أعلنت نقابة الأطباء، عقب أزمتين خلال ساعات في طهطا وقنا، رفضها التعنيف العلني لمدير مستشفى قنا العام، وطالبت الحكومة بالتحقيق مع المحافظ، مؤكدة أن «الشو» لن يوفر سرنجة أو يعالج نقص الدواء.

 

وتكشف الواقعتان وجهاً أكثر قسوة لسياسة إدارية تدفع الأطباء إلى الاستقالة أو الهجرة، بينما تُحمّلهم السلطة مسؤولية انهيار لم يصنعوه، وتترك المرضى في مواجهة نقص المستلزمات وأسرة العناية والكوادر الطبية.

 

 

استقالة تكشف خلل الإدارة

 

بدأت الأزمة الأولى في مدينة طهطا عندما قدم طبيب شاب استقالته من وزارة الصحة بالبريد المسجل بعلم الوصول، احتجاجاً على إنهاء انتدابه بصورة مفاجئة رغم صدور قرار سابق بتجديد الانتداب قبل أسابيع.

 

وبحسب رواية الطبيب، جاء القرار دون حوار إداري أو إخطار مسبق يراعي استقرار العمل وحاجات المؤسسة، ما دفعه إلى اعتبار ما جرى انتقاصاً من كرامته المهنية وتأكيداً لهيمنة القرارات الفوقية.

 

ومن هنا تحولت الاستقالة من واقعة فردية إلى مؤشر على مناخ وظيفي مضطرب، لا يمنح الطبيب ضمانات عادلة ولا يتيح له الاعتراض المؤسسي، بل يضعه أمام خيارين قاسيين هما الصمت أو مغادرة الخدمة.

 

وفي المقابل، لم تقدم الجهات التنفيذية حتى الآن تفسيراً واضحاً لمعايير إنهاء الانتداب أو تبديل القرارات خلال فترة قصيرة، وهو ما عمق الشكوك بشأن غياب قواعد شفافة تحكم توزيع الأطباء ونقلهم بين المنشآت.

 

كما أن توقيت الاستقالة منحها دلالة أوسع، إذ جاءت بينما تشتكي مستشفيات الصعيد من نقص مزمن في الأطباء، لتكشف أن الإدارة نفسها قد تدفع الكوادر المتاحة إلى الرحيل بدلاً من تثبيتها ودعمها.

 

 

التوبيخ يتحول إلى أزمة

 

ولزيادة الغضب، انتقلت الأزمة سريعاً إلى قنا حيث أقال المحافظ مدير المستشفى العام خلال جولة مفاجئة، بعد رصد نقص في المستلزمات وشكاوى مرضى من شراء أدوية خارجية وتراجع واضح في مستوى النظافة.

 

غير أن الإقالة لم تتوقف عند حدود القرار الإداري، إذ صاحبها توبيخ علني أمام العاملين والمرضى وكاميرات التصوير، ما اعتبره أطباء كثيرون تشهيراً بالمدير وتحويلاً للمحاسبة إلى مشهد استعراضي مهنياً.

 

وبالتالي، لم يعد النقاش متعلقاً بكفاءة مدير بعينه، بل بطريقة إدارة الأزمات داخل المرافق العامة، حين تصبح الكاميرا بديلاً عن التحقيق، ويُقدم المسؤول المحلي نفسه باعتباره منقذاً بينما تبقى أسباب العجز قائمة.

 

وجاء تحرك نقابة الأطباء سريعاً عبر خطاب رسمي إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة ووزيرة التنمية المحلية، طالبت فيه بالتحقيق في الواقعة ورفضت صراحة استخدام الإهانة العلنية أداة للمحاسبة الإدارية.

 

وشددت النقابة على أن التعنيف أمام الجمهور لا يملأ المخازن ولا يوفر الأدوية ولا يزيد أسرة الرعاية المركزة، كما أنه لا يعين أطباء جدداً ولا يعالج عجز التمريض أو تعطل الأجهزة الطبية.

 

وعلاوة على ذلك، اعتبرت النقابة تصوير الجولة داخل المستشفى مخالفة لقرارات وزارة الصحة المنظمة للتصوير في المنشآت الطبية، مؤكدة أن المسؤول التنفيذي كان يفترض أن يكون أول الملتزمين بتطبيق تلك القرارات.

 

وبناءً على ذلك، رأت النقابة أن تحميل مدير المستشفى وحده مسؤولية النقص يمثل توصيفاً مزيفاً للمشكلة، لأن الموازنات والتوريدات والتعيينات تخضع لقرارات مركزية تتجاوز صلاحيات أي إدارة محلية أو قيادة طبية.

 

ومن ثم، طالبت النقابة بأن تتم المحاسبة وفق تحقيقات قانونية وأطر إدارية واضحة، لا عبر مشاهد مصورة هدفها امتصاص الغضب الشعبي أو صناعة بطولة مؤقتة فوق أكتاف أطباء يعملون تحت ضغط شديد.

 

كذلك حذرت من أن تكرار هذه الممارسات يضاعف الإحباط داخل المستشفيات الحكومية، ويؤدي إلى فقدان الثقة بين الأطباء والسلطة التنفيذية، ويجعل الاستقالة والهجرة خيارين أكثر منطقية جداً أمام الكوادر الشابة.

 

لذلك، فإن خطاب النقابة لم يدافع عن تقصير محتمل، بل طالب بتحديد المسؤوليات الحقيقية، ومحاسبة من يملك سلطة التمويل والتعيين والتوريد، بدلاً من توجيه الغضب إلى الحلقة الأضعف داخل المنظومة.

 

وفي هذا السياق، بدت واقعتا طهطا وقنا حلقتين في أزمة أعمق تتعلق ببيئة العمل، حيث تتراجع الحماية المهنية ويرتفع الضغط اليومي بينما لا يحصل الأطباء على موارد كافية أو مسارات عادلة للاعتراض.

 

 

استقالات تهدد المنظومة الصحية

 

وتؤكد بيانات النقابة أن معدلات الاستقالة السنوية قفزت من نحو 1,044 حالة في سنوات سابقة إلى أكثر من 4,300 حالة في مسوح أحدث، بما يعكس تسارعاً خطيراً في نزيف الكفاءات من القطاع الحكومي.

 

في الوقت نفسه، سجلت بعض الفترات متوسط 13.5 استقالة يومياً، أي ما يقارب استقالة طبيب كل ساعتين، وهو معدل يكشف أن المشكلة لم تعد استثناءات فردية بل اتجاهاً ممتداً يهدد استمرارية الخدمة.

 

إضافة إلى ذلك، انخفض عدد الأطباء البشريين العاملين في القطاع الحكومي بنحو 3.3%، متراجعاً من قرابة 100.7 ألف طبيب إلى 97.4 ألفاً، رغم زيادة السكان واتساع الاحتياجات الصحية وتعقد الأمراض المزمنة.

 

وعند مقارنة الأرقام، يظهر أن مصر تسجل طبيباً واحداً لكل 1,162 مواطناً، بينما يستهدف المعدل العالمي طبيباً لكل 434 مواطناً، ما يضاعف العبء على العاملين ويزيد فترات الانتظار ومخاطر الأخطاء المهنية.

 

وفوق ذلك، لا تعكس هذه الأرقام فقط أزمة توظيف، بل تكشف فشلاً في الاحتفاظ بالكفاءات وتوفير بيئة مهنية آمنة، إذ يختار كثير من الأطباء الهجرة بحثاً عن دخل أفضل وتقدير إداري وفرص تدريب.

 

ومع استمرار هذا النزيف، يصبح أي توبيخ علني رسالة سلبية إلى آلاف الأطباء بأن الدولة مستعدة لمحاسبتهم على نتائج نقص التمويل، لكنها أقل استعداداً لمراجعة سياساتها التي أنتجت ذلك النقص.

 

لهذا السبب، طالبت النقابة بزيادة موازنة الصحة ودعم الموارد البشرية وتوفير المستلزمات واستكمال التطوير، معتبرة أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من معالجة الجذور لا من إقالة مدير أو تصوير جولة غضب.

 

وفي المحصلة، تجمع استقالة طهطا وإقالة قنا بين وجهين للأزمة نفسها، طبيب ينسحب احتجاجاً على قرار فوقي، ومدير يُهان علناً بسبب نقص لا يملك وحده أدوات حله أو منعه عملياً.

 

وأخيراً، يضع تصاعد الاستقالات الحكومة أمام اختبار مباشر، فإما أن تستجيب لمطلب التحقيق وتعيد ضبط قواعد الإدارة والمحاسبة، أو تواصل سياسة الاستعراض التي قد تنتج مقاطع مصورة أكثر ومستشفيات أقل قدرة على العلاج.