كشفت شكاوى شعبية ورصد ميداني في القاهرة استمرار تراكم القمامة وتناثرها في الشوارع الرئيسية بسبب قصور عمليات الجمع والنقل ما أدى إلى تراجع النظافة العامة وزيادة المخاطر الصحية والبيئية داخل الأحياء السكنية.
وربطت هذه المشاهد بين تدهور الخدمة العامة وسياسات حكومية توسعت في الإنفاق الدعائي دون بناء منظومة فعالة للنظافة بينما يتحمل السكان نتائج الفشل عبر الروائح والحشرات وتراجع جودة الحياة وغياب المحاسبة الجدية.
قصور الجمع والنقل
وبحسب الرصد الميداني تترك بعض فرق النظافة كميات من المخلفات حول الحاويات بعد تفريغها بصورة غير منضبطة فتتحول نقاط التجميع إلى مساحات مفتوحة للقمامة تعيق الحركة وتضاعف التلوث في الشوارع المحيطة.
كذلك يؤدي استخدام مركبات غير محكمة إلى تساقط النفايات أثناء النقل من الأحياء إلى نقاط المعالجة وهو ما ينقل المشكلة من موقع إلى آخر ويحول الطرق العامة إلى امتداد لمسارات القمامة المتناثرة.
وفي الوقت نفسه تؤدي الفترات الطويلة بين جولات الجمع إلى تراكم أكياس النفايات خارج الحاويات خصوصا في المناطق مرتفعة الكثافة ما يخلق ضغطا يوميا على السكان ويزيد احتمالات انتشار الحشرات والقوارض.
ومن ناحية أخرى يكشف تكرار المشهد ضعف المتابعة الميدانية للعاملين والشركات المكلفة بالنظافة إذ لا تظهر إجراءات معلنة تحدد المسؤول عن ترك المخلفات أو توضح نتائج التحقيق في الشكاوى المتكررة من السكان.
وبالتالي تتراجع قدرة الأرصفة والميادين على أداء وظيفتها الطبيعية لأن القمامة تشغل مساحات الحركة وتدفع المارة إلى استخدام نهر الطريق بينما تتعرض المركبات لمخاطر إضافية بسبب الأكياس المتناثرة والمخلفات الصلبة.
كما أن تراكم النفايات قرب الأسواق والمناطق التجارية يرفع حجم الضرر لأن المخلفات العضوية تتحلل بسرعة وتنتج روائح نفاذة فيما تنتقل آثارها إلى واجهات المحال ومداخل العقارات ومواقع انتظار وسائل النقل.
ولزيادة كفاءة الجمع تحتاج الجهات التنفيذية إلى جداول واضحة ومعلنة تربط كل منطقة بمواعيد مرور ثابتة مع توفير فرق بديلة عند الأعطال حتى لا تتحول مشكلات التشغيل اليومية إلى أزمة مستمرة داخل الأحياء.
لذلك يصبح تقييم أداء شركات النظافة ضرورة يومية لا إجراء موسميا على أن يشمل عدد الجولات وحالة المركبات ونظافة المواقع بعد التفريغ وسرعة الاستجابة للشكاوى مع نشر النتائج أمام السكان بصورة منتظمة.
ومن ثم يكشف محور الجمع والنقل أن الأزمة لا تتعلق بسلوك المواطنين وحدهم بل ترتبط مباشرة بقدرة الجهات المسؤولة على تشغيل العمال والمعدات وفق معايير تمنع التراكم والتساقط وتضمن استمرارية الخدمة.
ضعف الرقابة والمحاسبة
غير أن استمرار المخالفات رغم المخصصات المالية المعلنة يطرح تساؤلات حول مسارات الإنفاق وفاعلية العقود المبرمة لأن المواطن لا يرى انعكاسا واضحا لهذه الموارد في الشوارع التي تتكرر فيها المشكلات نفسها يوميا.
علاوة على ذلك تفتقر المنظومة إلى رقابة فورية تسجل حركة المركبات وتحدد أوقات التفريغ ومسارات النقل ما يسمح بتكرار التقصير دون توثيق كاف أو تدخل سريع من الجهات المحلية المعنية بالخدمة.
وبناء على ذلك تحتاج القاهرة إلى منظومة متابعة إلكترونية تربط الحاويات والمركبات وغرف العمليات بحيث تكشف التأخر أو الانحراف عن المسار وتحدد المسؤول قبل تفاقم التراكم في المناطق السكنية والطرق الرئيسية.
وفي المقابل لا تكفي حملات النظافة المؤقتة التي تسبق الزيارات الرسمية أو المناسبات لأنها تنقل المخلفات بصورة عاجلة ثم تترك النظام القديم يعمل بالعيوب نفسها من دون إصلاح دائم أو رقابة مستقلة.
وإلى جانب ذلك تتطلب المحاسبة عقوبات معلنة على الشركات التي تترك القمامة بعد التفريغ أو تستخدم مركبات تسمح بتساقطها لأن غياب الجزاء يحول المخالفة من استثناء تشغيلي إلى ممارسة متكررة.
أما على المستوى الإداري فتحتاج الوحدات المحلية إلى نشر بيانات دورية توضح حجم المخلفات المجمعة وعدد الشكاوى ونسب الاستجابة حتى يتمكن السكان والجهات الرقابية من مقارنة الوعود الحكومية بالنتائج الفعلية.
وبالمثل يجب إخضاع العاملين لتدريب مهني يركز على قواعد التفريغ الآمن واستخدام معدات الحماية والتعامل مع المخلفات الخطرة لأن ضعف التأهيل يرفع احتمالات الإصابة ويؤدي إلى ممارسات تضر بالعامل والشارع معا.
وفوق ذلك يتطلب ضبط المنظومة توفير معدات حديثة تتناسب مع أحجام الحاويات وكثافة الأحياء بدلا من الاعتماد على آليات متهالكة تزيد الأعطال وتؤخر الجولات وتدفع العمال إلى حلول بدائية أثناء الجمع.
ولهذا فإن الرقابة الحقيقية تبدأ من العقد وتنتهي في الشارع وتشمل شروط الأداء ووسائل القياس وحقوق السكان والعقوبات ولا تقتصر على صور الحملات أو البيانات التي تعلن نجاحا لا يراه المواطن.
التدوير والمعالجة المستدامة
إضافة إلى ما سبق لا تنتهي أزمة المخلفات عند نقلها خارج الأحياء لأن الاعتماد على الجمع وحده يرحل المشكلة إلى المقالب ومواقع الدفن من دون تقليل الكميات أو استعادة المواد القابلة للتدوير.
وفي هذا السياق تحتاج القاهرة إلى فصل تدريجي للمخلفات من المصدر يبدأ بالمناطق السكنية والتجارية الكبرى مع توفير حاويات واضحة وتوعية عملية للسكان وربط الجمع المنفصل بمرافق معالجة قادرة على الاستفادة من المواد.
وبمرور الوقت يمكن للتدوير أن يخفض الضغط على مواقع الدفن ويوفر مواد خام وفرص عمل لكن ذلك يتطلب عقودا شفافة تضمن عدم خلط المخلفات بعد فصلها وتحدد مسؤولية كل جهة في مراحل النقل والمعالجة.
وعلى صعيد الصحة العامة يقلل التخلص السليم من النفايات العضوية من الحشرات والقوارض والروائح كما يحمي مصادر المياه والتربة من التسربات وهو ما يجعل المعالجة جزءا من الوقاية الصحية وليس خدمة تجميلية.
وفي ضوء ذلك يجب توسيع قدرات المعالجة بما يتناسب مع الزيادة اليومية في حجم المخلفات لأن المنشآت المحدودة أو المتوقفة تدفع الجهات إلى حلول سريعة تعتمد على النقل والتكديس بدلا من الاستفادة الآمنة.
وبالتوازي تحتاج الدولة إلى دمج جامعي المخلفات غير الرسميين داخل المنظومة بعقود وحماية اجتماعية وتدريب لأن هؤلاء يملكون خبرة فعلية في الفرز بينما يؤدي استبعادهم إلى فقدان مورد مهم وزيادة الهشاشة الاجتماعية.
وعمليا يتطلب نجاح الإصلاح تنسيقا بين الأحياء والجهات البيئية والشركات والسكان مع تحديد جهة واحدة مسؤولة عن النتائج النهائية حتى لا تتوزع المسؤولية بين مؤسسات متعددة عند وقوع التقصير أو تراكم القمامة.
وفي النهاية يظل تحسين إدارة المخلفات اختبارا مباشرا لقدرة الحكومة على تقديم خدمة أساسية تحمي الصحة والكرامة لأن القاهرة لا تحتاج حملات مؤقتة بل منظومة دائمة للجمع والرقابة والتدوير والمحاسبة على مدار العام.

