تحولت حديقة الشلالات التاريخية، إحدى أبرز المعالم التراثية والسياحية في محافظة الإسكندرية، إلى بؤرة للتلوث والإهمال، في مشهد أثار حالة واسعة من الغضب والاستياء بين المواطنين، بعدما كشف مقاطع فيديو متداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن تدهور بيئي كبير طال البحيرات والشلالات والممرات الداخلية للحديقة، وسط مطالبات عاجلة بتدخل الجهات المختصة لإنقاذ هذا الصرح التاريخي قبل أن يفقد ما تبقى من قيمته الأثرية والسياحية.

 

وانتشر الفيديو بشكل واسع على موقع "فيسبوك"، موثقًا ما وصفه المتابعون بأنه أحد أسوأ مشاهد الإهمال التي تشهدها الحديقة منذ سنوات، حيث ظهرت المسطحات المائية وقد غطتها المخلفات البلاستيكية والقمامة، فيما بدت الشلالات التاريخية

 

في حالة من التدهور الشديد، الأمر الذي دفع أحد المواطنين للتعليق بغضب قائلاً: "إحنا في 2026.. ده منظر؟!"، في تعبير عن استنكاره لما وصلت إليه الأوضاع داخل واحدة من أشهر حدائق مدينة الإسكندرية.

 

 

بحيرة البجع تتحول إلى مستنقع ملوث

 

وأظهر الفيديو بحيرة البجع، التي طالما كانت من أبرز معالم الحديقة، وقد تحولت إلى ما يشبه المستنقع نتيجة تراكم النفايات واختلاط المياه بالمخلفات البلاستيكية، بينما اختفت المظاهر الجمالية التي اشتهرت بها المنطقة لعقود طويلة.

 

كما رصدت المشاهد انتشار القمامة على امتداد البحيرات والشلالات الصناعية، في ظل غياب واضح لأعمال النظافة الدورية والصيانة، وهو ما أثار استياء المواطنين الذين أكدوا أن هذا المشهد لا يليق بمكان يحمل قيمة تاريخية وأثرية كبيرة ويستقبل الزوار من مختلف أنحاء المحافظة.

 

 

القمامة تغلق الممرات والسلالم

 

ولم يقتصر التدهور على المسطحات المائية، بل امتد إلى الممرات الرئيسية والسلالم المؤدية إلى الحديقة، حيث وثق الفيديو تكدس كميات كبيرة من القمامة وبقايا الأشجار والمخلفات الصلبة بالقرب من المنشآت التجارية المحيطة، ومن بينها مطعم "تاكسي فود".

 

وأدت هذه التراكمات، بحسب ما ظهر في المقطع، إلى إعاقة حركة المواطنين والزوار بصورة كبيرة، فضلًا عن انتشار الروائح الكريهة التي زادت من معاناة المترددين على المنطقة.

 

 

شكاوى متكررة دون حلول

 

وأعرب عدد من المواطنين، خلال التعليقات المصاحبة للفيديو، عن استيائهم من استمرار هذا الوضع رغم تكرار الشكاوى المقدمة إلى حي وسط ومحافظة الإسكندرية وقطاع النظافة، مؤكدين أنهم لم يلمسوا أي تحرك فعلي لمعالجة الأزمة أو إعادة الحديقة إلى حالتها الطبيعية.

 

ويرى الأهالي أن استمرار الإهمال لا يمثل مجرد أزمة نظافة، بل يهدد بفقدان أحد أهم المعالم التاريخية والترفيهية التي ارتبطت بذاكرة أجيال من أبناء المدينة.

 

 

تاريخ عريق يواجه خطر الاندثار

 

وتعد حدائق الشلالات من أكبر وأقدم الحدائق العامة في الإسكندرية، إذ تمتد على مساحة تقارب ثمانية أفدنة داخل الحي اللاتيني، وتضم العديد من العناصر الأثرية والتاريخية التي تجعلها أشبه بمتحف مفتوح يجمع بين الطبيعة والتراث.

 

وتحتضن الحديقة سور الإسكندرية الأثري، وأبراجًا تاريخية، إلى جانب صهريج ابن النبيه، فضلًا عن مجموعة من الأشجار المعمرة والنادرة، أبرزها أشجار الفيكس البنغالي، كما تتميز بمدرجاتها الطبيعية والشلالات الصناعية والبحيرات التي كانت لعقود من أبرز المقاصد السياحية والترفيهية لسكان المدينة.

 

كما تضم الحديقة خمس مناطق تحمل أسماء عدد من رموز الفن والثقافة المصرية، من بينهم سيد درويش، وبيرم التونسي، وسيف وانلي، وكانت تستضيف فعاليات ثقافية وفنية متنوعة، إضافة إلى مكتبة عامة افتتحتها وزارة الثقافة لخدمة رواد الحديقة.

 

 

خبير أثري: الحديقة تحولت إلى ضحية للإهمال

 

وقال الخبير الأثري أحمد عبد الفتاح إن حدائق الشلالات تمثل متحفًا أثريًا مفتوحًا يضم كنوزًا تاريخية نادرة، إلا أن سنوات طويلة من الإهمال حولتها إلى منطقة تعاني من تدهور شديد، بعدما جفت البحيرات، وتراجعت أعمال الري والصيانة، وأصبحت الأشجار النادرة مهددة بالتلف.

 

وأوضح أن الشلالات والبحيرات تحولت إلى مصدر للروائح الكريهة نتيجة تراكم المخلفات، بينما أصبحت أجزاء من الحديقة مأوى للقمامة، وأطفال الشوارع، والخارجين على القانون، في ظل غياب الإنارة والحراسة والرقابة، خاصة خلال ساعات الليل.

 

وأشار إلى أن عدداً من القطع الأثرية داخل الحديقة تعرضت للسرقة خلال السنوات الماضية، محذرًا من استمرار هذا الوضع إذا لم يتم توفير حماية حقيقية للموقع.

 

 

مطالب بإنقاذ الحديقة قبل فوات الأوان

 

وطالب أحمد عبد الفتاح وزارة السياحة والآثار بسرعة توفير حراسة دائمة لحماية المقتنيات الأثرية داخل الحديقة، مع تنفيذ خطة عاجلة لترميم المرافق وإعادة تشغيل البحيرات والشلالات، وصيانة الأشجار النادرة، وتحسين منظومة الإضاءة والنظافة.

 

كما دعا محافظة الإسكندرية إلى إطلاق حملة شاملة لإعادة تأهيل حدائق الشلالات، باعتبارها أحد أهم المتنفسات المجانية لسكان المدينة وأحد أبرز معالمها التراثية، محذرًا من أن استمرار الإهمال قد يؤدي إلى فقدان المزيد من المقتنيات التاريخية، كما حدث في وقائع سرقة شهدتها حدائق أثرية أخرى خلال السنوات الماضية.

 

 

غضب واسع ومطالب بالمحاسبة

 

وأثار الفيديو موجة واسعة من التفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث طالب مستخدمون بفتح تحقيق في أسباب تدهور الحديقة، ومحاسبة المسؤولين عن التقصير، مؤكدين أن الحفاظ على حدائق الشلالات لا يقتصر على كونها متنزهًا عامًا، بل يمثل مسؤولية تتعلق بحماية جزء أصيل من التراث السكندري والتاريخ العمراني للمدينة.

 

ويرى مواطنون أن إعادة الحياة إلى الحديقة تتطلب خطة متكاملة تشمل أعمال النظافة الدورية، وإعادة تأهيل البحيرات والشلالات، وتأمين الموقع، وصيانة الأشجار والمقتنيات الأثرية، بما يعيد لهذا المعلم التاريخي مكانته التي استحقها على مدار عقود طويلة.