لم تكد ساعات قليلة تمر على الإعلان عن التوصل إلى مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب والتوترات العسكرية في المنطقة، حتى بدأت ردود الفعل الدولية والإقليمية تتوالى بصورة مكثفة، كاشفة عن حجم التأثير السياسي والاستراتيجي للاتفاق الذي يُنظر إليه باعتباره أحد أهم التحولات في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة.
ففي الوقت الذي رحبت فيه الأمم المتحدة وعدد كبير من الدول الغربية والآسيوية بالاتفاق واعتبرته فرصة حقيقية لخفض التوترات وفتح صفحة جديدة من الاستقرار الإقليمي، أثار التفاهم غضباً واسعاً داخل الأوساط السياسية والإعلامية الإسرائيلية، التي رأت فيه مكسباً استراتيجياً لإيران وتراجعاً عن الأهداف التي سعت إليها تل أبيب خلال الفترة الماضية.
وكانت أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني قد أعلنت في بيان رسمي أن الجمهورية الإسلامية أنهت نص مذكرة التفاهم الخاصة بمفاوضات إنهاء الحرب مع الولايات المتحدة، والتي جرت في العاصمة الباكستانية إسلام آباد بعد أشهر من المفاوضات المكثفة والصعبة بين الجانبين.
ووفقاً للبيان الإيراني، فإن الاتفاق يتضمن وقفاً فورياً ودائماً للحرب والعمليات العسكرية على مختلف الجبهات، بما في ذلك الساحة اللبنانية، إلى جانب إنهاء الحصار البحري المفروض على إيران بشكل كامل وفوري، على أن يتم التوقيع الرسمي على المذكرة يوم التاسع عشر من يونيو الجاري.
غضب إسرائيلي وتخوفات من مكاسب إيرانية
جاءت ردود الفعل الإسرائيلية منقسمة لكنها اتفقت في جوهرها على رفض الاتفاق والتشكيك في نتائجه. فقد أشارت تقارير إعلامية إسرائيلية إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو كان يعوّل على أن تؤدي التطورات العسكرية الأخيرة إلى انهيار المفاوضات بين واشنطن وطهران، إلا أن النتيجة جاءت معاكسة تماماً بإعلان التوصل إلى اتفاق شامل.
ووصفت وسائل إعلام إسرائيلية الاتفاق بأنه إنجاز كبير لطهران، مؤكدة أن وقف إطلاق النار الفوري سيضع ضغوطاً على إسرائيل لوقف عملياتها العسكرية في لبنان، وهو ما أثار جدلاً واسعاً داخل الدوائر السياسية والأمنية الإسرائيلية.
كما نقلت تقارير إعلامية عن مقربين من نتنياهو تشكيكهم في جدوى الاتفاق، معتبرين أنه لا يحمل قيمة حقيقية على أرض الواقع، بينما تحدثت مصادر أخرى عن رفض إسرائيلي للانسحاب من بعض المواقع التي تمت السيطرة عليها خلال العمليات العسكرية الأخيرة.
وفي السياق ذاته، شن وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير هجوماً حاداً على الاتفاق، مؤكداً أن إسرائيل ليست ملزمة بما تم التوصل إليه بين واشنطن وطهران.
وقال بن غفير إن إسرائيل دولة مستقلة ذات سيادة وليست خاضعة للولايات المتحدة، مضيفاً أن الاتفاق لا يلزم حكومته بأي شكل من الأشكال، وأن الأولوية ستظل لحماية الجنود والمستوطنين.
وأكد الوزير الإسرائيلي المتطرف أن موقفه يتمثل في رفض أي تسوية لا تتضمن تفكيك حزب الله بشكل كامل، مشدداً على رفض الانسحاب من الأراضي التي سيطرت عليها القوات الإسرائيلية أو العودة إلى الوضع الأمني السابق على الحدود الشمالية.
الأمم المتحدة ترحب وتدعو لاستثمار الفرصة
في المقابل، رحبت الأمم المتحدة بالاتفاق، حيث وصف الأمين العام أنطونيو غوتيريش التفاهم بين واشنطن وطهران وإعادة فتح مضيق هرمز بأنه خطوة حاسمة نحو تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة.
وأكد غوتيريش أن الظروف الحالية تتيح فرصة مهمة لتوسيع الجهود الدبلوماسية الرامية إلى معالجة النزاعات الإقليمية بصورة دائمة، داعياً جميع الأطراف إلى استثمار اللحظة السياسية الراهنة لخفض مستويات التوتر وتعزيز الاستقرار.
دعم أوروبي واسع للاتفاق
وعلى المستوى الأوروبي، أبدت بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا دعماً واضحاً للمسار الجديد الذي أطلقه الاتفاق.
فقد اعتبر رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر أن التفاهم بين إيران والولايات المتحدة يمثل خطوة بالغة الأهمية نحو إنهاء الحرب وضمان الأمن الإقليمي، مشيداً بالدور الذي لعبته الوساطات الإقليمية والدولية في الوصول إلى هذا الإنجاز الدبلوماسي.
كما أعلن استعداد بلاده، بالتنسيق مع فرنسا، للمشاركة في عمليات إزالة الألغام وتأمين الملاحة البحرية في المنطقة، مؤكداً أن الأولوية خلال المرحلة المقبلة يجب أن تتركز على التنفيذ الكامل لبنود مذكرة التفاهم وضمان إعادة فتح مضيق هرمز بشكل دائم.
وفي خطوة تعكس رغبة أوروبية في استثمار الاتفاق سياسياً واقتصادياً، أصدر قادة بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا بياناً مشتركاً أكدوا فيه استعدادهم لرفع العقوبات المفروضة على إيران مقابل اتخاذ خطوات واضحة ومحددة في الملف النووي.
من جانبه، رحب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالاتفاق، معتبراً أنه يمثل فرصة حقيقية لإطلاق مرحلة جديدة من الحوار الإقليمي، مؤكداً أن إعادة فتح مضيق هرمز واستئناف حركة الملاحة الدولية دون قيود يعدان عاملين أساسيين لاستقرار الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.
ترحيب آسيوي وإقليمي
وامتد الترحيب بالاتفاق إلى عدد من الدول الآسيوية والإقليمية، حيث رحبت اليابان بالتفاهم واعتبرته خطوة مهمة لإنهاء الأعمال العدائية في المنطقة.
كما أشادت تركيا بالاتفاق، واعتبرته مدخلاً لتحقيق سلام أكثر استدامة في الشرق الأوسط، فيما دعا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان جميع الأطراف إلى الامتناع عن أي إجراءات أو تصريحات قد تؤدي إلى عرقلة مسار الاتفاق قبل توقيعه الرسمي.
أما أستراليا فأعلنت دعمها الكامل للتفاهم الجديد، مؤكدة أن إنهاء النزاع وإعادة فتح مضيق هرمز يمثلان تطوراً إيجابياً يصب في مصلحة الأمن والاستقرار الدوليين.
إيران تحرم ترامب من مكسب رمزي
وفي واحدة من أكثر التفاصيل إثارة للانتباه، كشفت تقارير إعلامية أمريكية أن طهران تعمدت تأخير الإعلان النهائي عن الاتفاق إلى ما بعد منتصف الليل، لتجنب تزامنه مع عيد ميلاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وبحسب مصادر إيرانية، فإن القيادة الإيرانية لم ترغب في منح ترامب فرصة سياسية أو رمزية لاستثمار الاتفاق إعلامياً في يوم ميلاده، مستفيدة من فارق التوقيت بين البلدين لتحديد لحظة الإعلان الرسمي عن التفاهم.
مضيق هرمز في قلب المعادلة الجديدة
اقتصادياً واستراتيجياً، حظي ملف مضيق هرمز باهتمام خاص عقب الاتفاق، نظراً لأهميته الحيوية في حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة.
وأشارت تحليلات دولية إلى أن إعادة فتح المضيق أمام حركة الملاحة البحرية تمثل أحد أبرز المكاسب المباشرة للتفاهم، خاصة بعد المخاوف التي سادت الأسواق العالمية خلال فترة التوترات العسكرية.
وفي الوقت نفسه، رأت تقارير أمريكية أن إيران خرجت من الأزمة وهي تمتلك ورقة ضغط إضافية مرتبطة بقدرتها على التأثير في حركة الملاحة عبر المضيق، ما يمنحها هامشاً أوسع في أي مفاوضات أو ترتيبات إقليمية مستقبلية.

