يقول د. علي محمد الصلابي إن الدعاء ليس كلمة عابرة تقال عند الضيق، ولا حركة ضعف أمام الشدائد، بل هو عبادة عظيمة وسبب شرعي وقدري جعله الله طريقاً لجلب المنافع ودفع المضار، كما جعل التوكل والصدقة والصلاة والذكر والاستغفار والتوبة والإحسان أسباباً للرحمة والفرج والنجاة.

 

ومن ظن أن الإيمان بالقضاء والقدر يمنعه من الدعاء فقد أخطأ فهم القدر؛ لأن الدعاء نفسه داخل في قضاء الله لا خارج عنه، فإذا أراد الله بعبد خيراً ألهمه السؤال، وفتح له باب التضرع، وجعل دعاءه سبباً لما قضاه له من نفع أو كشف ضر أو تخفيف بلاء.

 

الدعاء سبب لا يعارض القدر

 

الدعاء مثل سائر الأسباب التي شرعها الله لعباده، فهو سبب لجلب الخير ودفع الشر، كما أن الدواء سبب للشفاء، والدفء سبب لدفع البرد، والعمل سبب للرزق، والجهاد سبب لدفع العدو.

 

ولهذا لا يصح أن يترك العبد الدعاء بحجة أن كل شيء مقدر، لأن الأخذ بالأسباب من تمام الإيمان بالقدر، لا مناقضة له، ومن أعظم هذه الأسباب الدعاء الذي يربط القلب بالله عند الشدة والرخاء.

 

وعند التأمل، نجد أن الدعاء مع ثبوت كونه سبباً داخل في القضاء، لأن الله سبحانه أحاط بكل شيء علماً، وقدر كل شيء تقديراً، ولا يمكن أن يقع شيء في ملكه خارج علمه أو مشيئته أو قضائه.

 

فإذا قدر الله أن يدعو العبد، وقدر أن يكون دعاؤه سبباً لخير معين، فلا بد أن يدعو العبد، ولا بد أن يقع ما جعله الله مترتباً على هذا السبب، فيجتمع الدعاء والقدر في طريق واحد.

 

ومن هنا يكون الدعاء سبباً لجلب النفع، كما يكون سبباً لدفع البلاء، فإن كان الدعاء أقوى من سبب البلاء دفعه، وإن كان سبب البلاء أقوى لم يرفعه كله، لكنه يخففه ويضعف أثره.

 

ولهذا ليس في الأسباب شيء أنفع من الدعاء ولا أبلغ في حصول المطلوب، لأن الداعي لا يعتمد على قوته ولا على حيلته، بل يلوذ بربه القادر على تغيير الأحوال وكشف الكروب وفتح المغاليق.

 

وعند انعقاد أسباب الشر، أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما يدفع موجبها بمشيئة الله وقدرته، من صلاة ودعاء وذكر واستغفار وتوبة وإحسان وصدقة وعتاقة، لأن الأعمال الصالحة تقابل أسباب البلاء.

 

وفي هذا المعنى جاء أن الدعاء والبلاء يلتقيان بين السماء والأرض فيعتلجان، أي إن الدعاء يقاوم البلاء ويدافعه بإذن الله، فلا يكون المؤمن سلبياً أمام المصيبة، بل يواجهها بالافتقار إلى الله والعمل الصالح.

 

ومثل ذلك أن العدو إذا هجم دُفع بالدعاء وفعل الخير والجهاد، وإذا اشتد البرد دُفع باتخاذ الدفء، فكذلك الشدائد والفتن والبلايا تدفع بالدعاء والذكر والتوبة والصدقة وسائر أسباب النجاة.

 

ويؤكد هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص: هل تنصرون إلا بضعفائكم، وفي لفظ النسائي: إنما نصر الله هذه الأمة بضعفتهم بدعواتهم وصلاتهم وإخلاصهم.

 

فليست القوة كلها في العدد والمال والجاه، بل قد يكون في دعاء الضعيف المخلص من أسباب النصر والرحمة ما لا يملكه الأقوياء بأدواتهم الظاهرة، لأن القلوب الصادقة أقرب إلى أبواب السماء.

 

ومحصلة الأمر أن رد البلاء بالدعاء من جملة القضاء، وليس خروجاً عنه، فالدعاء لا يصارع القدر من خارجه، بل يتحرك داخله، بأمر الله وتقديره، سبباً من أسباب رحمته بعباده.

 

القرآن يربط الدعاء بالاستجابة

 

من أعظم ما يدل على أثر الدعاء أن القرآن الكريم لم يقدمه بوصفه مجرد أمنية، بل جعله أمراً إلهياً ووعداً ربانياً، فقال تعالى: وقال ربكم ادعوني أستجب لكم.

 

وقال تعالى: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان، فجاءت الآية بقرب الله من عباده، وبإجابة الدعوة عند وقوعها، لتغرس في القلب يقيناً بأن الدعاء باب مفتوح.

 

وقال تعالى: ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله، فنهى عن التطلع الحاسد، وفتح باب السؤال من فضله.

 

وفي هذه الآية معنى دقيق، فالله لم يترك القلب نهباً للحسد ولا للحزن على ما في أيدي الناس، بل وجهه إلى الباب الصحيح: اسألوا الله من فضله، فهو الذي يعطي ويزيد ويبدل الأحوال.

 

ولو كان الدعاء لا أثر له، لما جاء الأمر بالسؤال في هذا المقام، لأن سياق الآية يدل على أن العبد إذا رأى فضلاً عند غيره فلا يتمنى زواله، بل يسأل الله من خزائنه الواسعة.

 

ولا يقتصر القرآن على الأمر بالدعاء، بل يعرض نماذج حية لأنبياء وأولياء وصالحين نزلت بهم الشدائد، فلجأوا إلى الله، فكانت النجاة بعد النداء، والفرج بعد التضرع، والرحمة بعد الانكسار.

 

وهنا تظهر وظيفة القصص القرآني، فهو لا يروي الوقائع للتسلية، بل يعلم المؤمن كيف يتصرف عند البلاء، وكيف يرفع حاجته إلى ربه، وكيف يرى في الدعاء غذاءً روحياً وسمة عبودية.

 

دعاء نوح ونجاة أهل الإيمان

 

ومن أوضح الشواهد دعاء نوح عليه السلام، قال تعالى: ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون، فجمع الله في الآية بين النداء والإجابة، حتى يبقى المعنى راسخاً: من صدق في اللجوء إلى الله لم يضع.

 

وقال تعالى في شأنه: ونوحاً إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين.

 

تأمل ترتيب الآيات: نادى، فاستجبنا، فنجيناه، ونصرناه، فليست النجاة مفصولة عن الدعاء، بل جاء النداء أولاً، ثم جاءت الإجابة بما حملته من نجاة ونصر وكشف كرب عظيم.

 

دعاء أيوب وكشف الضر

 

ومن أعظم أبواب الرجاء دعاء أيوب عليه السلام، قال تعالى: وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين، فجمع في دعائه بين وصف حاله والثناء على رحمة ربه.

 

ثم قال تعالى: فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين، فجاءت الفاء في فاستجبنا وفكشفنا لتدل على سرعة ترتب الفرج على الدعاء.

 

وفي قصة أيوب درس بالغ، فحين يطول البلاء لا يعني أن باب الله مغلق، وحين يعجز الناس لا يعني أن الرحمة بعيدة، بل قد يكون الدعاء الصادق بداية كشف لا يتوقعه العبد.

 

دعاء يونس في ظلمات الكرب

 

ومن أدق مشاهد الدعاء دعاء يونس عليه السلام، إذ نادى في الظلمات: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فكان الدعاء توحيداً وتنزيهاً واعترافاً بالذنب في لحظة انكسار كاملة.

 

قال تعالى بعدها: فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين، فليست القصة خاصة بيونس وحده، بل فتح الله بها باباً عاماً لكل مؤمن إذا أحاطت به الظلمات ولجأ إلى ربه صادقاً.

 

وزاد القرآن المعنى وضوحاً بقوله تعالى: فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون، فدل ذلك على أن التسبيح والدعاء كانا سبب النجاة من كرب لا يملك البشر دفعه.

 

وهذا من أعظم ما يربي اليقين في القلب، فالدعاء لا يحتاج إلى مكان واسع ولا حال ميسورة، فقد يرفع العبد دعاءه من بطن البلاء، فيجعل الله له من الظلمات مخرجاً.

 

دعاء زكريا وعطاء من حيث لا تحتسب الأسباب

 

وجاء دعاء زكريا عليه السلام شاهداً على أن الدعاء يفتح أبواباً تبدو في حساب البشر بعيدة، قال تعالى: وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين.

 

ثم قال تعالى: فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه، فجاءت الهبة بعد النداء، وأصلح الله له السبب الذي ظنه الناس منغلقاً، لتبقى قدرة الله فوق حدود الحسابات البشرية.

 

وختمت الآية بقول الله تعالى: إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين، فجمعت بين الدعاء والعمل والخشوع، لأن الدعاء الصادق لا ينفصل عن حياة عامرة بالطاعة.

 

دعاء موسى وهارون واستجابة الله

 

وفي قصة موسى وهارون عليهما السلام يظهر أثر الدعاء في مواجهة الطغيان، إذ قال موسى: ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك.

 

ثم دعا قائلاً: ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم، فجاء الجواب الإلهي: قد أجيبت دعوتكما فاستقيما، فكان الدعاء سلاحاً أمام جبروت فرعون وملئه.

 

وفي موضع آخر دعا موسى عليه السلام: رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري، فأجابه الله بقوله: قد أوتيت سؤلك يا موسى، فظهر أثر الدعاء في التيسير والتمكين وحمل الرسالة.

 

دعاء المؤمنين عند مواجهة الشدائد

 

ولم يكن الدعاء طريق الأنبياء وحدهم، بل كان زاد المؤمنين في ميادين الخوف، قال تعالى: ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.

 

ثم جاءت النتيجة: فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت، فبدأ المشهد بقلوب تسأل الصبر والثبات والنصر، وانتهى بنصر تحقق بإذن الله، ليعلم المؤمن أن الثبات قبل القوة، والدعاء قبل الظفر.

 

وقال تعالى عن المؤمنين: وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، فآتاهُم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة.

 

وهنا لا يطلب المؤمنون النصر وحده، بل يبدؤون بالاستغفار والاعتراف بالتقصير، ثم يسألون الثبات والنصر، وكأن القرآن يعلم الأمة أن إصلاح الداخل طريق إلى قوة الخارج.

 

السنة النبوية تجعل الدعاء حياة يومية للمؤمن

 

أما السنة النبوية، فشواهدها في أثر الدعاء أكثر من أن تحصر، فقد تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أمران عظيمان: أنه كان يدعو، وأنه كان يحث أمته على الدعاء ويرغبهم فيه.

 

ومن ذلك حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، حين كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، فقام رجل يشكو هلاك الأموال وانقطاع السبل، وطلب من النبي أن يدعو الله بالغيث.

 

فمد النبي صلى الله عليه وسلم يديه ودعا، وما في السماء قزعة، فما وضع يديه حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ولم ينزل عن منبره حتى كان المطر يتحادر على لحيته الشريفة.

 

ومطر الناس من الجمعة إلى الجمعة، ثم جاء الرجل أو غيره في الجمعة التالية يشكو تهدم البيوت وانقطاع السبل، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم حوالينا ولا علينا.

 

فما أشار إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت، وفي ذلك دلالة بينة على أن الدعاء كان سبباً في نزول المطر حين احتيج إليه، وسبباً في انصرافه حين صار مؤذياً.

 

ومن أعظم أحاديث الرجاء حديث النزول، وفيه أن الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: من يدعوني فأستجب له، ومن يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فأغفر له.

 

هذا النداء الرباني كل ليلة يكسر وحشة القلب، ويوقظ الغافل، ويفتح أمام المذنب والمكروب والمحتاج باباً لا يغلق، فمن علم أن ربه يدعوه إلى السؤال كيف يستثقل الدعاء.

 

الواقع يشهد أن الدعاء يغير الأحوال

 

ولا يحتاج أثر الدعاء إلى دليل نظري وحده، فإن المشاهدة من أكبر الأدلة وأصدقها، فما من إنسان إلا ومرت به شدة ضاقت فيها الأسباب، ثم وجد في الدعاء سعة لم يجدها عند الناس.

 

كم من مريض ضاقت به الحيل ففتح الله له باب شفاء، وكم من مهموم ظن أن الليل لا ينقضي فجاءه الفرج، وكم من محتاج انقطعت به السبل فرفع يديه فأتاه العطاء.

 

وقد يرى العبد أثر الدعاء في زوال المصيبة، وقد يراه في تخفيفها، وقد يراه في تثبيت قلبه داخلها، وقد يدخر الله له من الأجر والرحمة ما هو أعظم مما طلب.

 

فالدعاء لا يضيع، لأن العبد حين يدعو لا يتعامل مع باب مخلوق يفتح ويغلق بحسب الهوى، بل يقف بين يدي رب كريم يسمع السر والنجوى، ويعلم الحاجة قبل السؤال.

 

الله هو الذي يلهم العبد الدعاء

 

ومن أرق معاني هذا الباب أن الله سبحانه هو الذي يحرك قلب العبد إلى الدعاء، وهو الذي ييسر له التضرع، وهو الذي يصرف عنه موانع الكبر والكسل والغفلة، حتى يقف على بابه منكسراً.

 

فليس الدعاء فضلاً من العبد على نفسه، بل هو رحمة من الله به، إذ يوقظه من الغفلة، ويلقي في قلبه حسن الظن، ويفتح له لسان السؤال، ويجعله يرى فقره إلى ربه.

 

ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إني لا أحمل هم الإجابة، وإنما أحمل هم الدعاء، ولكن إذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه.

 

كلمة عمر هذه تلخص طريق الرجاء، فحين يوفق الله العبد للدعاء، فقد وضع قدمه على أول طريق الفرج، لأن من فتح الله له باب السؤال لم يرده خائباً من باب رحمته.

 

ومن أراد الله به خيراً ألهمه الاستعانة به، وجعل دعاءه سبباً للخير الذي قضاه له، فلا يترك الدعاء من فهم القدر، بل يزداد دعاءً لأنه يعلم أن الدعاء من القدر.

 

فادع ولا تيأس، واسأل ولا تستثقل السؤال، وألح ولا تمل، فربك أكرم من أن يرد عبداً طرق بابه، وأعلم بما يصلحك، وأرحم بك من نفسك، وأقدر على فرجك من كل سبب.

 

والدعاء ليس وعداً بأن تأتي الإجابة على الصورة التي رسمها العبد لنفسه، بل هو يقين بأن الله يسمع ويعلم ويختار، فقد يعطيك ما سألت، أو يدفع عنك ما هو أعظم، أو يدخر لك ما ينفعك يوم تلقاه.

 

ومن عرف حقيقة الدعاء لم يجعله آخر الأسباب، بل جعله أولها وأصدقها وأبقاها، يأخذ بما يستطيع من عمل، ثم يرد الأمر كله إلى الله، عالماً أن الخير كله بيده، وأن الفرج لا يعجزه.