تظاهر آلاف التونسيين في شارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة تونس، بعد 5 سنوات من الإجراءات الاستثنائية للرئيس قيس سعيد، احتجاجا على تدهور الأوضاع المعيشية وتراجع الحريات، ما أعاد في مصر سؤال انتقال موجات الغضب عبر الحدود.

 

ويأتي المشهد بينما يعيش المصريون تحت ضغوط معيشية متصاعدة ومساحة عامة شديدة الانكماش، إذ بنت السلطة استقرارها على توسيع أدوات الردع والملاحقة، بينما بقيت مشكلات الدخل والأسعار والديون والخدمات قادرة على إنتاج احتقان لا تمحوه الإجراءات الأمنية.

 

وفي المقابل، لا تعني عودة الشارع التونسي إلى الإحتجاجات أن مصر تقف تلقائيا أمام تكرار يناير 2011، لأن المجتمع والدولة والإقليم تغيرت جميعا، ولأن تجارب العقد الماضي صنعت لدى قطاعات واسعة خوفا حقيقيا من الفوضى والانهيار.

 

وبعد 16 عاما تقريبا من انطلاق الشرارة التونسية التي سبقت ثورة يناير، أصبحت فكرة انتقال الثورات بصورة متتابعة بين الدول العربية أقل بساطة، بعدما دفعت شعوب المنطقة أثمانا هائلة للحروب والانقسامات والانقلابات وفشل مراحل انتقالية متعددة.

 

ومن ناحية أخرى، كشفت تجارب ليبيا وسوريا واليمن والسودان أن إسقاط السلطة لا يضمن بالضرورة بناء دولة مستقرة، وهو درس صنع حاجزا نفسيا أمام قطاعات كانت تنظر عام 2011 إلى التغيير باعتباره طريقا مباشرا نحو الحرية والعدالة.

 

وبالمثل، تغيرت أدوات السلطة المصرية جذريا منذ يناير، مع توسيع قدرات المراقبة والضبط وتقييد التظاهر والعمل الحزبي والمجتمع المدني، بما جعل تكلفة التنظيم العلني أعلى كثيرا مقارنة بالمساحة التي كانت متاحة قبل سقوط حسني مبارك.

 

غير أن تطوير منظومة السيطرة لا يعني زوال أسباب الاحتجاج، لأن ارتفاع تكاليف المعيشة وضعف الدخول وتراجع قدرة الأسر على الاحتمال يمكن أن تنتج غضبا اجتماعيا مستقلا عن قدرة المعارضة المنظمة على الحشد أو الوصول إلى الشارع.

 

 

عدوى الشارع فقدت بريقها

 

وبحسب الباحث عمرو حمزاوي، فإن النظام المصري بعد 2013 أعاد بناء سلطته عبر قوانين وممارسات توسع نطاق السيطرة على المجال العام وتحد من قدرة المجتمع المدني والأحزاب والمواطنين على المشاركة المستقلة أو تنظيم الاحتجاجات السلمية.

 

وإلى جانب ذلك، يرى حمزاوي أن تحويل التشريع إلى أداة للضبط منح السلطة قدرة أكبر على احتواء الحركات المعارضة قبل تحولها إلى موجات واسعة، لكنه لا يحل التناقضات الاقتصادية والاجتماعية التي يمكن أن تغذي الاستياء على المدى الطويل.

 

وعلى هذا الأساس، تبدو مقارنة مصر الحالية بمصر يناير 2011 ناقصة، لأن السلطة لم تعد تواجه المشهد بالأدوات القديمة نفسها، بل راكمت خبرة طويلة في تفكيك التنظيمات ومراقبة المجال الرقمي ومنع التجمعات قبل اكتسابها زخما جماهيريا.

 

وفي الوقت ذاته، تغير المجتمع المصري نفسه بعد سنوات من الاضطراب والانقسام والقمع والأزمات الاقتصادية، وأصبح قطاع من المواطنين أكثر حذرا تجاه أي مسار لا يقدم إجابة واضحة عن شكل الدولة والمؤسسات والحياة اليومية بعد التغيير.

 

وبخلاف 2011، لم تعد صور سقوط نظام عربي كافية وحدها لإنتاج شعور جماعي بأن المسار نفسه قابل للاستنساخ، بعدما أصبح سؤال اليوم التالي حاضرا بقوة في أذهان قطاعات شهدت نتائج التحولات المضطربة في دول المنطقة.

 

ومع ذلك، فإن الخوف من النتائج لا يمنح السلطة حصانة دائمة، لأن المجتمعات قد تتحمل أوضاعا صعبة لسنوات ثم تتحرك عندما تتقاطع أزمة معيشية مباشرة مع إحساس بانسداد كامل أمام الشكوى والتغيير والإصلاح المؤسسي.

 

 

أزمة الاقتصاد تهدد الاستقرار

 

ويشير الباحث الاقتصادي عمرو عادلي في دراساته عن مصر إلى أن الأزمة الاقتصادية يمكن أن تقلص الموارد التي تعتمد عليها السلطة لبناء قواعد اجتماعية مستقرة، بينما يؤدي استمرار القمع دون معالجة التدهور المعيشي إلى كلفة متزايدة على النظام والمجتمع.

 

وفضلا عن ذلك، يربط عادلي مشكلات الاقتصاد المصري بترتيبات مؤسسية عميقة تتجاوز الصدمات الخارجية، وهو ما يجعل معالجة التضخم أو الديون أو ضعف الاستثمار أكثر تعقيدا إذا ظلت بنية توزيع الموارد والفرص دون إصلاح حقيقي.

 

وبالتالي، لا يصبح السؤال الأساسي عدد المتظاهرين الذين يستطيعون الوصول إلى الشارع، وإنما حجم الفئات التي تشعر بأن مستوى معيشتها يتراجع وأن الدولة لا تتيح لها أدوات فعالة للتأثير في القرارات التي تمس حياتها اليومية.

 

وعلى صعيد آخر، أظهرت السنوات الماضية أن الضغوط الاقتصادية لا تتحول آليا إلى ثورة، لكنها تستطيع توسيع فجوة الثقة بين المجتمع والمؤسسات، خصوصا عندما يشعر المواطن بأن أعباء الأزمات توزع بصورة غير عادلة بين الفئات المختلفة.

 

ولهذا، فإن اعتماد السلطة على الخوف من سيناريوهات سوريا وليبيا لا يكفي وحده لضمان الاستقرار، لأن ذاكرة الفوضى قد تؤجل الاحتجاج لكنها لا تخفض الأسعار ولا تزيد الأجور ولا تعالج ضعف الخدمات أو اتساع الشعور بالحرمان.

 

وفي الأثناء، تعيد احتجاجات تونس التذكير بأن المجتمعات التي أنهكتها التحولات السابقة يمكن أن تعود إلى الشوارع عندما يستمر التدهور، إذ رفع متظاهرون مجددا شعارات مرتبطة بالحرية والعمل والكرامة بعد سنوات من التحولات والانقسامات المتلاحقة.

 

وبناء على ذلك، لا تبدو تونس نموذجا جاهزا يمكن نسخه في مصر، لكنها تقدم إنذارا بأن إغلاق المجال العام لا يلغي الغضب، وأن تراكم مشكلات المعيشة والحكم يمكن أن يعيد قطاعات مختلفة إلى الاحتجاج.

 

 

القبضة لا تصنع شرعية

 

ويرى الباحث يزيد صايغ أن النظام المصري يتمتع بتماسك قوي في قمته، لكن اعتماده الواسع على الإكراه وعجزه عن بناء هيمنة اجتماعية مستقرة يتركان بنيته معرضة لمخاطر إذا تراكمت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية دون حلول مستدامة.

 

كما يذهب صايغ في أحدث تحليلاته إلى أن النموذج الاقتصادي القائم على التوسع في إدارة الأصول والمشروعات الممولة بالديون يزيد اعتماد مصر على تدفقات الأموال الخارجية، ويجعل الاقتصاد أكثر انكشافا أمام الصدمات الإقليمية والدولية المتكررة.

 

ومن ثم، تكمن المفارقة في أن الدولة المصرية أصبحت أكثر قدرة على منع مظاهرة وأقل قدرة على ضمان اختفاء أسبابها، إذ يستطيع الجهاز الأمني إغلاق ميدان لكنه لا يستطيع منفردا إعادة بناء القدرة الشرائية أو الثقة بالمؤسسات.

 

وفي سياق متصل، يمنح غياب تنظيم معارض واسع السلطة أفضلية واضحة في المدى القريب، إلا أن الاحتجاجات الكبرى تاريخيا لا تنشأ دائما بقرار مركزي، بل قد تبدأ من أزمة محدودة تتوسع عندما تجد صدى لدى قطاعات متضررة متعددة.

 

إضافة إلى ذلك، لا تستطيع أي قراءة جادة للمشهد تجاهل أن قطاعا من المصريين يرفض سيناريو الفوضى بقدر رفضه استمرار التدهور، ما يعني أن المطالبة بالإصلاح والاستقرار ليستا بالضرورة خيارين متناقضين كما يقدم الخطاب الرسمي أحيانا.

 

وعليه، فإن الخطر الحقيقي على مصر لا يتمثل في وصول مظاهرة تونسية افتراضية إلى القاهرة، وإنما في استمرار إنتاج الظروف الداخلية التي تجعل أي حادث اقتصادي أو اجتماعي مفاجئ قابلا للتحول إلى لحظة أوسع من الغضب.

 

وأخيرا، انتهى إلى حد بعيد زمن انتقال الثورات العربية كقطع الدومينو، لكن أسباب الانفجار لم تختف، وما يحمي الدول على المدى الطويل ليس الخوف وحده، بل شرعية الإنجاز والعدالة والاستجابة وفتح المجال أمام إصلاح يقلل الحاجة إلى الشارع.