وافق مجلس النواب المصري في القاهرة وسط اعتراض محدود على مشروع قانون إنشاء جامعة كيان التابعة للقوات المسلحة ونقل كلية الطب العسكرية إليها ضمن 9 كليات بما يوسع حضور المؤسسة العسكرية داخل منظومة التعليم العالي.

 

ويأتي القرار في سياق تتوسع فيه الدولة بإنشاء جامعات ذات أطر قانونية متباينة بينما تتراجع قدرة المؤسسات الحكومية على استيعاب الطلاب بما يثير مخاوف من تقسيم التعليم إلى مساحات منفصلة تحكمها نظم مختلفة.

 

نقل الأصول والطلاب

 

وبداية ينص المشروع على إنشاء الجامعة باعتبارها مؤسسة ذات شخصية اعتبارية مستقلة تتبع وزير الدفاع مع تطبيق أحكام قانون تنظيم الجامعات في كل ما لم يرد بشأنه نص خاص داخل التشريع الجديد.

 

وبموجب القانون تنتقل كلية الطب بالقوات المسلحة إلى الكيان الجديد بكل أصولها ومبانيها وموجوداتها وحقوقها والتزاماتها لتصبح إحدى كلياته الأساسية دون إنهاء برامجها أو تعطيل المسارات التعليمية القائمة.

 

وفي المقابل ينتقل أعضاء هيئة التدريس والعاملون في الكلية إلى الجامعة مع احتفاظهم بأوضاعهم الوظيفية ومزاياهم المالية بما يمنع فقدان الحقوق المكتسبة ويضمن استمرار الأجهزة الإدارية والتعليمية خلال مرحلة التحول.

 

كما يحافظ المشروع على المراكز القانونية للطلاب والدارسين والمتدربين المقيدين وقت بدء العمل بالقانون بما يعني استمرار تسجيلهم وحقوقهم الأكاديمية وعدم إخضاعهم فجأة لقواعد قد تغير مسار دراستهم.

 

ومن ناحية أخرى يحدد القانون المقر الرئيسي في القاهرة ويمنح الجامعة صلاحية العمل تحت إشراف وزير الدفاع بما يجعلها نموذجا تعليميا ذا تبعية مؤسسية تختلف عن الجامعات الحكومية التقليدية.

 

وعلاوة على ذلك يسمح بإنشاء فروع داخل الجمهورية بقرار من رئيس الجمهورية بناء على عرض وزير الدفاع وبعد موافقة المجلس الأعلى للجامعة وهو ما يفتح المجال أمام توسع جغرافي مستقبلي.

 

وبذلك لا يقتصر المشروع على نقل كلية قائمة بل يؤسس بنية مستقلة قابلة لضم معاهد ومراكز جديدة بما يمنحها قدرة على إعادة تشكيل التعليم والتدريب المرتبط بالقوات المسلحة والمدنيين.

 

صلاحيات أكاديمية مفتوحة

 

وتضم المؤسسة الجديدة 9 كليات في مقدمتها الطب وطب الفم والأسنان والعلاج الطبيعي والصيدلة والهندسة والحاسبات والذكاء الاصطناعي إلى جانب كليات أخرى تحددها القرارات المنظمة وفقا لاحتياجاتها.

 

ومن ثم تستهدف الجامعة إعداد ضباط ومدنيين في تخصصات علمية وتطبيقية ومنح درجات البكالوريوس والليسانس والدبلومات والماجستير والدكتوراه بما يجعلها لاعبا كاملا في سوق الدراسة الجامعية والبحث العلمي.

 

كذلك يمنحها المشروع صلاحية إنشاء مراكز تعليمية وبحثية جديدة أو ضم مراكز قائمة إليها وعقد شراكات داخل مصر وخارجها بما يعزز قدرتها على التوسع الأكاديمي والتقني.

 

أما العاملون المتعاقدون في الجامعة وكلياتها ومعاهدها ومراكزها فيخضعون لأحكام قانون العمل بما ينظم علاقتهم الوظيفية خارج هياكل التعيين التقليدية المعمول بها داخل كثير من الجامعات الحكومية.

 

وبالتوازي يطبق قانون تنظيم الجامعات على المسائل التي لم يتناولها التشريع الخاص وهو ترتيب يخلق مزيجا قانونيا يجمع بين القواعد العامة واستثناءات ترتبط بطبيعة المؤسسة وتبعيتها.

 

غير أن هذا الإطار يثير تساؤلات بشأن معايير القبول والرسوم والرقابة الأكاديمية وشفافية الموازنات وحدود استقلال أعضاء هيئة التدريس خاصة مع غياب تفاصيل كاملة حول قواعد الإدارة والتمويل.

 

وفي السياق ذاته يأتي المشروع بينما وصل عدد الجامعات في مصر إلى 128 جامعة بينها 28 حكومية و32 أهلية و37 خاصة و12 تكنولوجية و9 فروع أجنبية و10 منشأة باتفاقيات دولية.

 

وفوق ذلك يكشف هذا التوسع السريع أن المشكلة لم تعد نقص عدد المؤسسات فقط بل تفاوت الجودة والموارد والقواعد المنظمة بما قد يحول كثرة الجامعات إلى عبء دون تحسين حقيقي للمخرجات.

 

وبناء على ذلك تبرز أزمة الطاقة الاستيعابية في الجامعات الحكومية التي اتجهت إلى زيادة الطلاب الوافدين لتحسين مواردها بينما تضررت فرص بعض المصريين وازدادت كثافة القاعات والضغوط على الخدمات.

 

رفض منفرد وتحذيرات

 

ورفض حزب العدل وحده مشروع القانون معلنا أن إنشاء مؤسسات جديدة يجب أن يخضع لمعايير موحدة وثابتة تحافظ على الجودة وتكافؤ الفرص بدلا من تعديل القواعد بحسب طبيعة كل جهة.

 

وبحسب موقفه فإن تقدير دور القوات المسلحة لا يلغي ضرورة التخصص المؤسسي لأن إدارة التعليم العالي تحتاج إلى قواعد أكاديمية مستقرة وخبرات مستقلة تضمن استدامة التطوير بعيدا عن تعدد المرجعيات.

 

ولهذا حذر ممثلو الحزب من أن تعدد النماذج القانونية والمالية داخل المنظومة يزيد التعقيد الإداري ويضعف القدرة على الرقابة والمقارنة ويخلق تفاوتا بين الطلاب والمؤسسات في الحقوق والفرص.

 

وفي المقابل أعلن حزب الوفد موافقته على المشروع بدعوى الحاجة إلى تطوير القدرات العلمية والتقنية للقوات المسلحة في ظل تغير طبيعة الحروب وتسارع الاعتماد على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

 

ومع ذلك وجه ممثل الوفد انتقادات حادة لأداء الحكومة في ملف التعليم واعتبر أوضاع المعلمين إهدارا لكرامتهم المادية والمعنوية قبل أن يعترض ممثل الحكومة ويطالب بحذف التعبير من المضبطة.

 

ومن جهة ثانية دعا مؤيدو المشروع إلى منح الشباب قدرا من التثقيف العسكري عبر المراحل التعليمية المختلفة معتبرين أن ذلك يعزز الانضباط والوعي الوطني والقدرة على خدمة الدولة خلال الأزمات.

 

لكن هذه الدعوة تفتح نقاشا أوسع حول حدود التداخل بين التعليم المدني والتأهيل العسكري وما إذا كان المطلوب تطوير الجامعات القائمة أم توسيع حضور المؤسسات السيادية داخل المجال الأكاديمي.

 

في الوقت نفسه يظل التأييد البرلماني الواسع دليلا على محدودية النقاش الحقيقي داخل المجلس حيث مر المشروع رغم الأسئلة المتعلقة بالتمويل والرقابة والقبول دون ظهور معارضة تتناسب مع حجمه وتأثيره.

 

نتيجة لذلك لا تتعلق القضية بحق القوات المسلحة في تطوير كوادرها فقط بل بإنشاء مؤسسة تمنح درجات مدنية وعلمية واسعة ضمن إطار خاص قد يزيد تجزئة منظومة تعاني أصلا تباين القواعد.

 

وأخيرا يضع قانون جامعة كيان التعليم العالي أمام اختبار جديد بين دعم التخصصات العلمية والعسكرية وبين ضرورة توحيد معايير الجودة والشفافية وتكافؤ الفرص حتى لا يصبح التوسع المؤسسي بديلا عن الإصلاح الحقيقي.