افتتح الكاتب عمر عبد المنان مقاله بصورةٍ أصبحت إحدى أبرز أيقونات الحرب على غزة، إذ سار طبيب الأطفال ومدير مستشفى كمال عدوان، الدكتور حسام أبو صفية، مرتديًا معطفه الأبيض وسط أنقاض شمال القطاع باتجاه دبابة إسرائيلية في ديسمبر 2024، بعدما بقي داخل المستشفى حتى اللحظة الأخيرة لعلاج الأطفال رغم اقتراب القوات الإسرائيلية. ويشير الكاتب إلى أن تلك اللقطة كانت من آخر المشاهد التي ظهر فيها الطبيب حرًا قبل دخوله السجون الإسرائيلية.



وأوضح المقال الذي نشره موقع العربي الجديد أن أكثر من خمسمائة وأربعين يومًا مرّت على اعتقال أبو صفية دون توجيه أي اتهام رسمي أو عقد محاكمة، بينما تحتجزه إسرائيل استنادًا إلى ما يعرف بـ"قانون المقاتلين غير الشرعيين"، الذي يجيز احتجاز الأشخاص إلى أجل غير محدد دون لائحة اتهام، ويحرمهم من الضمانات التي تكفلها اتفاقيات جنيف.


طبيب خلف القضبان بلا اتهام

 


ظهر أبو صفية عبر تقنية الفيديو كونفرانس أمام المحكمة العليا الإسرائيلية في العاشر من يونيو 2026، في أول صورة حديثة له منذ أشهر. ويصف الكاتب المشهد بأنه كان صادمًا؛ إذ بدا الطبيب هزيل الجسد، مقيد اليدين، وعليه آثار واضحة لما يقول إنها ممارسات تعذيب، شملت فقدانًا حادًا للوزن، وتدهورًا صحيًا، ومصادرة نظارته الطبية، وإخضاعه للحبس الانفرادي لفترات طويلة، إلى جانب تعرضه للضرب.


وخلال حصار مستشفى كمال عدوان، فقد أبو صفية نجله إبراهيم، لكنه رفض مغادرة المستشفى واستمر في رعاية المرضى. وأكد عبر محاميه أمام المحكمة أنه طبيب أطفال كرّس حياته لعلاج المرضى والمصابين، وأن احتجازه يفتقر إلى أي مبرر قانوني.



ويرى الكاتب أن قضية أبو صفية لا تمثل حالة فردية، بل تعكس واقعًا أوسع يشمل أربعة عشر طبيبًا من قطاع غزة يقبعون في السجون الإسرائيلية دون توجيه اتهامات، إضافة إلى أكثر من ألف وثلاثمائة فلسطيني من القطاع يخضعون للقانون نفسه، ضمن آلاف المعتقلين الذين يروون شهادات متشابهة عن الضرب والتجويع والعزل والاختفاء داخل الزنازين.



شهادات يخشى الاحتلال خروجها إلى العالم

 



تزعم السلطات الإسرائيلية أن أبو صفية يحمل رتبة داخل حركة حماس، غير أنها لم تعرض، وفق الكاتب، أي دليل أو لائحة اتهام طوال ثمانية عشر شهرًا. كما رفضت المحكمة العليا الإسرائيلية الطعن الذي قدمه دفاعه استنادًا إلى معلومات استخباراتية سرية لم يطّلع عليها الطبيب أو فريقه القانوني، ولم تُنشر للرأي العام.


ويلفت الكاتب إلى أن صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية نفسها طالبت الدولة بتقديم لائحة اتهام واضحة أو إطلاق سراح الطبيب، معتبرة أن استمرار السرية يثير تساؤلات قانونية وأخلاقية.


ويرى الكاتب أن السبب الحقيقي وراء استمرار احتجاز أبو صفية لا يرتبط باتهامات جنائية، بل بكونه شاهدًا مباشرًا على ما جرى داخل مستشفى كمال عدوان، بما في ذلك حصاره، وقصف أقسامه، ووفاة أطفال بسبب نقص الأكسجين والأدوية. كما نقل عن منظمة "أطباء من أجل حقوق الإنسان - إسرائيل" قولها إن الدولة تخشى الشهادات التي يحملها الأطباء الفلسطينيون وما قد يكشفونه مستقبلًا حول ما شهدوه خلال الحرب.


ويضيف أن استهداف الكوادر الطبية لا يقتصر على قتلهم، بل يمتد إلى اعتقالهم وإسكاتهم، لأن غيابهم يعني اختفاء شهود أساسيين على الانتهاكات. ويشير إلى مقتل ما يقارب ألفي عامل في القطاع الصحي بقطاع غزة، معتبرًا أن كل ضحية تمثل شهادة مفقودة.


إسكات الأصوات داخل غزة وخارجها

 



يستند الكاتب إلى تجربته الشخصية، موضحًا أنه زار قطاع غزة مرات عديدة خلال أكثر من عقد للمشاركة في بعثات طبية وتعليمية، وعمل مع أطباء من بينهم حسام أبو صفية، كما ظل على تواصل يومي مع زملائه داخل القطاع خلال العامين الماضيين، لذلك يكتب، بحسب وصفه، انطلاقًا من معرفة مباشرة بالأشخاص والوقائع.


ويؤكد أن محاولات إسكات العاملين في القطاع الصحي لا تتوقف عند حدود غزة، مستشهدًا بتعرض أطباء وممرضين في بريطانيا لتحقيقات وشكاوى بسبب مشاركتهم في فعاليات داعمة للعاملين الصحيين في غزة أو مطالبتهم بوقف إطلاق النار. كما أشار إلى قضية الجراح الفلسطيني البريطاني غسان أبو ستة، الذي برأته لجنة مستقلة من اتهامات مهنية، قبل أن تعلن الهيئة المنظمة للمهنة اعتزامها الطعن في القرار أمام المحكمة العليا.


ويخلص الكاتب إلى أن اختلاف الوسائل بين القصف والسجون في غزة، والإجراءات القانونية والتحقيقات في بريطانيا، لا يغيّر الهدف المشترك، وهو ترهيب العاملين في القطاع الصحي ومنعهم من الإدلاء بشهاداتهم حول ما شاهدوه.


ويختتم مقاله بالدعوة إلى مواصلة التضامن مع الدكتور حسام أبو صفية، ومطالبة الحكومات والمؤسسات الطبية الدولية بالضغط من أجل إطلاق سراحه، ودعم المنظمات الحقوقية التي تتولى الدفاع عن الأطباء الفلسطينيين، مؤكدًا أن المهنة الطبية تفقد رسالتها إذا عجزت عن الدفاع عن أطبائها عندما يتعرضون للاعتقال بسبب أداء واجبهم الإنساني. ويشدد على أن بقاء اسم حسام أبو صفية حاضرًا في المجال العام يمثل خطوة أساسية لمنع طمس قضيته وإبقائها محل اهتمام دولي.

 

https://www.newarab.com/opinion/state-israel-vs-dr-hussam-abu-safiya-silencing-witness