كشف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، عبر تروث سوشال، موقف واشنطن من أموال إيران المجمدة، نافياً  دفع 300 مليار دولار ، ومؤكداً أن طهران لن تحصل على سنت، بعد حرب قالت إدارته إنها أنهكت قدراتها العسكرية.

 

وفي المقابل، يفتح هذا الخطاب باباً أوسع من الاستعراض الانتخابي، لأن ترامب يحاول تحويل مأساة الحرب والدمار إلى مشهد انتصار شخصي، بينما تبقى الشعوب في المنطقة وقوداً لمعادلات النفط والعقوبات والمساومات.

 

كما أن التصريحات جاءت بعد مذكرة تفاهم أميركية إيرانية أنهت الحرب مؤقتاً، وفتحت نافذة تفاوض لمدة 60 يوماً، بما يجعل كلام ترامب عن سحق إيران غطاءً سياسياً لاتفاق لا يريد شرح ثمنه للداخل الأميركي.

 

ترامب بين خطاب الانتصار وواقع الصفقة

 

وبالتالي، لا يبدو ترامب معنياً بتقديم رواية دقيقة بقدر ما يسعى لصناعة صورة قائد فرض الاستسلام، فالرئيس الذي يفاخر بإضعاف إيران يعود عملياً إلى طاولة التفاهم التي ظل يهاجمها حين ارتبطت بخصومه.

 

لذلك، يصبح نفيه دفع 300 مليار دولار جزءاً من معركة دعائية أكثر منه كشفاً كاملاً، لأن السؤال الحقيقي لا يتعلق بدفع مباشر من الخزانة الأميركية، بل بمسارات الإفراج المشروط عن أموال إيرانية محتجزة.

 

ومن ثم، يتعمد ترامب استخدام لغة الإهانة ضد إيران والديمقراطيين معاً، ليخفي هشاشة المعادلة: حرب مكلفة لم تُسقط النظام الإيراني، واتفاق لا يضمن نهاية البرنامج النووي، وتهدئة تحتاج تنازلات سياسية واقتصادية.

 

غير أن المقابلة التي أجراها مع أكسيوس كشفت جوهر تفكيره، إذ وصف مذكرة التفاهم بأنها ربما تشبه الاستسلام غير المشروط، بينما تفيد تفاصيل منشورة بأن الاتفاق يفتح مفاوضات نووية جديدة ويعيد ترتيب ملف هرمز.

 

علاوة على ذلك، تظهر قراءته للأسواق والنفط باعتبارها معيار النصر، وكأن انخفاض الأسعار أهم من حساب الضحايا، ونجاة الملاحة أهم من حياة المدنيين، واستقرار البورصات أهم من حقوق الشعوب تحت القصف والعقوبات.

 

بناءً على ذلك، تبدو رواية الحسم العسكري ناقصة، لأن أي حرب تنتهي بتفاهم مؤقت لا تعني انتصاراً صافياً، بل تعني أن الطرفين وصلا إلى كلفة أعلى من القدرة على مواصلة التصعيد المفتوح.

 

في هذا السياق، قال تريتا بارسي، نائب رئيس معهد كوينسي، إن إسرائيل غير المشاركة في الاتفاق ستحاول إفساده، وإن بقاءه يحتاج ضغطاً مستمراً من ترامب، ما يكشف هشاشة الصفقة وتناقضات معسكرها.

 

أموال إيران المجمدة بين النفي والمساومة

 

على صعيد الأموال المجمدة، تمتلك إيران أكثر من 100 مليار دولار من الأصول المقيدة خارج حدودها، لكنها لا تستطيع الوصول إليها بحرية بسبب العقوبات الأميركية وشبكات الامتثال المصرفي التي تجعل واشنطن تتحكم في المال البعيد.

 

في المقابل، لا تقع معظم هذه الأموال داخل الولايات المتحدة، بل تتوزع بين الصين والعراق وقطر والهند ودول أخرى، وهو ما يجعل الملف أعقد من دعاية ترامب عن عدم دفع سنت واحد من الخزانة الأميركية.

 

وبحسب التقديرات المتداولة، تضم الصين الكتلة الأكبر من الأموال الإيرانية الناتجة عن صادرات النفط، بينما يحتفظ العراق بمبالغ مرتبطة بالغاز والكهرباء، وتوجد في قطر أموال نقلت سابقاً من كوريا الجنوبية ضمن ترتيبات إنسانية.

 

إلى جانب ذلك، يرى الباحث إسفنديار باتمانغليدج، مدير مؤسسة بورصة وبازار، أن رقم $120 billion يرجع أساساً إلى تقديرات صندوق النقد الدولي للاحتياطيات الدولية الإيرانية عام 2018، لا إلى مبلغ نقدي جاهز للإفراج الفوري.

 

ومع ذلك، يستغل ترامب الفارق بين الدفع الأميركي المباشر والإفراج عن أموال إيرانية مقيدة، فينفي الأول بصوت عال، ويترك الثاني غامضاً داخل صيغ ائتمان وإعفاءات وعقوبات معلقة يمكن تسويقها لكل جمهور بطريقة مختلفة.

 

لهذا، يصبح حديث “لن يحصلوا على عشرة سنتات” أقرب إلى مسرح سياسي، لأن الاتفاقات الحديثة لا تحتاج دائماً إلى شيكات علنية، بل تكفيها تصاريح مصرفية، واستثناءات نفطية، وخطوط ائتمان، وواجهات إنسانية مراقبة.

 

غير أن علي واعظ، من مجموعة الأزمات الدولية، لخص المسألة بأنها فرق بين الصورة والواقع، موضحاً أن الإفراج قد يأتي عبر خط ائتمان من قطر بضمان أموال مجمدة، ليبدو كل طرف منتصراً أمام جمهوره.

 

وبذلك، يتحول المال الإيراني المجمد إلى أداة ابتزاز مزدوجة، تستخدمها واشنطن لفرض سلوك سياسي، وتستخدمها طهران لإظهار الصمود، بينما يدفع المواطن الإيراني كلفة التضخم والعزلة وانهيار القدرة الشرائية.

 

الحرب الإقليمية وثمن الشعوب

 

في الوقت نفسه، تزامنت تصريحات ترامب مع غارات إسرائيلية عنيفة على جنوب لبنان، رغم الحديث عن وقف إطلاق نار، ما يكشف أن الصفقة الأميركية الإيرانية لا توقف آلية الحرب، بل تعيد توزيعها على ساحات أضعف.

 

ثم إن ربط هرمز ولبنان والنووي والأموال في سلة واحدة يعني أن المنطقة كلها تُدار كرهينة تفاوضية، حيث تتحول الحدود والبحار والطاقة إلى أوراق ضغط، بينما يغيب المدنيون عن حسابات العواصم الكبرى.

 

وفوق ذلك، يعكس خطاب ترامب احتقاراً واضحاً لفكرة المساءلة، فهو لا يشرح كلفة الحرب ولا نتائجها الإنسانية، بل يهاجم منتقديه بوصفهم أغبياء وغيورين، في لغة سلطة ترى الإعلام والمعارضة خصوماً لا شهوداً.

 

ومن زاوية أخرى، لا يمنح موقف الديمقراطيين أو أوباما براءة سياسية كاملة، فملف إيران ظل لعقود ساحة مساومات أميركية داخلية، لكن ترامب يدفعه إلى مستوى أكثر خشونة، يجمع بين القصف والعقوبة والاستعراض الشخصي.

 

كذلك، تقول تقديرات صحفية حديثة إن الاتفاق المرحلي يتضمن حوافز اقتصادية محتملة لإيران إذا وصلت المفاوضات إلى اتفاق نهائي، وهو ما يناقض صورة “النصر بلا ثمن” التي يبيعها ترامب لأنصاره.

 

أما باراك أوباما، فقد اعتبر أن الولايات المتحدة خرجت أسوأ حالاً بعد الحرب، مرحباً بوقف القتال مع التحذير من التسرع، وهي شهادة تكشف انقسام المؤسسة الأميركية حول جدوى الحرب ونتائجها الطويلة.

 

نتيجة لذلك، تبدو مذكرة التفاهم محطة اضطرارية لا فتحاً تاريخياً، فالخوف من إغلاق هرمز وارتفاع النفط والكساد العالمي دفع واشنطن إلى تهدئة مشروطة، لا إلى انتصار نهائي كما يردد ترامب.

 

في المحصلة، لا تكشف تصريحات ترامب قوة أميركية مطلقة، بل تكشف سلطة تحاول تغليف التراجع بغلاف الإهانة، وتقديم التسوية كاستسلام، وتحويل أموال شعب تحت العقوبات إلى مادة انتخابية في سوق الدعاية.

أخيراً، يبقى الخطر الأكبر أن تقرأ المنطقة هذا المشهد كقدر دائم، بينما الحقيقة أن الحروب التي تبدأ باسم الأمن تنتهي غالباً بصفقات مالية، وأن الشعوب هي الطرف الوحيد الذي لا يجلس إلى الطاولة.