أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، اليوم السبت، استقبال مستشفيات القطاع شهيدين و8 إصابات خلال 24 ساعة، جراء العدوان الإسرائيلي المتواصل، لترتفع حصيلة ما بعد وقف إطلاق النار إلى 1,007 شهداء و3,165 مصابا.

 

وفي المقابل، تكشف الأرقام أن الاتفاق لم يحم المدنيين، بل منح الاحتلال هامشا جديدا لإدارة القتل بوتيرة أقل ضجيجا، بينما يواصل العالم التعامل مع دماء الفلسطينيين كخبر عابر لا كجريمة مستمرة.

 

ضحايا وقف النار المزعوم

 

بداية، لا يمكن قراءة وصول شهداء جدد إلى المستشفيات كحادث منفصل، فالمشهد كله يؤكد أن وقف إطلاق النار تحول إلى غطاء سياسي، يسمح باستمرار الاستهداف مع تخفيف الحرج الدبلوماسي عن الداعمين.

 

وبالتالي، يصبح رقم 1,007 شهيد منذ 11 أكتوبر دليلا على أن الاتفاق لم يوقف النار فعليا، بل أعاد ترتيبها داخل مساحة رمادية بين الحرب المفتوحة والقتل اليومي الذي لا يحظى بالصدمة نفسها.

 

كما أن وصول 3,165 إصابة منذ وقف إطلاق النار يعني أن المستشفيات لا تتعامل مع مرحلة تعاف، بل مع نزيف طويل، تتراكم فيه الجراح فوق عجز صحي صنعته آلة الحرب والحصار.

 

إضافة إلى ذلك، تشير حالات الانتشال البالغة 784 إلى أن الموت في غزة لا ينتهي عند لحظة القصف، فهناك أجساد تبقى تحت الركام، وأسر معلقة بين الفقد والانتظار والعجز عن الدفن.

 

لذلك، تبدو الحصيلة التراكمية البالغة 73,018 شهيدا و173,273 مصابا شهادة دامغة على أن العدوان لم يكن موجة عسكرية عابرة، بل عملية سحق ممتدة لمجتمع كامل تحت أنظار النظام الدولي.

 

ومن ثم، لا يحمل البيان الصحي مجرد أرقام، بل يفضح بنية كاملة من الإفلات من العقاب، حيث تستمر إسرائيل في القتل، بينما يتحول دور الوسطاء إلى إدارة الكارثة لا منعها.

 

غير أن الأخطر هو استمرار وجود ضحايا في الطرقات وتحت الأنقاض، لأن عجز الإسعاف والدفاع المدني عن الوصول إليهم يعني أن الاحتلال لا يقتل الناس فقط، بل يمنع إنقاذهم أيضا.

 

الركام شاهد على الجريمة

 

علاوة على ذلك، تدمير نحو 90% من البنى التحتية المدنية يجعل الحديث عن هدنة بلا إعادة إعمار مجرد خدعة سياسية، فالناس لا يعيشون بين الجدران المهدمة، بل داخل آثار جريمة يومية.

 

في هذا السياق، قدرت الأمم المتحدة تكلفة إعادة إعمار غزة بنحو 70 مليار دولار، وهو رقم لا يعبر عن الحجارة وحدها، بل عن مستشفيات ومدارس ومنازل وشبكات حياة جرى تفكيكها بالقوة.

 

بناء على ذلك، يصبح كل شهيد جديد بعد وقف النار إدانة مزدوجة، مرة للاحتلال الذي يواصل القصف، ومرة للوسطاء الذين قبلوا اتفاقا بلا آلية حماية حقيقية ولا مساءلة فورية.

 

كذلك، يرى أخيم شتاينر، مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أن وقف إطلاق النار لا يصبح بداية جدية إلا إذا فتح طريقا للتعافي وإعادة الحياة، وهو ما تجهضه الوقائع اليومية في غزة.

 

ثم إن إعادة الإعمار لا يمكن فصلها عن المساءلة، لأن ضخ المال فوق الركام من دون محاسبة الجاني يحول الجريمة إلى مشروع مقاولات، ويمنح الاحتلال فرصة للقتل ثم ترك الآخرين يدفعون الفاتورة.

 

ومع ذلك، يتواصل الخطاب الدولي البارد عن المساعدات والاحتياجات، بينما تغيب الكلمات الأهم: عقاب، تعويض، حماية، ورفع حصار، وكأن غزة كارثة طبيعية لا جريمة سياسية مكتملة الأركان.

 

ومن زاوية أخرى، قالت المقررة الأممية فرانشيسكا ألبانيز إن القانون الدولي يفقد معناه حين تستخدمه الدول انتقائيا، وهو توصيف يفسر كيف تحولت غزة إلى اختبار فاضح لمنظومة العدالة العالمية.

 

على هذا الأساس، لا تقف مأساة غزة عند حدود الدمار العمراني، بل تمتد إلى تدمير الذاكرة والمكان والقدرة على العودة، حيث يصبح البيت المقصوف جزءا من سياسة اقتلاع لا من آثار حرب.

 

المستشفيات تحت الحصار

 

في الوقت ذاته، تعمل مستشفيات غزة تحت ضغط يفوق طاقتها، مع نقص الأدوية والمستلزمات الطبية والوقود، بينما تستقبل يوميا شهداء وجرحى ومرضى مزمنين، في مشهد يختصر انهيار المنظومة الصحية.

 

وفوق ذلك، حذر مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية من نفاد مئات الأصناف الدوائية والمستهلكات الطبية، بما يهدد مرضى السرطان والكلى والجرحى، ويجعل العلاج نفسه معركة داخل معركة البقاء.

 

إلى جانب ذلك، يؤكد الطبيب ريك بيبركورن، ممثل منظمة الصحة العالمية في الأراضي الفلسطينية، أن المستشفيات تعمل وسط نقص حاد في الوقود والإمدادات، ما يهدد خدمات الطوارئ والجراحة والعناية الحرجة.

 

ولهذا، لا تبدو الأزمة الصحية نتيجة جانبية للحرب، بل جزءا من هندسة الضغط على المجتمع، حيث يتحول نقص الوقود إلى حكم بالموت، ويتحول نقص الدواء إلى امتداد صامت للقصف.

 

بالمثل، تؤدي الكثافة السكانية والنزوح المتكرر إلى تضاعف الأمراض والإصابات، بينما يجد الأطباء أنفسهم أمام قرارات قاسية بين مريض يحتاج جهاز تنفس، وجريح يحتاج عملية، وطفل يحتاج دواء غير متوفر.

 

ثم إن استمرار منع وصول الإسعاف إلى بعض الضحايا يضرب أبسط قواعد الإنسانية، لأن الحق في الحياة لا يكتمل من دون حق الإنقاذ، والحق في الدفن لا يقل قداسة عن الحق في العلاج.

 

من هنا، يصبح الحديث عن أوضاع إنسانية صعبة أقل من الحقيقة، فغزة لا تواجه صعوبة مؤقتة، بل نظاما متكاملا من التجويع الطبي والعمراني، يحاصر الإنسان حيا وميتا ومصابا ومفقودا.

 

وفي المحصلة، تكشف حصيلة اليوم السبت أن وقف النار لم ينه العدوان الإسرائيلي، بل غير سرعتها ولغتها، بينما بقي الفلسطينيون وحدهم أمام آلة قتل تعرف كيف تستخدم القصف والركام والحصار معا.

 

أخيرا، لا يحتاج العالم إلى أرقام جديدة كي يعرف الحقيقة، لكنه يحتاج إرادة سياسية تسمي الجريمة باسمها، لأن كل رقم في غزة هو إنسان، وكل صمت دولي شراكة مؤجلة في الدم.