدمغة الشباب بهذه البشاعة.

 

تقارير رسمية تدين السلطات

 

وكشف تسريب لتقرير حكومي رسمي عن تفاصيل خطيرة تدين صانعي القرار وقادة العملية الأمنية بشكل قاطع ومباشر. ويؤكد التقرير المعتمد استنادا لعمل لجنة تقصي حقائق رسمية، أن غالبية ضحايا المجزرة كانوا من المدنيين الأبرياء الذين تظاهروا بسلمية تامة. ويشير التقرير بوضوح إلى إفراط القوات في استخدام الذخيرة الحية بطريقة عشوائية وغير متناسبة مطلقا مع طبيعة التجمهر البشري.

 

ويوضح الحقوقي حسام بهجت أن التقرير تضمن اعترافا رسميا من قائد العمليات الخاصة بوزارة الداخلية بوجود بدائل سلمية لفض الاعتصام. وأقر القائد الميداني بتجاهل تلك البدائل، التي شملت قطع المياه والكهرباء، لصالح تنفيذ عملية الاقتحام المسلح في يوم واحد. وبناء على ذلك، تسقط الرواية الرسمية التي روجت لاضطرار قوات الأمن لاستخدام القوة المميتة كخيار وحيد للتعامل مع المعتصمين.

 

"شهد التقرير إدلاء قائد العملية الميداني باعتراف رسمي، يؤكد فيه طرح بدائل سلمية لفض الاعتصام والتخلي عنها قبل بدء الهجوم."

- الحقوقي حسام بهجت، ديموكراسي ناو

 

وتجاهلت السلطات الحاكمة توصيات التقرير المطالبة بفتح تحقيق قضائي شامل في المجزرة لمحاسبة المتورطين الحقيقيين في إراقة الدماء. واختارت الحكومة إخفاء هذه النتائج طوال عقد كامل هربا من المساءلة الجنائية، سواء على المستوى المحلي أو الدولي. وساقت السلطات الناجين من الموت إلى السجون ليواجهوا أحكاما قاسية تصل إلى الإعدام والمؤبد بدلا من محاكمة الجناة الحقيقيين.

 

واعترف مسؤولون بارزون، كوزير الداخلية ورئيس الوزراء آنذاك، بتوقعهم سقوط آلاف القتلى قبل تنفيذ العملية الأمنية الواسعة. وتثبت هذه التصريحات نية السلطات المسبقة لإيقاع أكبر قدر ممكن من الخسائر البشرية في صفوف المعارضين لكسر إرادتهم السياسية. واعتبر رئيس الوزراء الأسبق حازم الببلاوي في شهادته أن أعداد القتلى جاءت أقل بكثير مما توقعته الحكومة قبل الهجوم.

 

واستغلت الأجهزة الأمنية حركات شبابية كحركة تمرد لتأجيج الغضب الشعبي وتبرير تدخل الجيش العنيف لإنهاء مسار الديمقراطية. وادعت الحركة جمع ملايين التوقيعات لعزل الرئيس المنتخب بصورة أثارت شكوك المراقبين السياسيين والمتابعين للشأن المصري. وتدعي ناشطة سابقة أن الحركة بدأت بشباب الثورة، لتظهر لاحقا وجوه مجهولة سيطرت على المسار لصالح أجندة المؤسسة العسكرية.

 

وكشفت تسريبات صوتية عن تلقي قيادات تمرد تمويلات مالية ضخمة عبر حسابات تديرها المخابرات وتغذيها دول خارجية. وأثبتت التسجيلات تدفق هذه الأموال من دول خليجية بهدف إسقاط أول حكومة مدنية منتخبة في مصر الحديثة. وأدركت الناشطة متأخرا دور الجيش في صناعة الفوضى واستغلال حماس الشباب لتنفيذ انقلاب عسكري مكتمل الأركان.

 

قمع مستمر وأزمة شاملة

 

وأسست مجزرة رابعة لواقع جديد اتسم بقمع غير مسبوق، ومصادرة للحريات، وانتهاك مستمر لحقوق الإنسان في كافة ربوع مصر. وألقت السلطات القبض على عشرات الآلاف من المعارضين السياسيين، وزجت بهم في سجون تفتقر لأدنى مقومات الرعاية الطبية. وتؤكد المنظمات الحقوقية أن هذا النهج أسفر عن مئات الوفيات داخل مقار الاحتجاز نتيجة التعذيب الممنهج والإهمال المتعمد.

 

وتشير التقديرات الحقوقية إلى وجود عشرات الآلاف من السجناء السياسيين القابعين في سجون النظام المصري وسط ظروف قاسية. وتعتمد السلطات بشكل متزايد على سياسة الإخفاء القسري التي تحولت إلى ممارسة منهجية لترويع المعارضين وإسكات أصواتهم الحرة. وتنفي الحكومة المصرية في المقابل وجود أي معتقلين سياسيين، متجاهلة النداءات الدولية المطالبة بالإفراج عنهم فورا.

 

وتعاني السجون المصرية من اكتظاظ رهيب ينتهك أبسط معايير حقوق الإنسان المكفولة بموجب القوانين والاتفاقيات الدولية. وتتعمد إدارات السجون حرمان المعتقلين السياسيين من الرعاية الصحية الضرورية عقابا لهم على مواقفهم السلمية المعارضة للسلطة. وتوثق التقارير تفشي الأمراض الخطيرة بين السجناء وسط غياب تام للرقابة القضائية الشفافة على أماكن الاحتجاز والتأهيل.

 

واستقرت قيادات جماعة الإخوان المسلمين في تركيا وأوروبا بعد الملاحقات الأمنية الشرسة داخل مصر وعرقلة نشاطهم السياسي. ويقبع عشرات الآلاف من أعضاء الجماعة ومناصري الرئيس الراحل مرسي في سجون شديدة الحراسة محرمين من حقوقهم الأساسية. وتواجه هذه الكوادر اتهامات مسيسة وأحكاما جائرة تهدف بالأساس إلى تصفية الوجود السياسي لجميع معارضي النظام الحاكم.

 

وأحكمت الحكومة قبضتها على المجال العام، فحظرت عمل المنظمات الحقوقية المستقلة، وقيدت حرية الصحافة، ومنعت التظاهرات السلمية تماما. وأصدرت السلطات قوانين تعسفية تقيد عمل المجتمع المدني وتمنع إجراء استطلاعات الرأي أو البحوث الميدانية دون موافقة أمنية صارمة. واضطر العديد من النشطاء والمصلحين لمغادرة البلاد هربا من الملاحقات الأمنية والمحاكمات الصورية التي تفتقر لأبسط قواعد العدالة والشفافية.

 

وقدمت الولايات المتحدة دعما مستمرا للمؤسسة العسكرية المصرية رغم توثيق الانتهاكات المروعة لحقوق الإنسان وارتكاب جرائم ضد الإنسانية. ووصف وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون كيري ما حدث بأنه استعادة للديمقراطية، متجاهلا الدماء الغزيرة التي سالت في الميادين المصرية. وحصل النظام نتيجة لذلك على غطاء دولي سمح له بمواصلة القمع وتكريس سلطته المستبدة دون خشية من المحاسبة الحقيقية.

 

ويدفع الشعب بأسره اليوم ضريبة ذلك الصمت المطبق على المجزرة، حيث تتفاقم الأزمات الاقتصادية وتتردى الأوضاع المعيشية بشكل غير مسبوق. ويدرك الكثيرون الآن، وخاصة الأجيال الشابة، فداحة التنازل عن الحريات مقابل وعود واهية بالأمن والاستقرار الاقتصادي الذي لم يتحقق أبدا. ويبقى أمل المحاسبة حيا في قلوب المدافعين عن حقوق الإنسان، الذين يواصلون نضالهم لكشف الحقائق ومحاكمة المتورطين في دماء الأبرياء.

 

وتفاعل الشباب المصري عبر منصات التواصل الاجتماعي بصدمة كبيرة مع التسريبات الأخيرة للتقرير الحكومي الذي يدين السلطات. ويشعر هذا الجيل الشاب بالغضب الشديد لغياب الحقيقة طوال لأكثر من عقد كامل وتزييف الرواية الرسمية للأحداث الدامية التي جرت. وشكلت هذه الوثيقة المسربة ضربة قاصمة للدعاية الحكومية التي حاولت طمس معالم الجريمة وإلقاء اللوم على الضحايا العزل.

 

واستهدف النظام المصري الحقوقيين البارزين كجزء من حملة الانتقام الواسعة ضد كل من يحاول كشف حقائق مجزرة رابعة. ويخضع الحقوقي حسام بهجت لتحقيقات مستمرة منذ أكثر من عشر سنوات، مصحوبة بقرارات تعسفية تمنعه من السفر خارج البلاد. وفرضت السلطات تجميدا شاملا على أمواله وحساباته البنكية، في محاولة يائسة لعرقلة جهوده المتواصلة في فضح الانتهاكات المستمرة.

 

ويعتقد المدافعون عن حقوق الإنسان أن هذه التضحيات الشخصية تمثل ثمنا زهيدا في سبيل تحقيق العدالة الغائبة وإنصاف ضحايا المجزرة. ويثق النشطاء الحقوقيون في حتمية زوال الأنظمة القمعية، مستمدين صمودهم من التجارب التاريخية التي أثبتت فشل الاستبداد في الاستمرار. ويستمر هؤلاء في توثيق الجرائم وجمع الأدلة استعدادا لليوم الذي تقف فيه قيادات النظام أمام منصات العدالة الدولية.

 

وتمثل ذكرى المجزرة جرحا غائرا في الوجدان الجمعي ووصمة عار تطارد المتورطين في سفك الدماء الزكية التي روت أرض مصر. وتؤكد المنظمات الدولية أن تجاهل تحقيق العدالة لضحايا رابعة يهدد مستقبل الديمقراطية وحقوق الإنسان في مصر برمتها. وتبقى دماء الشهداء شاهدة على حقبة مظلمة، وتنتظر إنصافا تاريخيا يعيد الاعتبار للإنسانية ويؤسس لدولة العدل والقانون.

 

https://www.democracynow.org/2023/8/17/10_years_rabaa_massacre_hossam_bahgat

 

https://www.middleeasteye.net/big-story/egypt-rabaa-massacre-ten-years-bodies-as-far-as-eye-see