حذرت شعبة بيض المائدة باتحاد منتجي الدواجن في مصر من استمرار انهيار أسعار البيض خلال يونيو 2026، بعد بيع كرتونة البيض في المزرعة بنحو 60 جنيها مقابل تكلفة إنتاج لا تقل عن 115 جنيها، ما يهدد بخروج منتجين من السوق.

 

وتكشف الأزمة وجها مباشرا لفشل الحكومة في إدارة السلع الغذائية، إذ تركت فائض البيض يضغط على المنتجين، بينما تعجز عن فتح أسواق خارجية أو تشغيل مسارات تصنيع، في وقت تسمح فيه بتصدير سلع أخرى رغم ضغط الطلب المحلي.

 

فائض بلا إدارة يدفع المنتجين إلى الخسارة

 

تأتي أزمة البيض الحالية بعد أشهر من تقلبات حادة في سوق الغذاء، حيث انتقلت الأسعار من موجات ارتفاع مرهقة للمستهلكين إلى تراجع حاد يضرب المنتجين، من دون أن تظهر سياسة حكومية تضبط طرفي المعادلة.

 

وبحسب تصريحات حازم المنوفي، عضو شعبة المواد الغذائية، فإن الأزمة لا تثبت فشل العرض والطلب وحده، لكنها تكشف خطورة ترك سلعة غذائية استراتيجية لقوى السوق من غير بيانات دقيقة وتعاقدات مسبقة ومخزون منظم.

 

ومن هنا يكتسب رأي المنوفي وظيفة واضحة في قراءة الأزمة، لأنه يضع المشكلة عند غياب الإدارة العلمية للسوق، لا عند زيادة الإنتاج وحدها، إذ كان مسار الهبوط متوقعا منذ دخول دورات إنتاج جديدة.

 

كما أوضح المنوفي أن مؤشرات السوق سبقت الانهيار الحالي، وأن زيادة المعروض كانت تدفع الأسعار إلى مستويات تقترب من 100 جنيه للطبق، قبل أن يتحول التراجع إلى أزمة خسائر داخل المزارع.

 

وفي المقابل، لم تتحرك الحكومة مبكرا لامتصاص الفائض، رغم أن شهر رمضان الماضى ساعد مؤقتا في رفع الاستهلاك واستيعاب جانب من الكميات، ثم ظهرت الأزمة كاملة بعد انتهاء موجة الطلب الموسمي.

 

لذلك تبدو الأزمة نتيجة مباشرة لتأخر القرار الرسمي، لأن السوق كان يحتاج إلى أدوات تدخل قبلية، تشمل ربط الإنتاج بالطلب، وجدولة الدورات الجديدة، وتجهيز قنوات تصدير أو تصنيع قبل تضخم المعروض.

 

على مستوى السياسة الغذائية، تتناقض طريقة إدارة البيض مع تعامل الحكومة مع سلع أخرى مثل الطماطم وبعض الفواكه، حيث يضغط التصدير على المعروض المحلي أحيانا، بينما تترك الحكومة فائض البيض يهدر قيمته.

 

وهذا التناقض يحمّل المنتج والمستهلك تكلفة السياسات العشوائية معا، لأن المستهلك لا يستفيد طويلا من انخفاض مؤقت، بينما يدفع المنتج ثمن دورة خسائر قد تنتهي بتراجع الإنتاج وعودة الأسعار للارتفاع.

 

كما أن سلعة البيض لا تحتمل الانتظار مثل بعض المحاصيل، لأنها طازجة وسريعة التداول، وبالتالي يتحول فائض الإنتاج في أيام قليلة إلى ضغط سعري كبير، لا إلى فرصة اقتصادية يمكن تخزينها بسهولة.

 

سلعة لا تنتظر ومزارع تبيع بأقل من التكلفة

 

قال أحمد نبيل، رئيس شعبة بيض المائدة باتحاد منتجي الدواجن، إن إنتاج البيض تجاوز الاكتفاء الذاتي بنسبة تتراوح بين 30% و40%، وهو فائض كبير في سلعة غير قابلة للتخزين الطويل.

 

وتعطي تصريحات نبيل وظيفة تحريرية مهمة داخل التقرير، لأنها تنقل الأزمة من خانة الانخفاض الطبيعي إلى خانة الخسارة المحققة، حين يبيع المنتج الكرتونة بنحو 60 جنيها بينما تبلغ تكلفة إنتاجها 115 جنيها.

 

وبهذا الفارق، لا يتحدث المنتجون عن تراجع هامش الربح، بل عن بيع يومي بخسارة صريحة، لأن كل كرتونة تخرج من المزرعة تحمل عجزا يضغط على السيولة ويهدد استمرار دورات التربية.

 

في السياق نفسه، أشار نبيل إلى أن الشعبة بدأت التنسيق مع وزير الزراعة لبحث تحويل البيض إلى منتجات مبسترة أو مسحوق بيض، إلى جانب فتح أسواق تصديرية جديدة في الخليج وأفريقيا.

 

لكن هذا التحرك يأتي بعد انفجار الأزمة لا قبلها، وهو ما يكشف خللا في ترتيب الأولويات، لأن فتح الأسواق الخارجية وتدشين خطوط البسترة كان يجب أن يسبق الفائض لا أن يلحق به.

 

كذلك يوضح حديث نبيل أن الأعلاف تظل نقطة الضعف الأخطر في الصناعة، إذ تعتمد مكونات الأعلاف المستوردة على الدولار بنسبة تتراوح بين 90% و95%، ما يجعل تكلفة الإنتاج رهينة لسعر الصرف.

 

وعندما تجتمع تكلفة أعلاف مرتفعة مع سعر بيع منخفض، يصبح المنتج محاصرا من اتجاهين، لأن الحكومة لا توفر مدخلات إنتاج مستقرة، ولا تدير الفائض، ولا تحمي السوق من دورات الخسارة والانكماش.

 

ثم تتحول الخسائر المتراكمة إلى خطر على المستهلك نفسه، لأن خروج المربين من الإنتاج يقلل المعروض في الدورة التالية، فيرتفع السعر مجددا، وتعود الحكومة إلى إعلان إجراءات مؤقتة بعد وقوع الضرر.

 

ومن زاوية الأمن الغذائي، لا يمكن اعتبار انخفاض السعر الحالي مكسبا عاما، لأن السعر الذي يكسر المنتج اليوم يصنع أزمة معروض غدا، خاصة في قطاع يعتمد على دورات إنتاج متتابعة وحساسة.

 

لذلك طالب نبيل بتصحيح سعري يضمن خروج كرتونة البيض من المزرعة بأكثر من 115 جنيها، وهو مطلب يعكس حد الخسارة الفعلي لا رغبة في رفع السعر على المستهلك فقط.

 

سوق بلا خطة يحول الانخفاض إلى تهديد

 

وكشف ثروت الزيني، نائب رئيس اتحاد منتجي الدواجن، أن أسعار البيض والدواجن تراجعت خلال الفترة الحالية بفعل زيادة الإنتاج، مؤكدا أن الدواجن سلع حية يصعب التحكم في أسعارها بعد دخولها السوق.

 

وتخدم تصريحات الزيني محور استقرار منظومة الإنتاج، لأنه لا يكتفي بشرح الانخفاض، بل يحذر من أن السعر غير العادل يدفع مربيين إلى الخروج من النشاط، وهو ما يضرب توازن السوق لاحقا.

 

ووفق الزيني، يصل سعر كرتونة البيض في المزرعة إلى نحو 65 جنيها، بينما تباع للمستهلك بما يتراوح بين 85 و90 جنيها، بما يكشف فجوة بين خسارة المنتج وسعر التجزئة.

 

غير أن هذه الفجوة لا تعفي الحكومة من المسؤولية، لأنها تكشف غياب رقابة فعالة على حلقات التداول، وغياب سياسة توازن تضمن سعرا عادلا للمنتج وسعرا مقبولا للمستهلك في وقت واحد.

 

علاوة على ذلك، ينفي الزيني وجود دور حاسم لوسيط أو سمسار في تحديد الأسعار، ويعيد الأزمة إلى آلية العرض والطلب، لكن هذه الآلية نفسها تحتاج إلى دولة تملك بيانات وتخطيطا لا بيانات متأخرة.

 

ومن ناحية زمنية، تظهر أزمة البيض بعد موجات متكررة من اضطراب أسعار الدواجن والأعلاف، حيث ظل القطاع يتحرك بين صدمات الدولار وفتح الاستيراد وارتفاع التكلفة، من غير بناء منظومة حماية مستمرة.

 

في المقابل، تكرر الحكومة خطأ التعامل مع السلع الحية كأنها مخزون جامد، بينما يعرف المنتجون أن قرار دخول دورة إنتاج اليوم تظهر نتيجته لاحقا، وأن غياب التوقعات الرسمية يحول كل دورة إلى مقامرة.

 

وعند هذه النقطة، يصبح الحديث عن السوق الحرة ستارا لعجز الدولة، لأن الحكومة تترك المنتج يتحمل المخاطر، ثم تطلب منه الاستمرار في الإنتاج رغم أن البيع بأقل من التكلفة يعني استنزاف رأس المال.

 

كما أن تأخر فتح أسواق الخليج وأفريقيا يكشف غياب دبلوماسية اقتصادية فعالة لصالح القطاع، لأن الفائض كان يمكن أن يتحول إلى فرصة تصديرية بدلا من أن يتحول إلى خسائر داخل المزارع.

 

وبجانب التصدير، يكشف غياب التصنيع الغذائي عن عطل آخر، لأن تحويل البيض إلى مبستر أو مسحوق يفتح مسارا للصناعة والمخابز والفنادق، بينما يظل المنتج المصري عالقا بين طبق طازج وسوق متشبع.

 

لهذا السبب لا تقف الأزمة عند حدود كرتونة البيض، بل تمتد إلى الأعلاف والعمالة والنقل ومزارع التربية، لأن خروج المنتجين من السوق يضرب سلسلة كاملة من النشاط الاقتصادي المرتبط بصناعة الدواجن.

 

وفي الخلاصة، تضع أزمة البيض الحكومة أمام مسؤولية مباشرة، لأن الفائض ليس كارثة طبيعية، والخسارة ليست قدرا، بل نتيجة إدارة متأخرة تركت المنتجين وحدهم أمام تكلفة مرتفعة وسعر منهار وسوق بلا مخارج.

 

وبذلك يتحول انخفاض الأسعار من خبر مريح للمستهلك إلى إنذار خطير، لأن انهيار المنتج اليوم يعني قفزة سعرية غدا، وحكومة لا تدير الفائض لن تستطيع إدارة النقص عندما يخرج المربون من السوق.