بعد أكثر من ثلاثة عشر عامًا على 30 يونيو، لم تعد الحصيلة بحاجة إلى خطب طويلة أو شعارات متبادلة؛ فالأرقام وحدها تكفي. المصري الذي قيل له إن الخروج كان طريقًا إلى الاستقرار وجد نفسه أمام دولة أكثر غلاءً، واقتصاد أكثر مديونية، وسياسة أكثر إغلاقًا، وإعلام أكثر خضوعًا، ومجال عام محاصر بالخوف، ومشروعات ضخمة تُعرض كإنجازات بينما يدفع المواطن ثمنها من دخله وقوته وخدماته الأساسية.
التجربة قاسية وواضحة: لم يجن المصريون دولة رفاه، ولا عدالة اجتماعية، ولا اقتصادًا منتجًا، ولا حرية سياسية. ما جناه الناس كان تضخمًا في الدين، وانهيارًا في قيمة الجنيه، وارتفاعًا في أسعار الخبز والغاز والمواصلات، وتوسعًا في الاقتراض وبيع الأصول، مع تضييق سياسي غير مسبوق وصل إلى سجن معارضين ومرشحين محتملين، ومنع المنافسة الحقيقية قبل أن تبدأ.
الديون.. من دولة مثقلة إلى دولة مخنوقة
في 2013 كان الدين الخارجي المصري يدور حول مستوى يقارب 43 إلى 46 مليار دولار، وفق قواعد بيانات الدين الدولية وتقارير البنك الدولي والبنك المركزي. وبعد عقد واحد، قفز الرقم إلى مستويات تجاوزت 160 مليار دولار في ذروة الأزمة، قبل أن يتراجع قليلًا أو يتحرك صعودًا وهبوطًا حسب تدفقات القروض والودائع وبيع الأصول. المعنى السياسي والاقتصادي هنا واضح: البلد لم ينتج دولارات تكفي، فلجأ إلى الاقتراض، ثم لجأ إلى بيع الأصول لتخفيف الضغط، ثم عاد إلى الاقتراض من جديد.
ليست الكارثة في رقم الدين فقط، بل في طبيعة استخدامه. فالدين الذي يموّل صناعة وتصديرًا وتعليمًا وصحة يمكن أن يكون استثمارًا في المستقبل، أما الدين الذي يذهب إلى مشروعات استعراضية، وطرق وكباري ومدن جديدة لا تصل عوائدها المباشرة إلى أغلب الناس، فهو عبء مؤجل على المواطن. لذلك لم يشعر المصري بأن المليارات المقترضة حسّنت دخله أو علاجه أو تعليمه أو أمنه الغذائي.
الباحث الاقتصادي تيموثي كالداس، نائب مدير معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط، ربط مرارًا بين أزمة مصر الاقتصادية وبين الاعتماد على الاقتراض الخارجي دون بناء قاعدة تصديرية كافية. وكتب في تحليلات منشورة أن الأزمة لا يمكن حلها بمجرد قروض جديدة ما دامت السياسات نفسها مستمرة: دولة تنفق على مشروعات ضخمة، وتزاحم القطاع الخاص، وتنتظر إنقاذًا خارجيًا متكررًا.
أما الباحث الألماني شتيفان رول، في دراسته عن الدين الخارجي والسلطة في مصر، فرأى أن سياسة الاقتراض لم تكن مجرد خيار اقتصادي، بل ارتبطت ببنية الحكم نفسها، حيث استفادت شبكات السلطة والمؤسسات المرتبطة بالدولة من تدفقات الديون، بينما تُركت الفاتورة للموازنة العامة والمواطن.
الجنيه والدولار.. الانهيار الذي دفع ثمنه الفقراء
في 2013 كان الدولار الرسمي يدور حول 7 جنيهات تقريبًا. وفي يونيو 2026 يدور السعر الرسمي حول 49 إلى 50 جنيهًا للدولار. هذه ليست مجرد حركة في شاشة بنك، بل زلزال اجتماعي كامل. كل سلعة مستوردة، وكل قمح ودواء ووقود ومدخل إنتاج، وكل خدمة مرتبطة بالدولار، تحولت إلى عبء مضاعف على الأسرة.
انهيار الجنيه لم يكن قدرًا سماويًا. صحيح أن مصر تأثرت بأزمات عالمية مثل كورونا وحرب أوكرانيا واضطرابات البحر الأحمر، لكن جذور الأزمة داخلية أيضًا: عجز مزمن في موارد الدولار، اعتماد مفرط على الأموال الساخنة، توسع في المشروعات كثيفة الاستيراد، وديون دولارية تلتهم موارد الدولة. لذلك أصبح المواطن يدفع فاتورة السياسات مرتين: مرة عبر ارتفاع الأسعار، ومرة عبر تراجع قيمة دخله ومدخراته.
أنبوبة الغاز.. من 8 جنيهات إلى 275 جنيهًا
في 2013 كانت أسطوانة البوتاجاز المنزلية المدعمة تُباع رسميًا في حدود 8 جنيهات تقريبًا، مع اختلافات في التوزيع والسوق. وفي مارس 2026 وصل السعر الرسمي للأسطوانة المنزلية 12.5 كجم إلى 275 جنيهًا، بينما سجلت الأسطوانة التجارية 550 جنيهًا. هذا يعني أن سلعة منزلية أساسية ارتفعت عشرات المرات خلال الفترة نفسها.
لا يمكن فصل سعر أنبوبة الغاز عن حياة المصريين اليومية. الأسرة التي تطبخ، والمطعم الصغير، وعربة الطعام، والمخبز، كلهم يدفعون الزيادة، ثم تنتقل الزيادة إلى أسعار الطعام والخدمات. وهكذا يصبح رفع الوقود والغاز ليس قرارًا في قطاع الطاقة فقط، بل قرارًا يمس كل طبق على مائدة الفقراء.
الخبز.. من 5 قروش إلى 20 قرشًا للمدعم و150 قرشًا للحر
ظل رغيف الخبز المدعم لعقود رمزًا للحد الأدنى من الحماية الاجتماعية. وفي يونيو 2024 رفعت الحكومة سعر الرغيف المدعم من 5 قروش إلى 20 قرشًا، أي أربعة أضعاف السعر القديم. ورغم أن الحكومة تقول إنها ما زالت تتحمل فارق التكلفة، فإن القرار كشف اتجاهًا واضحًا: تحميل الفقراء جزءًا أكبر من فاتورة العجز.
أما الخبز الحر أو السياحي، فقد وصلت بعض الأوزان إلى 150 قرشًا ثم إلى سقوف أعلى في قرارات لاحقة حسب الوزن. وهنا يصبح المواطن غير الحامل لبطاقة تموين، أو من لا يكفيه نصيبه المدعم، في مواجهة سعر سوق يلاحق الوقود والدقيق والنقل. لذلك لم يعد الخبز مجرد سلعة، بل مرآة لسياسة اقتصادية تضغط من أسفل بدل أن تبدأ من امتيازات الكبار.
المواصلات.. الزيادة التي لا تنتهي
مع كل رفع في أسعار السولار والبنزين، تتحرك تعريفة المواصلات. الأتوبيس، الميكروباص، التاكسي، النقل بين المحافظات، وحتى تكلفة نقل الخضار والفاكهة إلى الأسواق، كلها ترتبط بسعر الوقود. لذلك فإن زيادة السولار لا تقف عند محطة البنزين، بل تصل إلى الموظف والطالب والعامل ورب الأسرة.
شهدت السنوات الماضية زيادات متكررة في تذاكر المترو والقطارات والمواصلات العامة والخاصة. وفي كل مرة تقول الحكومة إن الزيادة “محدودة” أو “ضرورية”، لكن تراكم الزيادات جعل التنقل اليومي بندًا قاسيًا في ميزانية الأسرة. العامل الذي يخرج كل صباح بحثًا عن رزقه لا يناقش أرقام الموازنة، بل يحسب ما تبقى من يوميته بعد المواصلات والطعام.
حوادث الطرق.. طرق أكثر وأمان أقل
قدمت السلطة شبكة الطرق والكباري باعتبارها عنوان الإنجاز الأكبر. لكن السؤال الحقيقي ليس كم كيلومترًا تم رصفه، بل هل أصبح المواطن أكثر أمنًا؟ تقارير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أظهرت استمرار سقوط آلاف الضحايا سنويًا في حوادث الطرق، مع تذبذب الأرقام بين ارتفاع وانخفاض من عام لآخر. وفي 2024 بلغ عدد الوفيات 5260 وفاة وفق بيانات منشورة عن الجهاز، بعدما كان الرقم 5861 في 2023.
المشكلة أن الإنفاق على البنية الخرسانية لم يرافقه دائمًا انضباط في الرقابة، ولا إصلاح جذري لمنظومة النقل الثقيل، ولا صيانة كافية، ولا محاسبة حقيقية على الإهمال. وحين تصبح الطرق أسرع دون ضبط صارم للسلامة، فإن الإنجاز يتحول إلى مسار جديد للموت.
السجون وقمع الحريات.. المجال العام خلف القضبان
سياسيًا، كانت حصيلة 30 يونيو أشد قسوة من الاقتصاد. آلاف المواطنين مروا بتجربة الحبس السياسي أو الاحتياطي أو المحاكمات الاستثنائية. منظمات حقوقية دولية تحدثت عن استمرار الاحتجاز التعسفي، وسوء أوضاع السجون، ومحاكمات لا تتوافر فيها ضمانات العدالة الكاملة. وذكرت منظمة العفو الدولية أن آلاف الأشخاص أحيلوا إلى دوائر إرهاب خاصة بين سبتمبر 2024 ومايو 2025، بينهم صحفيون ومحامون ومدافعون عن حقوق الإنسان.
الأزمة ليست في أعداد المعتقلين فقط، بل في الرسالة التي وصلت إلى المجتمع: السياسة خطر، الكلام خطر، التنظيم خطر، حتى المنافسة الانتخابية خطر. هكذا تحولت الدولة إلى مساحة منخفضة الصوت، يختار فيها كثيرون الصمت لا اقتناعًا بل خوفًا.
أحمد طنطاوي.. منافس لم يصل إلى السباق
قضية أحمد طنطاوي تلخص طبيعة المشهد. الرجل أعلن نيته منافسة السيسي في انتخابات الرئاسة، ثم قال إن حملته تعرضت لمضايقات واعتقالات حالت دون جمع التوكيلات اللازمة. لاحقًا صدر ضده وضد عدد من أعضاء حملته حكم بالحبس سنة، ثم أُيد الحكم، مع منعه من الترشح لسنوات. وبذلك لم تعد الانتخابات ساحة منافسة، بل اختبارًا لقدرة السلطة على إغلاق الطريق قبل الوصول إلى الصندوق.
حتى بعد الإفراج عنه في مايو 2025 بعد قضاء العقوبة، ظلت الرسالة قائمة: من يحاول منافسة السلطة بجدية يدفع الثمن. وهذا يفسر لماذا فقدت العملية السياسية معناها، ولماذا تحولت الانتخابات إلى مشهد محسوم سلفًا، بلا تداول حقيقي ولا ضمانات متكافئة.
الإعلام.. من رقابة السلطة إلى صناعة التصفيق
لم يكن الإعلام بعد 30 يونيو مجرد إعلام منحاز، بل تحول في قطاعات واسعة منه إلى جهاز تعبئة وتبرير. القنوات التي يفترض أن تسأل صارت تشرح للمواطن لماذا يجب أن يتحمل. والصحف التي يفترض أن تراقب صارت تكرر رواية السلطة. أما الأصوات المستقلة، فتعرضت للحجب أو المنع أو التضييق أو الملاحقة.
منظمة مراسلون بلا حدود تصنف مصر بين البيئات الصعبة والخطرة على الصحافة، وتقول إن مصر ما زالت من أكبر الدول سجنًا للصحفيين رغم بعض الإفراجات. كما حذرت من تمدد نفوذ الأجهزة وشبكات مرتبطة بالدولة داخل المجال الإعلامي. وهذا لا يعني فقط غياب حرية الصحفي، بل غياب حق المواطن في معرفة الحقيقة.
الخبير يزيد صايغ، الباحث في مركز كارنيغي، تناول في أكثر من دراسة توسع الدولة والجيش والجهات السيادية في الاقتصاد، وهذا التوسع لا ينفصل عن الإعلام؛ لأن السيطرة على السوق والسياسة تحتاج أيضًا إلى السيطرة على الرواية. حين تحتكر السلطة القرار والمعلومة والصورة، يصبح الإعلام أداة لإدارة الغضب لا لكشف الفشل.
المشروعات الوهمية.. من قناة السويس إلى العاصمة والمونوريل
منذ 2014 جرى تسويق وهم المشروعات الكبرى كطريق سريع للرخاء: تفريعة قناة السويس، العاصمة الإدارية، شبكة طرق وكباري، مونوريل، قطارات، مدن جديدة. لكن السؤال الذي يهم المواطن: ماذا عاد عليه مباشرة؟ هل ارتفع دخله؟ هل تحسن تعليمه؟ هل أصبح علاجه أرخص؟ هل انخفضت الأسعار؟ هل صار السكن مناسبًا لطبقات محدودة الدخل؟.
تفريعة قناة السويس مثال واضح. هيئة القناة أعلنت عند إطلاق المشروع توقعات ضخمة بزيادة الإيرادات إلى أكثر من 13 مليار دولار بحلول 2023. لكن الواقع كان أكثر تعقيدًا، إذ ظلت الإيرادات أقل من تلك الطموحات لسنوات، ثم تلقت ضربة كبيرة مع اضطرابات البحر الأحمر وتراجع المرور. هذا لا يلغي أهمية القناة، لكنه يفضح المبالغة الدعائية في ربط مشروع واحد بإنقاذ الاقتصاد.
أما العاصمة الإدارية الجديدة، فتقدر تكلفتها بعشرات المليارات من الدولارات. قد توفر مقار حكومية حديثة ومدينة جديدة للنخب والموظفين، لكنها لم تحل أزمة السكن الشعبي، ولم تقلل فقر الريف، ولم تمنع تآكل الطبقة الوسطى. الباحث روبرت سبرينغبورغ وصف مشروعات السيسي الضخمة بأنها تعتمد على “عامل الإبهار” لصناعة شرعية سياسية، لا على عائد اجتماعي مباشر بالضرورة.
وفي حالة المونوريل، ورغم أنه قد يقدم خدمة نقل لبعض المناطق، فإن كلفته وتأخره وأسعار تذاكره المتوقعة تجعله مشروعًا يخدم مسارات محددة وشرائح معينة أكثر مما يخدم أغلبية المصريين. الخبير العالمي بنت فليفبيرغ، أحد أشهر دارسي المشروعات الكبرى، يشرح قاعدة متكررة عالميًا: المشروعات العملاقة غالبًا تتجاوز التكلفة والوقت وتبالغ في تقدير العائد. وهذا ما يخشاه المصريون حين يرون القروض تُصب في الخرسانة بينما المدارس والمستشفيات تعاني.
بيع الأصول.. علاج مؤقت أم تصفية ممتلكات؟
حين تعجز الدولة عن توفير الدولار، تلجأ إلى بيع الأصول أو طرح الشركات أو منح أراضٍ ضخمة للاستثمار الخارجي. صفقة رأس الحكمة، وبرنامج الطروحات، والحديث المتكرر عن بيع حصص في شركات وبنوك وأصول عامة، كلها تكشف أن الاقتصاد وصل إلى مرحلة يحتاج فيها إلى بيع ما يملك كي يسدد ما عليه.
الحكومة تقدم الأمر بوصفه جذبًا للاستثمار وتوسيعًا لملكية القطاع الخاص. لكن الخطر أن يتحول البيع إلى سد عجز مؤقت، لا إلى إصلاح إنتاجي حقيقي. فإذا بيعت الأصول ولم تتغير طريقة الحكم الاقتصادي، سنعود بعد سنوات إلى الأزمة نفسها: دين جديد، دولار نادر، تضخم، ثم بيع جديد.
الباحث يزيد صايغ يرى أن سياسة ملكية الدولة في مصر تواجه تحديًا جوهريًا: كيف تخرج الدولة فعلًا من الاقتصاد بينما تستمر مؤسسات سيادية وعسكرية في مزاحمة القطاع الخاص؟ أما عمرو عادلي، الباحث في الاقتصاد السياسي، فقد كتب مبكرًا أن الأزمة الاقتصادية تحت الحكم العسكري تحتاج إلى انفتاح سياسي وحرية تعبير لتخفيف الاحتقان وبناء توافق حول الإصلاحات، لا إلى إغلاق المجال العام.
هذه القراءات المختلفة تلتقي عند نقطة واحدة: المشكلة ليست رقمًا منفصلًا هنا أو قرارًا منفصلًا هناك، بل نموذج حكم كامل؛ نموذج يقترض كثيرًا، ينفق مركزيًا، يغلق السياسة، يسيطر على الإعلام، يطلب من المواطن الصبر، ثم يبيع الأصول حين تضيق الدائرة.
دولة عبء على المواطن وغنيمة للسلطة
ماذا جنى المصريون من 30 يونيو؟ جنى المواطن دولارًا قفز من نحو 7 جنيهات إلى نحو 50 جنيهًا، وأنبوبة غاز ارتفعت من عدة جنيهات إلى 275 جنيهًا، ورغيفًا مدعمًا زاد من 5 إلى 20 قرشًا، وخبزًا حرًا بلغ 150 قرشًا وأكثر، ومواصلات لا تتوقف عن الزيادة، وديونًا خارجية تضاعفت عدة مرات، وطرقًا لا تزال تحصد أرواحًا، ومشروعات ضخمة لا يشعر معظم الناس بعائدها المباشر.
وجنى المصريون أيضًا سياسة مغلقة، وإعلامًا يصفق، وسجونًا تمتلئ بالأصوات المعارضة، وانتخابات بلا منافسة حقيقية، وخوفًا يتوارثه الناس مع الغلاء. لم تكن الحصيلة دولة قوية بالمواطن، بل دولة قوية عليه؛ تأخذ منه الصبر والضرائب والدعم والحريات، وتمنحه في المقابل وعودًا مؤجلة وصورًا لافتتاحات لا تطفئ نار الأسعار.
بعد ثلاثة عشر عامًا، لم يعد السؤال: هل نجح شركاء الانقلاب في طريقهم؟ بل أصبح: كم سيدفع المصريون أكثر كي يعترف الوطنيون ومن غرر بهم ومن كان يطمع في وطن أفضل أن الطريق كان خطأ؟

