لم يضع نظام قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي يده على الجرح السياسي والاجتماعي والثقافي والحقوقي في مصر، بل غطاه بطبقات من الخوف والدعاية، ثم طلب من الناس الصمت مقابل الأمان. وبدل أن يعالج أسباب الانسداد، حوّل كل فكرة إصلاحية إلى تهديد، وكل صوت حر إلى مؤامرة، وكل نقد إلى “نظرة خبيثة” تستهدف الوطن.

 

في هذه المعادلة، لا يكون الاستبداد مجرد قمع مباشر، بل يصبح طريقة لإدارة المجتمع: لا تسأل عن الفساد حتى لا تهدد الاستقرار، لا تنتقد الفشل حتى لا تخدم الأعداء، لا تقترح علاجًا للمرض حتى لا تُتهم بالطعن في الدولة. وهكذا تتحول “الحماية” إلى سجن كبير، وتتحول الوطنية إلى صمت، ويتحول الإبداع إلى ملف أمني.

 

قتل التشخيص قبل علاج الجرح

 

منذ 2014، بنى السيسي خطابًا يقوم على التخويف الدائم من الفوضى والمؤامرات وأهل الشر، لكنه لم يقدم علاجًا حقيقيًا للجروح التي فجّرت غضب المصريين قبل سنوات: الفقر، الفساد، غياب العدالة، انهيار السياسة، وانسداد المجال العام. الباحثة ميشيل دن، من كارنيغي، حذرت مبكرًا من أن السيسي مرشح للاستمرار في القمع وانتهاكات الحقوق مع سياسات اقتصادية ثقيلة عسكريًا قد تقود إلى ركود وفساد.

 

في 2015، ظهرت واقعة المستشار هشام جنينة، رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات السابق، حين تحدث عن تقديرات ضخمة لتكلفة الفساد، قبل أن تتم إقالته في 2016، ثم اعتقاله في 13 فبراير 2018، والحكم عليه عسكريًا بعد حديثه عن وثائق تخص فسادًا داخل مستويات عليا. القضية لم تكن رقمًا محل خلاف فقط، بل رسالة بأن من يحاول تشخيص المرض قد يصبح هو المتهم.

 

ويرى يزيد صايغ، الباحث في كارنيغي، أن “الجمهورية الجديدة” في عهد السيسي تقوم على تعزيز الرئاسة داخل وصاية عسكرية ونمط من رأسمالية الدولة، وهي تركيبة قوية في القمة لكنها عاجزة عن حل التحديات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. بهذا المعنى، لا تُعالج الدولة المرض، بل تعيد تنظيم السلطة فوقه.

 

وفي سبتمبر 2019، خرجت احتجاجات نادرة بعد مقاطع محمد علي التي اتهمت السلطة بإهدار المال العام في قصور ومشروعات رئاسية، فردت الدولة بحملة اعتقالات واسعة بدل فتح تحقيق علني مستقل. هنا ظهرت فلسفة النظام بوضوح: لا علاج للفساد، بل إسكات لمن يشير إليه، ولا مساءلة، بل تخوين لمن يرفع الغطاء.

 

الأفكار الحرة في قفص المؤامرة

 

في 31 يوليو 2018، قضت محكمة عسكرية بسجن الشاعر جلال البحيري 3 سنوات وغرامة 10 آلاف جنيه بسبب قصائد وكلمات أغنية “بلحة” التي غناها رامي عصام، في واحدة من أوضح وقائع تحويل الإبداع الفني إلى خطر أمني. لم تكن الأغنية دبابة ولا خلية سرية، لكنها كانت فكرة ساخرة، وهذا ما يخشاه الاستبداد.

 

ويؤكد مركز القلم الأمريكي أن مصر ذهبت إلى “أطوال قصوى” في سحق المعارضة، عبر سجن كتاب وفنانين وصحفيين ضمن حملة أوسع على التعبير، مشيرًا إلى أسماء مثل جلال البحيري، شوكان، أحمد ناجي، وإبراهيم الحسيني. هذه ليست حوادث منفصلة، بل هندسة خوف تجعل الكاتب يفكر ألف مرة قبل أن يكتب.

 

وفي مارس 2019، واجه الروائي علاء الأسواني بلاغًا أمام القضاء العسكري بتهم تتعلق بإهانة الرئيس والجيش والقضاء بسبب كتاباته النقدية، بعدما صار ينشر من الخارج ويغيب عن الإعلام المحلي. الرسالة هنا أن الفكرة المستقلة لا تُناقش، بل تُطارد، لأن النظام لا يريد مثقفين يشرحون الأزمة، بل أبواقًا تردد رواية واحدة.

 

ويرى ناثان براون، في تحليله لعودة السلطوية المصرية، أن الدولة ضيقت على المجتمع المدني والصحافة واستبقت المجال العام بقوانين تتيح إغلاق المنظمات وتجميد أصولها ومنع التمويل والعلاقات الخارجية. وهذا يعني أن الخوف لم يعد طارئًا، بل أصبح بنية قانونية تطارد أي مساحة مستقلة يمكن أن تنتج علاجًا أو رقابة أو خيالًا سياسيًا.

 

في 24 نوفمبر 2019، داهمت قوات الأمن مقر موقع “مدى مصر”، أحد آخر المنابر الصحفية المستقلة في البلاد، واحتجزت صحفيين قبل الإفراج عنهم لاحقًا. الواقعة لخّصت خوف السلطة من الصحافة التي لا تردد بياناتها؛ فالمشكلة لم تكن خبرًا واحدًا، بل احتمال وجود عين مستقلة ترى ما تريد الدولة إخفاءه.

 

الأمان المزعوم كسلاح ضد المجتمع

 

في 18 مارس 2020، اعتقلت السلطات الكاتبة أهداف سويف وليلى سويف ومنى سيف ورباب المهدي خلال وقفة تطالب بحماية السجناء من تفشي كورونا داخل أماكن الاحتجاز. حتى المطالبة الإنسانية البسيطة تحولت إلى مخالفة أمنية، لأن النظام يرى في الرحمة المنظمة خطرًا، وفي التضامن المستقل تهديدًا لاحتكار الدولة للكلام.

 

أما علاء عبد الفتاح، أحد أبرز رموز ثورة يناير، فقد قضى سنوات طويلة بين السجون والقضايا، وحكم عليه في 2021 بالسجن 5 سنوات بسبب مشاركة منشور عن وفاة سجين، قبل أن يصدر عفو رئاسي عنه في 2025 بعد ضغوط دولية واسعة. قضيته تكشف كيف يتحول الناشط الذي يطرح سؤال الحرية إلى رمز تخاف منه دولة كاملة.

 

ويرى تيموثي كالداس أن نظام السيسي كثيرًا ما يحمّل الأزمات لعوامل خارجية بينما يتجاهل اختياراته الداخلية في الاقتصاد والحكم والإنفاق، وهي قراءة تفضح خطاب “النظرات الخبيثة” الذي يتهرب من المسؤولية. فحين تفشل السياسات، لا يراجع النظام نفسه، بل يبحث عن عدو يعلّق عليه الخلل.

 

وفي 25 أغسطس 2020، حكمت دائرة إرهاب على الحقوقي بهي الدين حسن غيابيًا بالسجن 15 عامًا بسبب تغريدات وانتقادات للسلطة القضائية، وفق منظمات حقوقية. هذه الواقعة تؤكد أن المجال الحقوقي نفسه، وهو الأقدر على علاج الانتهاكات، أصبح هدفًا مباشرًا لمنظومة ترى الحقوق خيانة، والمساءلة تطاولًا، والكلام خطرًا.

 

ويرى عمرو عدلي أن الاقتصاد المصري يعاني تشوهًا في علاقات الدولة والسوق والامتيازات، وأن غياب نموذج تنموي حقيقي يمنع قيام رأسمالية منتجة وعادلة. وهذه الفكرة تفسر لماذا تخشى السلطة الإبداع: لأن الإبداع لا يطلب فقط حرية فنية، بل يكشف أيضًا زيف اقتصاد الامتيازات والمقاولات والاحتكار.

 

في المحصلة، لا يحارب النظام “النظرات الخبيثة” كما يقول خطابه، بل يحارب النظرة الواعية التي ترى الجرح وتبحث عن علاج. يحارب الصحفي لأنه يسأل، والحقوقي لأنه يوثق، والشاعر لأنه يفضح، والباحث لأنه يفسر، والناشط لأنه يربط بين الألم والسياسة. أما الأبواق فتقوم بدور التخدير: كل نقد مؤامرة، كل حرية فوضى، كل فكرة مستقلة طعنة في الوطن.

 

وهكذا تتحول استراتيجية “الصمت مقابل الأمان” إلى مشروع لتدمير مصر من داخلها؛ لأنها تمنع التشخيص، وتطارد العلاج، وتقتل الخيال العام، وتستبدل السياسة بالخوف. والدولة التي تخاف من قصيدة ومقال ومنشور ووقفة إنسانية لا تحمي المجتمع من “النظرات الخبيثة”، بل تكشف أنها لا تحتمل نظرة صادقة في المرآة.