أعلن مكتب العلاقات العامة لرئيس جمهورية الجبل الأسود وصول ياكوف ميلاتوفيتش إلى مصر اليوم الأحد 19 يوليو في زيارة رسمية تستمر حتى 21 يوليو، لبحث التعاون السياسي والاقتصادي والاستثمارات المشتركة مع عبد الفتاح السيسي ومصطفى مدبولي، وسط تحركات حكومية لاستقطاب رؤوس أموال جديدة ودعم موقف القاهرة إقليميًا.

 

تكشف زيارة رئيس الجبل الأسود إلى مصر سعي السلطة إلى توسيع دائرة اتصالاتها الأوروبية في وقت يواجه فيه الاقتصاد المصري أزمة ديون وتراجعًا في قدرة القطاع الخاص، بينما تستخدم الحكومة اللقاءات الرئاسية لتقديم صورة عن الاستقرار وجاذبية الاستثمار من دون معالجة القيود السياسية والاقتصادية التي تضعف هذه الوعود.

 

 

زيارة رئاسية بعد 20 عامًا

 

ويحمل الإعلان الصادر عن رئاسة الجبل الأسود أهمية سياسية خاصة، لأن الزيارة تأتي على مستوى رئاسي وتمثل أول تحرك معلن بهذه الصيغة خلال عام احتفال البلدين بمرور 20 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية، وهو ما يمنح اللقاءات إطارًا رسميًا يتجاوز الزيارات البروتوكولية المعتادة.

 

وبحسب البرنامج المعلن، يلتقي ميلاتوفيتش بالسيسي ورئيس الوزراء مصطفى مدبولي وممثلين عن مجتمع الأعمال المصري، فيما تركز المحادثات على تعزيز الحوار السياسي وزيادة التبادل التجاري وجذب الاستثمارات وتحسين الربط بين البلدين، إلى جانب مناقشة قضايا إقليمية ودولية لم يحددها البيان الرئاسي تفصيلًا.

 

كذلك أعلن مكتب ميلاتوفيتش أن البلدين يستعدان لتوقيع اتفاقات ومذكرات تعاون خلال الزيارة، مع إعطاء أولوية للربط بين هيئة موانئ الجبل الأسود وهيئة ميناء الإسكندرية، في محاولة لتأسيس مسار بحري وتجاري يمكنه خدمة الصادرات والسياحة وحركة الشركات بين شمال أفريقيا ومنطقة البلقان.

 

وتضم البعثة المرافقة لميلاتوفيتش نائب رئيس برلمان الجبل الأسود ووزيرة الثقافة والإعلام ومسؤولين من هيئة الموانئ وميناء بار وغرفة التجارة ووكالة الاستثمار، بما يؤكد أن الزيارة تستهدف ملفات اقتصادية ومؤسسية محددة، وليس مجرد تبادل رسائل سياسية بين الرئاستين خلال ذكرى العلاقات الدبلوماسية.

 

وفي هذا السياق، تقدم دراسة أستاذة العلاقات الدولية شيماء مجيد تفسيرًا لوظيفة النشاط الدبلوماسي في عهد السيسي، إذ ترى أن السلطة استخدمت ملفات الاستقرار الإقليمي وغزة لتعزيز شرعيتها الدولية وتخفيف الانتقادات الغربية بشأن حقوق الإنسان، وهو ما يضع الزيارات الرئاسية المتتابعة داخل سياسة أوسع تخدم بقاء النظام.

 

 

استثمارات تصطدم بسيطرة الدولة

 

اقتصاديًا، تسعى القاهرة إلى تحويل زيارة رئيس الجبل الأسود إلى مصر نحو اتفاقات في التجارة والسياحة والنقل، بعدما بلغت قيمة الصادرات المصرية إلى الجبل الأسود نحو 4.6 مليون دولار خلال 2024، وهو رقم محدود يكشف أن العلاقات السياسية الممتدة لم تنتج حتى الآن شراكة تجارية ذات وزن واضح.

 

وفعليًا، ناقش وزيرا خارجية البلدين في مايو 2025 إنشاء خط ملاحي وتعزيز السياحة والاستثمار، قبل أن تعود الملفات نفسها إلى جدول الزيارة الرئاسية الحالية، بما يوضح أن الحكومة لم تنقل التفاهمات السابقة إلى مشروعات كبيرة، وأن الإعلان عن التعاون لا يساوي تلقائيًا تنفيذًا أو عائدًا اقتصاديًا للمواطنين.

 

وفي المقابل، يشكل استمرار الرحلات السياحية المباشرة بين القاهرة وبودغوريتسا نقطة التعاون الأكثر وضوحًا، بعدما سجلت السلطات في الجبل الأسود اهتمامًا متزايدًا من السياح المصريين، غير أن هذا المسار يظل ضيقًا مقارنة بحجم الوعود الحكومية عن الاستثمارات والموانئ والطاقة والتجارة والثقافة والتعليم والبحث العلمي.

 

ويضع حضور ممثلي مجتمع الأعمال المصري ملف الاستثمار في قلب الزيارة، لكن المستثمر الأجنبي يواجه اقتصادًا تسيطر فيه مؤسسات الدولة والجيش على قطاعات واسعة وتحصل على امتيازات لا تتاح للشركات الخاصة، بينما تستمر الحكومة في طرح الأصول وجمع العملات الأجنبية من دون إصلاح قواعد المنافسة أو نشر بيانات شفافة.

 

ومن جانبه، حذر الباحث الاقتصادي المستقل تيموثي كالداس من قدرة حكومة السيسي على تبديد التدفقات المالية إذا لم تغير سياساتها، مشيرًا إلى أن النهج الاقتصادي المتبع طوال سنوات كان غير قابل للاستمرار، وأن حصول السلطة على أموال جديدة قد يدفعها إلى تكرار الممارسات نفسها حتى وقوع أزمة أكبر.

 

 

تعاون يتجاهل القمع

 

سياسيًا، يتيح اللقاء لميلاتوفيتش مناقشة تطورات غزة والهجرة والأمن في البحر المتوسط، بعدما أبدى مسؤولو الجبل الأسود رفضهم لاستهداف المدنيين الفلسطينيين وأشادوا بدور مصر في الوساطة، غير أن الحكومة المصرية تستخدم هذا الدور خارجيًا بينما تمنع في الداخل الاحتجاجات المستقلة المؤيدة للفلسطينيين وتلاحق المشاركين فيها.

 

وعلى المستوى الإقليمي، تمنح الأزمات المحيطة بمصر السيسي مساحة للحصول على دعم سياسي وتمويل أوروبي تحت عنوان حماية الاستقرار ومنع الهجرة، في وقت تتجاهل فيه الحكومات المتعاونة معه مسؤولية سياساته الاقتصادية والقمعية عن إضعاف المجتمع ورفع مستويات الخوف ودفع مزيد من المصريين إلى التفكير في الهجرة.

 

وحقوقيًا، تأتي زيارة ميلاتوفيتش بينما وثقت منظمات مستقلة استمرار التضييق على المعارضة والصحافة والنقابات والمدافعين عن الحقوق، إلى جانب إحالة آلاف الأشخاص إلى دوائر الإرهاب خلال أشهر، بما يجعل استقبال الزعماء الأوروبيين للسيسي من دون إثارة هذه الملفات دعمًا سياسيًا مباشرًا لسلطة ترفض أي مساءلة داخلية.

 

ويشرح الحقوقي المصري بهي الدين حسن أن تراجع النظام الدولي عن حماية الحريات ساعد على تطبيع التعامل مع السلطوية، مؤكدًا أن استبدال الحقوق السياسية بوعود الخبز والاستقرار لا ينتج تنمية أو حياة كريمة، لأن غياب المحاسبة يسمح للحاكم بإدارة الاقتصاد والمال العام من دون رقابة شعبية أو مؤسسات مستقلة.

 

وأخيرًا، تمنح زيارة رئيس الجبل الأسود إلى مصر الحكومة فرصة جديدة لإعلان اتفاقات واستثمارات وعلاقات متقدمة، لكن قيمة الزيارة ستظل مرهونة بما تنفذه المؤسسات بعد مغادرة الوفد، بينما تؤكد تجربة السنوات الماضية أن السيسي يجمع التعهدات الخارجية ويؤجل الإصلاح ويستبعد المواطنين من معرفة شروط الاتفاقات أو مراقبة نتائجها.