كشفت بيانات الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات في مصر قفزة غير مسبوقة في واردات الذهب خلال الربع الأول من عام 2026، بعدما بلغت 1.809 مليار دولار، بزيادة 4138% عن الفترة نفسها من عام 2025.

 

وتضع هذه القفزة الحكومة أمام ملف لا يخص الصاغة وحدهم، لأن خروج 2.235 مليار دولار لشراء الذهب والفضة خلال 90 يوما جاء بينما المواطن يدفع ثمن شح الدولار وغلاء المعيشة وتآكل الحماية الاجتماعية.

 

مطلوب وقفة رقابية ووضح وشفافية

 

بداية الأزمة لا تقف عند تضخم واردات الذهب، بل عند اتجاهها ومصدرها، إذ جاءت الكمية الأكبر من الإمارات بقيمة 1.7 مليار دولار، في وقت تراجعت فيه صادرات مصر من المعدن النفيس بنسبة 61% إلى 1.131 مليار دولار.

 

وفي المسار نفسه، سجلت واردات الفضة قفزة أشد غرابة بلغت 17188%، لتصل إلى 426 مليون دولار، وهو ما رفع فاتورة المعدنين النفيسين إلى 2.235 مليار دولار خرجت من السوق المصرية خلال ثلاثة أشهر فقط.

 

لذلك قال السياسي والبرلماني السابق أيمن صادق إن الملف يستحق وقفة رقابية لا مجاملة حكومية، لأن الأرقام لا تمثل زيادة عادية في تجارة الذهب، بل قفزة استثنائية تحتاج إلى تفسير موثق أمام الرأي العام.

 

وبحسب قراءة صادق، تزداد دلالة الأرقام عندما توضع بجوار صادرات مصر من الذهب والأحجار الكريمة، لأن الإمارات تظهر شريكا محوريا في حركة الذهب ذهابا وإيابا، بينما تغيب إجابات الدولة عن طبيعة هذا المسار.

 

ومن هنا يصبح السؤال الرقابي مباشرا، فالحكومة تتحدث عن تنامي الإنتاج المحلي وزيادة القدرات التصديرية، لكنها تسمح في الوقت نفسه بدخول ذهب إماراتي ضخم خلال فترة قصيرة من دون شرح منشأه أو أطرافه النهائية.

 

وبالتوازي، لا يكفي تفسير القفزة بأنها طلب محلي على السبائك، لأن حجم الفاتورة وزمنها ومصدرها يفتحون بابا أوسع عن تحويل مصر إلى محطة تكرير أو إعادة تدوير أو تمرير للذهب داخل الإقليم.

 

كذلك يربط صادق هذه الحركة باضطرابات سوق الذهب الإقليمي بعد حرب السودان وتوترات البحر الأحمر وتوسع المضاربات، لكنه يرفض تحويل هذه العوامل إلى ستار يمنع الرقابة على مستندات المنشأ والشحن والتحويلات المالية.

 

وفي الخلفية الاقتصادية، جاءت هذه الواردات بينما هبطت نسبة تغطية الصادرات للواردات وتوسعت فجوة التجارة الخارجية، ما يجعل الذهب عبئا مباشرا على الدولار لا مجرد سلعة فاخرة تتحرك بعيدا عن أزمة الناس.

 

لهذا تبدو رواية السوق وحدها قاصرة، لأن الدولة التي تراقب رغيف الخبز وسعر السكر تركت مليارات الذهب تتحرك بين القاهرة ودبي، ثم لم تقدم كشفا واضحا عن المستفيدين أو آلية الفحص أو مصدر المعدن.

 

طرود القاهرة ودبي تكشف سؤال الرقابة

 

ثم جاءت شهادة مسؤول في شركات نقل الأموال والمعادن الثمينة لتزيد ثقل الملف، بعدما تحدث عن حركة غير مفهومة لطرود ذهب وفضة وأحجار كريمة خرجت إلى الإمارات ثم عادت بعد أيام لصالح الشركات نفسها.

 

وبحسب الشهادة المنسوبة للمسؤول، حملت بعض الشحنات أوزانا تصل إلى 250 كيلوغراما من الذهب ومئات الكيلوغرامات من الفضة، وخرجت عبر مطار القاهرة بمستندات رسمية معتمدة من بنك مصر لصالح شركات صاغة خاصة.

 

بعد ذلك، عادت شحنات مشابهة من الإمارات عبر مطار القاهرة إلى الشركة المصرية ذاتها ومن الشركة الإماراتية نفسها، وهو نمط يفرض على الأجهزة الرقابية فحص دورة الأموال لا الاكتفاء بختم الأوراق الرسمية على الطرود.

 

وفي هذا الموضع، تخدم قراءة الباحث يزيد صايغ للنفوذ الاقتصادي داخل الدولة المصرية فهم بيئة الغموض، إذ يرى أن توسع شبكات النفوذ يخلق قدرة على إعادة تشكيل الأسواق وإخفاء الكلفة والخسائر عن المال العام.

 

ولا يعني ذلك أن كل شحنة ذهب تمثل جريمة، لكنه يعني أن قطاعا بهذا الحجم لا يجوز أن يبقى رهين همسات العاملين في النقل والتأمين، بينما تظهر الاتهامات بغسل الأموال داخل المجال نفسه من دون تفنيد رسمي.

 

وبحسب المصدر نفسه، تمتد الصلات بين بعض كبار تجار الصاغة وبين الدهابة في أسوان والأقصر ومناطق البحر الأحمر والنوبة والسودان، حيث يدخل الخام إلى السوق أو يخرج إلى الإمارات ثم يعود بغطاء رسمي.

 

وبعد ذلك، تكشف عمليات شراء واسعة عن بعد آخر في الأزمة، لأن تجارا طلبوا نقل أموال تصل إلى مليار جنيه لشراء ذهب بكميات كبيرة بعد تراجع الأسعار، بما يسمح بالضغط على السوق وتوجيهه.

 

وتزامن هذا النشاط مع هبوط سعر عيار 21 بعد ذروة مارس التي تجاوزت 7000 جنيه، وهو ما يجعل المضاربة احتمالا قائما، خصوصا عندما تتحرك السيولة الثقيلة بعيدا عن رقابة معلنة على كبار اللاعبين.

 

كما دخل اسم صبري نخنوخ وإبراهيم العرجاني في النقاش العام بعد توقيف الأول وتسريبات تحدثت عن منافسة في ملف الذهب، وهي اتهامات لا تمثل حكما قانونيا لكنها تفرض شفافية أكبر من النيابة والجهات المالية.

 

وبعد قرار النيابة التحفظ على أموال نخنوخ بتهم غسل أموال، عاد ملف طائرة لوساكا إلى الواجهة، لأن طائرة خرجت من القاهرة إلى زامبيا عام أغسطس 2023 حُجزت ومعها ملايين الدولارات وأسلحة ومواد قيل أولا إنها ذهب.

 

ذهب السودان يلاحق المسار الإماراتي

 

لاحقا، أضافت حوادث التنقيب العشوائي في البحر الأحمر وإدفو طبقة أمنية إلى الملف، بعدما قُتل منقبون في سفاجا وإدفو ووقعت اشتباكات مع الشرطة، ما كشف أن الذهب لم يعد نشاطا تعدينيا هامشيا.

 

وفي تقدير صادق، لا تصل الأسماء المتداولة والوقائع المتفرقة إلى دليل على شبكة واحدة، لكنها تكشف نمطا من تدفقات مالية ومعادن في بيئة إقليمية معقدة، وهو نمط يستوجب تحقيقا لا بيانات مطمئنة.

 

من ناحية أخرى، يفرض السودان حضوره على أي قراءة لحركة الذهب بين القاهرة ودبي، لأن الحرب هناك حوّلت المعدن الأصفر إلى وقود تمويل ونفوذ، ودفعت اتهامات متكررة للإمارات بالتورط في مسارات تهريب الذهب.

 

وهنا تبرز أهمية رأي مارك أوميل، رئيس وحدة المواد الخام في منظمة سويس إيد، الذي طالب بإعادة الإمارات إلى القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي بسبب فجوات تتعلق بمصادر الذهب غير المشروع وذهب النزاعات.

 

وتقول سويس إيد إن الإمارات استوردت في 2024 ذهبا من السودان ومن دول جوار تعمل كمخارج للذهب، بينها مصر وتشاد وليبيا، وهي أرقام تجعل أي واردات مصرية ضخمة من الإمارات محتاجة إلى شهادة منشأ لا تصريح علاقات عامة.

 

لكن التقرير لا يحسم أن الذهب الداخل إلى مصر سوداني، لأن هذا يحتاج إلى وثائق جمركية وفحوص منشأ وتحقيقات رسمية، غير أن غياب هذه الوثائق عن المجال العام يجعل الشك نتيجة منطقية لصمت الحكومة.

 

وفي الوقت نفسه، لا تستطيع الدولة الاحتماء بمنجم السكري لتبرير الغموض، لأن المنجم أنتج 500 ألف أوقية في 2025، ومصر تحصل على نصف الأرباح الصافية وإتاوة، ما يجعل سؤال الإنتاج المحلي أكثر إلحاحا.

 

كما أعلنت الحكومة مستهدفات لإنتاج 557 ألف أوقية ذهب و90 ألف أوقية فضة في العام المالي المقبل، مع مبيعات مستهدفة بقيمة 1.5 مليار دولار، وهو خطاب رسمي يصطدم باستيراد ذهب هائل من الإمارات.

 

وعلى هذا الأساس، يتحول الذهب من ملف تجاري إلى اختبار حوكمة، لأن الحكومة التي تطلب من المواطنين التقشف لا تملك حق تمرير مليارات الدولارات عبر سوق مغلق من دون نشر بيانات المستوردين والمصدرين والمنشأ.

 

في النهاية، لا تحتاج القاهرة إلى حملة دعائية عن التعدين، بل إلى كشف رسمي عن كل شحنة ذهب وفضة دخلت وخرجت منذ يناير 2026، لأن غياب الشفافية يحول الذهب من مورد سيادي إلى صندوق أسود للنفوذ والتهريب والمضاربة.