كشف تقرير الوضع الخارجي للاقتصاد المصري أن البنك الدولي أصبح أكبر مقرض لمصر بين المؤسسات الدولية، بأرصدة بلغت 12.5 مليار دولار بنهاية 2025، متجاوزا صندوق النقد الدولي الذي سجل 12.4 مليار دولار.
ويأتي هذا التحول بينما تبدأ مصر موازنة 2026 و2027 بإيرادات تبلغ 4.9 تريليون جنيه، مقابل خدمة دين تصل إلى 5.2 تريليون جنيه، بما يضع حياة المصريين وحقوقهم الأساسية تحت ضغط المقرضين والدائنين.
وبالتالي، لم تعد أزمة الاقتراض مجرد رقم في تقارير المؤسسات الدولية، بعدما صارت فوائد الدين تلتهم 75.9 بالمئة من إيرادات الموازنة خلال الأشهر العشرة الأولى من العام المالي 2025 و2026.
كما ارتفعت فوائد الدين الحكومي إلى 2 تريليون جنيه خلال الفترة نفسها، بزيادة 21.9 بالمئة عن العام السابق، فيما تتراجع قدرة الموازنة على تمويل الصحة والتعليم ودعم الفقراء والخدمات العامة.
ومن ثم، يكشف تصدر البنك الدولي قائمة المقرضين أن مصر لم تعد معلقة بصندوق النقد وحده، بل دخلت شبكة أوسع من التمويل المشروط، تتوزع أدوارها بين المؤسسات الدولية لكنها تنتهي إلى عبء واحد.
وفي المقابل، بلغ إجمالي القروض الخارجية من المؤسسات الدولية 45.5 مليار دولار، استحوذ البنك الدولي وصندوق النقد وحدهما على 24.9 مليار دولار منها، في مشهد يكشف عمق الارتهان المالي للخارج.
ولذلك، يطرح صعود البنك الدولي أسئلة تتجاوز حجم القروض إلى شروطها وكلفتها وأعبائها السنوية، وتأثيرها على القرار الاقتصادي، ومدى قدرة الحكومة على رسم سياساتها بعيدا عن ضغوط المؤسسات الدولية الممولة.
أجندة واحدة خلف مقرضين متعددين
وفي هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي عبد الحافظ الصاوي إن البنك الدولي وصندوق النقد لا يعملان منفصلين، وإن الحصول على تمويل من أحدهما يرتبط عمليا باستيفاء شروط الصندوق وموافقة المؤسسة الأخرى.
وبحسب الصاوي، فإن قروض البنك الدولي ليست أموالا بلا شروط، بل ترتبط عادة بأجندة صندوق النقد، ولذلك لا تكمن المشكلة في اختيار المقرض، وإنما في استمرار نموذج اقتراض لا يعالج أصل الأزمة.
وعلاوة على ذلك، حدد الصاوي ضعف الإنتاج باعتباره المرض المزمن للاقتصاد المصري، موضحا أن البطالة والتضخم وعجز الموازنة والفجوة التمويلية كلها نتائج لاقتصاد لا ينتج بالقدر الذي يسمح له بالاستقلال.
ومن جهة أخرى، عاد السيسي بمصر إلى صندوق النقد في 2016 بقرض 12 مليار دولار، ثم حصل على تمويلات جديدة خلال الجائحة، قبل رفع اتفاق 2022 إلى 8 مليارات دولار في 2024.
وفي مسار مواز، بلغ تمويل البنك الدولي لمصر منذ 1959 نحو 26 مليار دولار، بينما حصلت القاهرة خلال العقد الأخير على نحو 10 مليارات دولار من مؤسسة واحدة تابعة للمجموعة.
وفوق ذلك، تستهدف مؤسسة التمويل الدولية ضخ مليار دولار سنويا في مصر مع إمكانية رفعه إلى 1.5 مليار، بعدما بلغت استثماراتها خلال العقد الماضي 10 مليارات دولار، وفق تصريحات مسؤوليها.
وبناء على ذلك، يظهر البنك الدولي شريكا مباشرا في إعادة تشكيل الاقتصاد، لا مجرد جهة تمويل، بعدما وافق في مايو على مليار دولار لسياسات التنمية ضمن حزمة تبلغ 7 مليارات دولار.
وعلى نحو متصل، ربط البنك التمويل بإصلاحات شملت توحيد سعر الصرف والانضباط المالي والسياسات الضريبية، وهي الإجراءات نفسها التي يدفع بها صندوق النقد، بما يؤكد تداخل الأجندتين تحت مسمى الإصلاح الاقتصادي.
وفي الوقت نفسه، دخلت مؤسسة التمويل الدولية ملف الأصول العامة بوصفها مستشارا استراتيجيا للحكومة في إعادة هيكلة وتطوير 11 مطارا، تمهيدا لطرحها أمام مستثمرين محليين وأجانب في مرحلة لاحقة بوضوح.
ديون تتضخم وموازنة تختنق
غير أن البنك الدولي نفسه اعترف في أبريل بأن الحيز المالي المصري مقيد بشدة، بعدما التهمت مدفوعات الفوائد 10.6 بالمئة من الناتج المحلي و87.1 بالمئة من الإيرادات الضريبية للدولة المصرية.
وفضلا عن ذلك، حذر البنك من التزامات محتملة تعادل 27 بالمئة من الناتج المحلي، متوقعا ارتفاع الدين العام إلى 82.9 بالمئة، رغم حديث الحكومة عن انخفاضه في العام المالي السابق.
وفي ديسمبر، وصف البنك الاقتصاد المصري بأنه بلغ نقطة قاتمة، مع هشاشة مالية وأزمة ديون تفوق الناتج، ووضع مصر ضمن الدول الأكثر مديونية عالميا، بحسب المؤشرات والأرقام الواردة في تقاريره.
وبالتوازي، بلغت الديون الخارجية 163.7 مليار دولار، بينما وصلت الديون المحلية إلى 11.057 تريليون جنيه، بعد أن كانت عند تولي السيسي الحكم 46.1 مليار دولار و1.81 تريليون جنيه فقط.
ولهذا، تعني الأرقام أن عهد السيسي أضاف نحو 115.1 مليار دولار إلى الدين الخارجي و9.257 تريليون جنيه إلى الدين المحلي خلال 11 عاما، من دون كسر حلقة الاقتراض المتجدد المستمرة المتفاقمة.
وعلى الجانب الآخر، دفعت مصر 15.995 مليار دولار فوائد وأقساط ديون خارجية خلال نصف عام واحد، فيما بلغت نسبة خدمة الدين الخارجي إلى الصادرات السلعية والخدمية نحو 43.7 بالمئة تقريبا.
دائرة الاقتراض تلتهم حياة المصريين
وفي تعبير مباشر عن الكلفة، وصف الخبير الاقتصادي أحمد خزيم الاقتراض بأنه دائرة جهنمية، موضحا أن كل 100 جنيه من دخل الدولة يذهب منها 64 جنيها لأقساط الديون وفوائدها وحدها.
ثم تتوزع البقية، وفق خزيم، بين 10 جنيهات للمرتبات و10 للدعم والمنح والمزايا الاجتماعية و7 للاستثمارات الحكومية و9 للسلع والخدمات، بما يكشف ضآلة ما يتبقى للإنفاق العام الحقيقي على المواطنين.
ومن ناحية أعمق، قال الخبير الاقتصادي ممدوح الولي إن القيمة الحقيقية للدين أكبر من أرقامه المعلنة، لأن الديون المتوسطة والطويلة الأجل ستسدد بقيمة 174.4 مليار دولار حتى 2071 كاملة.
وأضاف الولي أن الديون القصيرة تبلغ 34.4 مليار دولار، بفوائد سنوية تقارب مليار دولار، ومع تجديدها المستمر قد تتحول فوائدها إلى التزام يتراوح بين 40 و45 مليار دولار إضافية مستقبلا.
وبحساباته، تصبح مصر مطالبة بسداد نحو 249 مليار دولار حتى 2071، حتى بافتراض توقف الاقتراض الجديد، وهو افتراض يناقض مسارا يعتمد على قرض جديد لسداد قرض قديم باستمرار مستقبلا.
وأخيرا، تكشف هذه الدائرة أن تصدر البنك الدولي قائمة المقرضين ليس نجاحا تمويليا، بل علامة على اتساع الارتهان، فيما تدفع الموازنة والمصريون ثمن قرارات تجعل الدين أولوية والحياة هامشا دائما متواصلا ومزمنا.

