أعلنت الجريدة الرسمية في مصر تصديق قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي على القانون رقم 222 لسنة 2026 بتخصيص 26690.45 فدانا من أراضي الدولة في محافظة البحر الأحمر لصالح وزارة المالية لاستخدامها في إصدار الصكوك السيادية، تصب في النهاية لصالح سيطرة واستيلاء شركات إماراتية على هذه الأراضي.

 

ويربط القرار الجديد بين أراض ساحلية استراتيجية وأزمة تمويل متفاقمة تضغط على الموازنة المصرية، بينما يوسع النظام استخدام أصول الدولة كغطاء للاقتراض بدلا من وقف مسار الديون الذي ابتلع الإيرادات العامة.

 

 

أصول البحر الأحمر تتحول إلى غطاء جديد للاقتراض

 

ويأتي القرار بعد أشهر من خطوة مشابهة خصص فيها السيسي مساحة 174.4 كيلومترا مربعا في منطقة رأس شقير الاستراتيجية على الضفة الغربية لخليج السويس لصالح وزارة المالية، لاستخدامها في إصدار الصكوك السيادية.

 

وبذلك ينتقل ملف أراضي البحر الأحمر من الاستثمار المباشر وصفقات البيع طويلة الأجل إلى وظيفة تمويلية أخطر، حيث تصبح الأصول الساحلية سندا لالتزامات مالية جديدة يراكمها النظام تحت عنوان تنويع أدوات الدين.

 

وتقوم الصكوك السيادية على جمع أموال من المستثمرين عبر أوراق مالية حكومية تطرح محليا ودوليا، وتعتمد غالبا على حق الانتفاع بالأصول وليس نقل الملكية المطلقة، بحسب الصيغة التي تروج لها وزارة المالية.

 

غير أن تحويل أراض استراتيجية إلى ضمانات يفتح بابا واسعا للقلق، لأن المشكلة لا تتعلق ببيع فوري للأرض فقط، بل بربطها قانونيا وماليا بدين واجب السداد ضمن شروط إصدار لا يعرف الرأي العام تفاصيلها.

 

وفي هذا السياق قال أستاذ الاقتصاد بجامعة أوكلاند الأمريكية مصطفى شاهين إن هذا التوجه يشير إلى وضع صعب جدا، وشبهه بما جرى في عهد الخديوي سعيد والخديوي إسماعيل حين قدمت الأصول ضمانا للديون الأجنبية.

 

وتكتسب مقارنة شاهين أهمية تحريرية لأنها تربط بين قرار إداري يبدو فنيا ومسار تاريخي شديد الحساسية في الوعي المصري، حيث ارتبطت أزمة الديون في القرن الـ19 بتدخل أجنبي انتهى إلى الاحتلال البريطاني.

 

كما تتزامن الخطوة مع سلسلة قرارات وقوانين توسع تصرف الدولة في أملاكها الخاصة، بينها القانون رقم 168 لسنة 2025 بشأن قواعد التصرف بأملاك الدولة، وما تضمنه من تنظيم للبيع والإيجار والانتفاع.

 

وبعد ذلك شكلت الحكومة في سبتمبر 2025 لجنة لحصر ومراجعة الأراضي المطلة على ساحل البحر الأحمر بطول يقارب 1941 كيلومترا، تمهيدا لوضع ضوابط استثمارية جديدة لتعظيم العائد من هذه الأصول.

 

 

ديون تلتهم الإيرادات وتدفع الحكومة إلى رهن المستقبل

 

وتكشف موازنة العام المالي 2026 و2027 أن القرار لا يأتي في فراغ، إذ تصل خدمة الدين بين فوائد وأقساط إلى مستويات تتجاوز قدرة الإيرادات العامة على الوفاء بالإنفاق والخدمات الأساسية.

 

وبحسب بيانات الموازنة المتداولة، تبلغ فوائد الدين نحو 2.42 تريليون جنيه، فيما تصل خدمة الدين الإجمالية إلى أكثر من 5 تريليونات جنيه، بما يجعل الدين أكبر بند فعلي في استخدام موارد الدولة.

 

وتتوقع وزارة المالية أن يبلغ إجمالي الدين العام المحلي والخارجي نحو 21.93 تريليون جنيه، بينما يستمر العجز المالي عند مستويات مرتفعة تفرض على الحكومة البحث عن اقتراض جديد لتمويل الفجوة القائمة.

 

كذلك تظهر بيانات البنك المركزي أن الدين الخارجي المصري بلغ 163.911 مليار دولار بنهاية الربع الثاني من العام المالي 2025 و2026، وهو رقم يكشف استمرار الاعتماد على الخارج رغم صفقات الأصول المتلاحقة.

 

ومن هنا تتحول الصكوك السيادية من أداة مالية يفترض أن تنوع التمويل إلى حلقة جديدة في دوامة الاقتراض، خصوصا عندما تستخدم أراضي نادرة القيمة في البحر الأحمر لطمأنة المستثمرين بدلا من إصلاح أسباب العجز.

 

وفي فبراير 2023 طرحت مصر أول إصدار من الصكوك السيادية الإسلامية في تاريخها بقيمة 1.5 مليار دولار، ضمن برنامج يستهدف إصدارات تصل إلى 5 مليارات دولار، وبفائدة مرتفعة قياسا بأزمة التصنيف والمخاطر.

 

ثم وسعت وزارة المالية المسار في نوفمبر 2025 عبر أول إصدار محلي للصكوك بقيمة 3 مليارات جنيه، قبل أن تتبعه بإصدارات جديدة رفعت الحصيلة المحلية خلال شهرين إلى نحو 20 مليار جنيه.

 

ويرى الخبير الاقتصادي أحمد ذكرالله أن تخصيص الأرض لوزارة المالية لا يعني تلقائيا نقل ملكيتها إلى المستثمرين، لكنه يمنح الصك قوة ائتمانية ويجعل تفاصيل نشرة الإصدار والحقوق الممنوحة لحملة الصكوك هي العامل الحاسم.

 

لكن ذكرالله ينبه في الوقت نفسه إلى أن التعثر لا يعني بالضرورة انتقال الأرض مباشرة إلى المستثمرين، بل قد يخلق نزاعات قانونية وتحكيما دوليا ومطالبات مالية تقيد قدرة الدولة على التصرف في الأصل مستقبلا.

 

وتكمن أهمية رأي ذكرالله في أنه يفكك الرواية الحكومية التي تختزل المسألة في عبارة لا بيع للأرض، لأن الخطر الأدنى يتمثل في القيود القانونية والمالية التي قد تلاحق الأصل حتى دون نقل ملكيته.

 

 

مسار بيع وتخصيص يضع السيادة تحت ضغط الدائنين

 

ولا ينفصل قرار البحر الأحمر عن مسار أوسع بدأ يتسارع منذ 2014، حيث استخدمت الإدارة المصرية الأراضي والمواقع الاستراتيجية لجذب الدولار ومعالجة أزمات النقد الأجنبي وسداد الالتزامات المتراكمة.

 

وكانت اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع السعودية في أبريل 2016، التي انتهت بالتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، إحدى أكثر المحطات إثارة للغضب الشعبي والسياسي بسبب موقع الجزيرتين عند مدخل خليج العقبة.

 

وبعد 8 سنوات، فجرت صفقة رأس الحكمة مع الإمارات في فبراير 2024 مخاوف جديدة، بعدما خصصت الدولة مساحة 170.8 مليون متر مربع على البحر المتوسط لشركة أبوظبي القابضة مقابل 35 مليار دولار.

 

ثم ظهرت تفاهمات تخص منطقة رأس جميلة المطلة على البحر الأحمر بمساحة 840 ألف متر مربع لمجموعة عجلان وإخوانه السعودية، قبل أن تتوسع الصفقات لاحقا في الساحل الشمالي والبحر الأحمر.

 

وفي منتصف 2025 جرى تخصيص منطقة علم الروم شرق مرسى مطروح بمساحة 4900 فدان لشركة الديار القطرية، باستثمارات معلنة بلغت 29.7 مليار دولار ضمن سباق بيع المواقع الساحلية المميزة.

 

كما جرى في يونيو 2025 تخصيص أراضي مشروع مراسي ريد جنوب الغردقة على مساحة 10 ملايين متر مربع، بالشراكة بين إعمار الإماراتية وتحالف سيتي ستارز السعودي باستثمارات تتخطى 18 مليار دولار.

 

وعلى خلفية هذا المسار، حذر الخبير الاقتصادي عبد الخالق فاروق في تصريحات سابقة من أن تورط مصر في ديون تفوق قدرتها على السداد يعيد إنتاج لحظة الخديوي إسماعيل ورهن أصول الدولة للدائنين الأجانب.

 

وتخدم شهادة فاروق هذا المحور لأنها تضع قرارات التخصيص داخل بنية إدارة اقتصادية قائمة على بيع الوقت، حيث يستخدم النظام الأصول النادرة لتأجيل الانفجار المالي دون تغيير نموذج الإنفاق والاقتراض.

 

وبينما تؤكد الحكومة أن الصكوك لا تعني البيع، تتجاهل أن تكرار استخدام الأصول الاستراتيجية كغطاء تمويلي يضعف قدرة الدولة على استغلالها مستقبلا في مشروعات تنمية مستقلة أو شراكات أفضل عائدا.

 

وتزداد الخطورة عندما تصبح الأسواق معتادة على إقراض مصر بضمانات عينية، لأن ذلك يرفع كلفة الإصدارات غير المضمونة ويجبر الحكومة لاحقا على تقديم مزيد من الأصول للحصول على تمويل جديد.

 

كذلك يثير تقييم هذه الأراضي أسئلة جوهرية، فالأصل الساحلي قد يحقق عوائد مستقبلية ضخمة إذا جرى تطويره بشفافية، بينما قد تحصل الحكومة مقابله على تمويل محدود يسدد فوائد قديمة ويفتح باب ديون جديدة.

 

وفي النهاية لا يواجه المصريون مجرد قرار تخصيص أرض، بل يواجهون سياسة مالية تضع البحر الأحمر والساحل الشمالي وأصول الدولة تحت ضغط الدائنين، بينما يدفع المواطن ثمن العجز عبر ضرائب وأسعار وخدمات متراجعة.

 

ويؤكد هذا المسار أن أزمة السيسي ليست في نقص أدوات التمويل، بل في نظام يستخدم الأرض كدفتر شيكات مفتوح، ويحول الأصول العامة إلى ضمانات ديون بدلا من تحويلها إلى مصدر إنتاج حقيقي.