أدانت إسبانيا والإمارات، الأحد، تصاعد اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين على الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، مطالبتين الحكومة الإسرائيلية بوقف الهجمات ومحاسبة مرتكبيها، بالتزامن مع تفاقم كارثة إنسانية غير مسبوقة في قطاع غزة، حيث تتزايد أعداد الضحايا وتتسع دائرة الجوع وسط نقص حاد في التمويل والمساعدات.

وتعكس هذه التطورات اتساع الفجوة بين بيانات الإدانة الدولية وبين الواقع الميداني الذي يشهد استمرار القتل والحرق والاستيطان والتهجير، في ظل حماية عسكرية إسرائيلية وإفلات شبه كامل من العقاب.

 

 

إدانات تطالب بالمحاسبة

 

قالت وزارة الخارجية الإسبانية إن أربعة مدنيين فلسطينيين قُتلوا في 24 يوليو خلال اعتداء نفذه مستوطنون إسرائيليون، معربة عن إدانتها الشديدة لاستمرار الهجمات ضد الفلسطينيين، ولا سيما في ظل غياب المحاسبة القانونية والسياسية للمسؤولين عنها.

 

وطالبت مدريد الحكومة الإسرائيلية باتخاذ إجراءات عاجلة لاحتواء العنف وضمان تقديم المتورطين إلى العدالة، مؤكدة أن استمرار التستر على جرائم المستوطنين يفاقم التوتر ويقوض أي فرصة لتحقيق الاستقرار في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

 

ودعت الخارجية الإسبانية إسرائيل كذلك إلى التخلي عن سياسة توسيع الاحتلال والاستيطان، محذرة من أن الإجراءات التي تفرض واقعاً جديداً على الأرض تمثل تهديداً مباشراً لإمكان التوصل إلى تسوية سياسية عادلة ودائمة.

 

وأكدت الوزارة استمرار دعم إسبانيا لحل الدولتين، باعتباره المسار الوحيد القادر على تحقيق السلام والاستقرار، غير أن هذا الموقف يتزامن مع تصاعد متواصل للعمليات الاستيطانية والهجمات المسلحة التي تنفذها مجموعات من المستوطنين بحماية الجيش الإسرائيلي.

 

وفي السياق ذاته، أدانت الإمارات الاعتداءات التي استهدفت قرى وبلدات فلسطينية، وآخرها إحراق مسجد في محافظة طولكرم، ووصفت الحادث بأنه عمل متطرف واستفزازي وتحريضي يمس مشاعر المسلمين ويهدد بتوسيع دائرة الصراع.

 

وطالبت وزارة الخارجية الإماراتية الحكومة الإسرائيلية بتحمل المسؤولية الكاملة عن تلك الانتهاكات، وإدانة ممارسات المستوطنين بصورة واضحة، واتخاذ إجراءات قانونية فورية لمعاقبة المسؤولين عن إحراق المساجد والمنازل ومهاجمة المدنيين.

 

وشددت أبوظبي على أن أي تقاعس عن المحاسبة سيُفهم باعتباره موافقة ضمنية على الجرائم، كما سيؤدي إلى تعميق الكراهية والعنصرية وعدم الاستقرار، ويفتح الباب أمام موجات جديدة من التصعيد في فلسطين والمنطقة.

 

 

اعتداءات تحت حماية الجيش

 

شهدت الضفة الغربية خلال الأيام الأخيرة تصعيداً خطيراً شمل إحراق مسجدين ومنزل، وإقامة بؤرة استيطانية جديدة، إلى جانب تدمير شبكة مياه وإنشاء بؤرتين إضافيتين، في خطوات تكشف أن الهجمات لا تقتصر على أعمال فردية عشوائية.

 

وأضرم مستوطنون النار في مسجد بقرية كور جنوبي طولكرم، كما أحرقوا مسجداً قيد الإنشاء في بلدة قصرة جنوبي نابلس، خلال اعتداءين منفصلين، وسط اتهامات فلسطينية للجيش الإسرائيلي بتوفير الحماية للمهاجمين ومنع الأهالي من مواجهتهم.

 

وقُتل أربعة فلسطينيين وأُصيب آخرون خلال تصديهم لهجوم استيطاني على بلدة تل جنوب غربي نابلس، أعقبته اقتحامات عسكرية واعتقالات في مناطق متفرقة، ما يعكس ترابطاً ميدانياً بين عنف المستوطنين وعمليات الجيش الإسرائيلي.

 

وتشير البيانات الفلسطينية إلى مقتل 87 فلسطينياً في الضفة الغربية منذ مطلع العام الجاري، فيما تجاوز عدد القتلى منذ أكتوبر 2023 ألفاً و182 فلسطينياً، إضافة إلى آلاف المصابين ونحو 24 ألف معتقل.

 

وتحذر جهات حقوقية من أن الهجمات تستهدف دفع الفلسطينيين إلى مغادرة أراضيهم، خصوصاً في المناطق الريفية المحاذية للمستوطنات، عبر إحراق المحاصيل والممتلكات، وقطع الطرق، ومهاجمة الرعاة، والاستيلاء التدريجي على مساحات إضافية من الأراضي.

 

ورغم تعدد بيانات الإدانة، لا تزال الحكومة الإسرائيلية تواصل التوسع الاستيطاني وتمنح المستوطنين غطاءً سياسياً وأمنياً، بينما يُواجَه الفلسطينيون بالاعتقال أو إطلاق النار عند محاولتهم الدفاع عن قراهم ومنازلهم ومصادر رزقهم.

 

ودعت الإمارات المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته ووقف الانتهاكات، ودعم الجهود الهادفة إلى إحياء عملية السلام، محذرة من أن استمرار الممارسات غير القانونية يهدد بصورة مباشرة إمكان تنفيذ حل الدولتين.

 

 

غزة بين القصف والجوع

 

بالتوازي مع التصعيد في الضفة، تتفاقم الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة نتيجة استمرار الخروقات الميدانية والقيود المفروضة على دخول الغذاء والدواء والوقود، رغم الإعلان عن اتفاق لوقف إطلاق النار.

 

وأعلنت وزارة الصحة الفلسطينية وصول ستة قتلى، بينهم أربعة جدد، و37 مصاباً إلى المستشفيات خلال الساعات الماضية، بينما تواصل فرق الإسعاف مواجهة صعوبات خطيرة في الوصول إلى ضحايا عالقين تحت الأنقاض وفي الطرقات.

 

وبحسب البيانات الصحية، بلغ عدد القتلى منذ إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 نحو ألف و191 قتيلاً، إلى جانب ثلاثة آلاف و853 مصاباً، فضلاً عن انتشال 803 جثامين خلال الفترة نفسها.

 

أما الحصيلة التراكمية منذ السابع من أكتوبر 2023، فقد ارتفعت إلى 73 ألفاً و317 قتيلاً و173 ألفاً و961 مصاباً، في وقت تعاني فيه المستشفيات من نقص الأدوية والمستلزمات والوقود والطواقم الطبية.

 

ولا تقتصر الكارثة على القصف، إذ يحذر برنامج الأغذية العالمي من أن نقص التمويل قد يجبره على توسيع خفض المساعدات، بينما يعتمد نحو 70 بالمائة من سكان غزة على الدعم الغذائي لتأمين احتياجاتهم الأساسية.

 

وتشير تقديرات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي إلى أن أكثر من ثلثي السكان قد يواجهون مستويات حادة من الجوع قبل نهاية العام، نتيجة انخفاض تدفق المساعدات وتراجع قدرة المؤسسات الإنسانية على الاستمرار.

 

ورغم تسجيل تحسن محدود بين أبريل ويونيو، مع انخفاض عدد المتضررين من الجوع الحاد إلى نحو 1.2 مليون شخص، فإن التوقعات تشير إلى ارتفاع العدد مجدداً إلى أكثر من 1.4 مليون بحلول ديسمبر.

 

ويحتاج برنامج الأغذية العالمي إلى أكثر من 420 مليون دولار لمواصلة عملياته في غزة والضفة الغربية حتى نهاية العام، محذراً من أن غياب التمويل سيؤدي إلى تقليص الدعم المقدم للفئات الأكثر هشاشة.

 

وبينما تكتفي عواصم دولية بإصدار بيانات الإدانة، يبقى الفلسطينيون في الضفة أمام عنف المستوطنين والاستيطان، ويواجه سكان غزة القصف والجوع وانهيار الخدمات، في مشهد يكشف عجز المجتمع الدولي عن تحويل مواقفه السياسية إلى إجراءات توقف الانتهاكات وتحمي المدنيين.