كشفت وزارة الصحة تسجيل مليون و400 ألف حالة عقر في مصر خلال عام 2025 بتكلفة علاجية بلغت مليارًا و700 مليون جنيه لتوفير الأمصال واللقاحات ما أكد تحول انتشار الحيوانات الضالة إلى تهديد واسع للصحة العامة.
ويفضح هذا الرقم عجز حكومة السيسي عن حماية الأطفال وكبار السن في الشوارع رغم سنوات من التحذيرات بينما يدفع المواطنون ثمن إدارة اكتفت بالخطط المؤجلة وتركت المستشفيات تواجه الإصابات بعد وقوعها بدل منع أسبابها.
شوارع تحاصر السكان
في البداية تصاعد انتشار الكلاب الضالة داخل الأحياء والقرى والمدن الجديدة حتى أصبحت تجمعاتها جزءًا من المشهد اليومي أمام المدارس والمساكن ومحطات المواصلات وهو ما وضع السكان في مواجهة مباشرة مع المطاردات والعقر واحتمال انتقال السعار.
وبحسب بيانات الصحة ارتفعت حالات العقر بنسبة 332 بالمئة خلال العقد الأخير لتصل إلى مستواها القياسي في 2025 بينما تكشف الزيادة أن التدخلات الحكومية السابقة لم تلاحق سرعة التكاثر أو اتساع انتشار الكلاب بالمناطق المأهولة.
وفي هذا السياق تقدم النائب شادي الكومي بطلب إحاطة إلى رئيس مجلس الوزراء ووزراء التنمية المحلية والزراعة والصحة مطالبًا بتدخل مديريات الطب البيطري ووضع آليات مؤسسية تحمي المواطنين وتنهي حالة الخطر المتكرر في الشوارع.
كما استند الطلب البرلماني إلى المادة 45 من الدستور التي تلزم الدولة بحماية البيئة والرفق بالحيوان مؤكدًا أن حماية السكان لا تتعارض مع التعامل الإنساني وأن الحل يجب أن يحقق السلامة العامة دون قتل عشوائي أو تسميم.
ومن ناحية أخرى تتعرض الفئات الأضعف للخطر بصورة أكبر إذ تقع هجمات أثناء توجه الأطفال إلى المدارس أو خروج كبار السن في الساعات المبكرة عندما تخلو الشوارع وتتحرك تجمعات الكلاب بحرية من دون وجود استجابة محلية سريعة.
وإزاء هذه الوقائع تحولت الأرقام إلى خوف يومي داخل الأسر التي تضطر لمرافقة أبنائها أو تغيير طرقهم بينما تستقبل المستشفيات الحكومية مصابين يحتاجون تدخلا عاجلا لمنع تطور العدوى إلى مرض السعار الذي يصبح قاتلا بعد ظهور أعراضه.
وعلى المستوى الطبي شددت دلال رؤوف مسؤولة التحصين ضد السعار بأحد مستشفيات الجيزة على ضرورة التوجه الفوري إلى المستشفى بعد التعرض للعقر للحصول على التقييم والعلاج المقرر وعدم انتظار ظهور أعراض قد تجعل التدخل بلا جدوى.
وبالتزامن مع العلاج أوضحت الطبيبة أن بعض الحالات تتلقى برنامجًا من 4 إلى 5 جرعات إلى جانب حقنة الوقاية من الكزاز وفق تقييم الإصابة وهو ما يجعل سرعة الوصول إلى الخدمة الطبية جزءًا حاسمًا من حماية المصاب.
لذلك لا يجوز اختزال الأزمة في سلوك الحيوان وحده لأن تراكم القمامة والتوسع العمراني غير المنظم وغياب الرقابة على الحيوانات المملوكة صنعت بيئة توفر الغذاء والمأوى وتسمح بالتكاثر قرب المناطق السكنية من دون سيطرة فعالة.
مليارات لعلاج الفشل
بالتوازي بلغت تكلفة توفير الأمصال واللقاحات نحو مليار و700 مليون جنيه خلال عام 2025 وهو إنفاق ضخم يذهب إلى التعامل مع نتائج العقر بعد حدوثه بينما كان يمكن خفضه عبر الوقاية البيطرية المنتظمة وإدارة المخلفات والتعقيم واسع النطاق.
وفوق ذلك تمثل الحالات المسجلة ضغطًا على أقسام الطوارئ ووحدات الوقاية من السعار لأنها تحتاج مخزونًا مستمرًا من اللقاحات والأمصال وأطقمًا مدربة لمتابعة الجرعات وهو عبء يتزايد كلما اتسعت الفجوة بين أعداد الكلاب وقدرة حملات التحصين.
وفي المقابل تؤكد الأرقام الرسمية أن الكلاب ترتبط بنحو 90 بالمئة من حالات السعار المسجلة ما يجعل السيطرة على انتقال المرض مسؤولية مشتركة بين الصحة والزراعة والمحليات بدل تبادل الاختصاصات وترك المواطن يبحث منفردًا عن جهة تتعامل مع البلاغ.
علاوة على ذلك أوضح الطبيب البيطري إسلام السقا أن التخلي عن الحيوانات الأليفة من دون رقابة يضيف أعدادًا جديدة إلى الشوارع وقد ينقل سلالات غير معتادة بينما تساعد بقايا الطعام المكشوفة على بقائها وتجمعها وزيادة احتكاكها بالسكان.
ومع اتساع المدن الجديدة تظهر تجمعات الحيوانات في مناطق لم تكتمل فيها خدمات النظافة والرقابة البيطرية وهو ما يخلق أزمة موازية للتوسع العمراني ويكشف أن الحكومة تبني أحياء قبل ضمان إدارة مخلفاتها وحماية سكانها من الأخطار الصحية.
غير أن إنشاء مراكز الإيواء وحده لن يحسم الظاهرة لأن قدرتها الاستيعابية تبقى محدودة أمام تقديرات تتحدث عن ملايين الكلاب كما أن نقل الحيوانات دون تعقيم وتطعيم وضبط مصادر الغذاء يعيد إنتاج المشكلة حول مواقع أخرى.
كذلك أثبتت ممارسات القتل والتسميم محدودية أثرها لأنها لا تعالج التكاثر أو القمامة وقد تفتح المجال أمام اختلال بيئي وانتقال مجموعات جديدة إلى المناطق التي أخليت مؤقتًا فضلًا عن مخالفتها قواعد الرفق بالحيوان والحلول البيطرية المستدامة.
ومن ثم يتطلب خفض فاتورة العلاج توجيه إنفاق منتظم إلى الوقاية يشمل التعقيم والتحصين وتسجيل الحيوانات المملوكة ومحاسبة المتخلين عنها وتحسين جمع القمامة مع إعلان مؤشرات شهرية تقيس الإصابات والاستجابة بدل الاكتفاء بأرقام سنوية بعد تفاقم الخسائر.
خطة أبطأ من الأزمة
وفقًا لهيئة الخدمات البيطرية شهد عام 2025 تحصين 121 ألف كلب ضد السعار وتعقيم 8311 كلبًا داخل المستشفيات البيطرية وهي أرقام توثق بدء التحرك لكنها تظل محدودة مقارنة بتقديرات أعداد الحيوانات المنتشرة في مختلف المحافظات.
في غضون ذلك قدرت جهات رسمية أعداد الكلاب بنحو 12 مليونًا بينما رفعت تقديرات أخرى العدد إلى ما بين 15 و40 مليونًا ويكشف هذا التفاوت غياب حصر وطني دقيق يمكن بناء التمويل والكوادر والجداول الزمنية على أساسه.
وبحساب الأرقام المعلنة لا يغطي تحصين 121 ألف كلب إلا جزءًا ضئيلًا من أقل تقدير متداول للأعداد كما يبقى تعقيم 8311 كلبًا أبطأ كثيرًا من معدلات التكاثر بما يهدد بتحول الحملة إلى استجابة رمزية.
وبناء على ذلك أعلنت وزارة الزراعة خطة لإنشاء 12 مركزًا للإيواء في 12 محافظة مع بدء التنفيذ في القاهرة والجيزة والقليوبية والإسكندرية على أن تقام المراكز بعيدًا عن الكتل السكنية وتعمل بالتوازي مع برامج التحصين والتعقيم.
إضافة إلى ذلك تشمل الخطة تطوير سيارات نقل مجهزة للتعامل مع البلاغات والطوارئ وفق معايير الرفق بالحيوان وتدريب فرق قادرة على الإمساك الآمن والنقل لكن نجاحها يتوقف على عدد السيارات وسرعة وصولها وتغطيتها الفعلية للأحياء والقرى.
أما الجانب المؤسسي فيعتمد على التعاون بين المحافظات ومديريات الطب البيطري ووزارات الصحة والزراعة والتنمية المحلية والتضامن مع مشاركة الجمعيات الأهلية وهو تنسيق يحتاج جهة قيادة واحدة حتى لا تضيع المسؤولية بين المؤسسات عند وقوع الحوادث.
وفي مرحلة التنفيذ أطلقت الوزارة من منطقة عين شمس المرحلة الميدانية للحملة القومية ضمن استراتيجية مصر خالية من السعار بحلول 2030 وركزت على التحصين والتعقيم الجماعي باعتبارهما المسار العلمي للحد من المرض والتكاثر.
نتيجة لذلك طالبت الناشطة حنان زكي بتسريع تنفيذ الاستراتيجية وتوسيع التطعيم للحيوانات المملوكة وغير المملوكة ونشر التوعية بشأن الإبلاغ والتعامل الآمن مؤكدة أن حماية الإنسان والحيوان تتطلب مشاركة المجتمع المدني لا قرارات حكومية معزولة عن الشوارع.
وأخيرًا تكشف المقارنة بين مليون و400 ألف حالة عقر و121 ألف كلب جرى تحصينه أن الخطة الحكومية تتحرك بأبطأ من حجم الخطر وأن الأمن الصحي سيظل مهددًا ما لم تتحول الوعود إلى حملات يومية قابلة للقياس والمحاسبة.

