في وقت تتصاعد فيه التحديات الاقتصادية وتزداد الضغوط المعيشية على المواطنين، أثار تقرير حديث صادر عن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية جدلًا واسعًا بشأن أولويات الإنفاق العام في مشروع موازنة العام المالي 2026-2027، بعدما أظهر أن تكلفة مشروع المونوريل تقترب من نصف مخصصات قطاع الصحة، وتمثل نحو 40% من إجمالي الإنفاق المخصص للتعليم.
وحمل التقرير عنوان "موازنة 2026-2027: تسوية الدفاتر لا تكفي"، منتقدًا استمرار تراجع الإنفاق الفعلي على قطاعي التعليم والصحة عن النسب التي نص عليها الدستور، ومشيرًا إلى أن الموازنة العامة للدولة أصبحت خاضعة بصورة متزايدة لأعباء الدين العام وخدمة الفوائد، في الوقت الذي تسعى فيه الحكومة إلى إظهار مؤشرات مالية منضبطة أمام المؤسسات الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي.
تكلفة المونوريل تثير التساؤلات
واستند التقرير إلى تصريحات سابقة لوزير النقل كامل الوزير، والتي قدر فيها التكلفة الإجمالية لمشروع المونوريل بنحو 2.8 مليار دولار، وهو المشروع الذي افتتحه عبد الفتاح السيسي خلال شهر مارس الماضي ضمن خطة الدولة لتطوير منظومة النقل الحديثة وربط المدن الجديدة بالمناطق العمرانية المختلفة.
ورغم الإشادة الحكومية بالمشروع باعتباره أحد أبرز مشروعات النقل الحضري في مصر، اعتبرت المبادرة المصرية أن حجم الإنفاق الموجه إليه يثير تساؤلات حول ترتيب أولويات الاستثمار العام، خاصة في ظل التحديات التي تواجه قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة.
وأشار التقرير إلى أن بعض التقديرات غير الرسمية ترفع التكلفة الحقيقية للمشروع إلى مستويات أكبر من الرقم المعلن، معتبرًا أن هذه المبالغ الضخمة جرى توجيهها إلى مشروع لا يلبي، بحسب وصفه، الاحتياجات الأساسية لقطاع واسع من المواطنين مقارنة بالخدمات العامة الأخرى.
خدمات تستفيد منها شرائح محدودة
وفي هذا السياق، أوضحت الباحثة مي قابيل، أن مشروعات النقل الحديثة مثل المونوريل ترتبط بشكل أساسي بالمناطق العمرانية الجديدة، وعلى رأسها العاصمة الإدارية الجديدة ومناطق شرق القاهرة، وهي مناطق تستهدف بدرجة كبيرة شرائح ذات مستويات دخل أعلى من المتوسط.
وأضافت أن المشروع، حتى مع تقديمه كوسيلة لنقل العاملين والموظفين إلى تلك المناطق، يظل محدود التأثير مقارنة بالخدمات الأساسية التي تمس حياة ملايين المواطنين يوميًا، مثل المدارس والمستشفيات ومرافق الرعاية الصحية.
ولفتت إلى أن تعريفة استخدام المونوريل قد تمثل في حد ذاتها عقبة أمام فئات واسعة من المواطنين، الأمر الذي قد يحد من قدرته على أداء دور مشابه لوسائل النقل الجماعي التقليدية ذات التكلفة المنخفضة.
التعليم بعيد عن الاستحقاقات الدستورية
وكشف التقرير أن الحكومة تعتزم رفع مخصصات التعليم في العام المالي الجديد بنسبة 16.6% لتصل إلى نحو 367.3 مليار جنيه، إلا أن هذه الزيادة لا تعني بالضرورة الاقتراب من الاستحقاقات الدستورية.
فبحسب الدراسة، لن تتجاوز مخصصات التعليم نسبة 1.49% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يمثل أقل من ربع النسبة الدستورية المقررة للإنفاق على التعليم، والتي تنص على تخصيص ما لا يقل عن 6% من الناتج المحلي لهذا القطاع الحيوي.
ويرى معدو التقرير أن استمرار هذا المستوى من الإنفاق يعكس فجوة واضحة بين الالتزامات الدستورية والسياسات المالية المطبقة على أرض الواقع، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على جودة العملية التعليمية ومستوى الخدمات المقدمة للطلاب.
الصحة تواجه التحدي نفسه
ولم يكن قطاع الصحة بعيدًا عن الانتقادات التي تضمنها التقرير، إذ أشار إلى أن الإنفاق المتوقع على القطاع خلال السنة المالية الجديدة سيبلغ نحو 302 مليار جنيه فقط، بما يعادل 1.2% من الناتج المحلي الإجمالي.
وتبقى هذه النسبة، وفقًا للتقرير، أقل بكثير من الحد الأدنى الذي حدده الدستور والبالغ 3% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يعكس استمرار الضغوط التي تواجه منظومة الرعاية الصحية رغم الحاجة المتزايدة لتطوير المستشفيات وتحسين الخدمات العلاجية ورفع كفاءة البنية التحتية الصحية.
وفي المقابل، تؤكد الحكومة بشكل متكرر التزامها بالاستحقاقات الدستورية الخاصة بالإنفاق على التعليم والصحة، إلا أن باحثين وخبراء اقتصاديين يواصلون التشكيك في هذه الأرقام، معتبرين أن الحكومة تعتمد على توسيع تعريف الإنفاق في تلك القطاعات من خلال إدراج فوائد الديون المرتبطة بها ضمن الحسابات الرسمية.
أزمة الأولويات وتوزيع الموارد
ويرى التقرير أن المشكلة لا تتعلق بضعف الموارد المالية المتاحة للدولة بقدر ما ترتبط بطريقة توزيع هذه الموارد وتحديد أولويات الإنفاق.
وأكدت مي قابيل أن التراجع المستمر في نسب الإنفاق على التعليم والصحة يعكس اختيارات اقتصادية وسياسات مالية تمنح أولوية لمشروعات أخرى على حساب القطاعات المرتبطة مباشرة بحقوق المواطنين الأساسية والتنمية البشرية.
وأضافت أن الاستثمار في الخدمات العامة لا يقتصر تأثيره على تحسين مستوى المعيشة فحسب، بل يمثل أيضًا أحد أهم محركات النمو الاقتصادي طويل الأجل من خلال تطوير رأس المال البشري ورفع إنتاجية المجتمع.
الديون والفوائد تبتلع الموازنة
وفي جانب آخر من التقرير، حذرت المبادرة المصرية من استمرار تضخم أعباء الدين العام وما يترتب عليها من ارتفاع متواصل في تكلفة خدمة الدين والفوائد، وهي المشكلة التي باتت تفرض نفسها بقوة على هيكل الموازنة العامة للدولة.
وأوضحت الدراسة أن الإنفاق على الفوائد وحده سيصل خلال العام المالي الجديد إلى ما يعادل 9.8% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة تفوق إجمالي ما تنفقه الدولة على التعليم والصحة والدعم والأجور مجتمعة، والتي تقدر بنحو 9.4% فقط من الناتج المحلي.
وترى المبادرة أن هذه المؤشرات تعكس مدى الضغط الذي تمارسه الديون على المالية العامة، حيث أصبحت خدمة الدين تستحوذ على النصيب الأكبر من الموارد الحكومية، الأمر الذي يقلص قدرة الدولة على توجيه الإنفاق نحو القطاعات التنموية والخدمية.
انتقادات للفائض الأولي
كما وجه التقرير انتقادات إلى تركيز الحكومة المستمر على تحقيق ما يعرف بـ"الفائض الأولي" في الموازنة العامة، وهو المؤشر الذي يقيس الفرق بين الإيرادات والمصروفات قبل احتساب فوائد الدين.
وبحسب التقرير، فإن هذا المؤشر لا يعكس الصورة الكاملة للوضع المالي، لأنه يستبعد أحد أكبر بنود الإنفاق الحكومي، وهو خدمة الدين، ما يجعل تحقيق فائض أولي لا يعني بالضرورة تحسن الوضع الاقتصادي أو تراجع الضغوط المالية.
وأضاف التقرير أن صندوق النقد الدولي يمنح أهمية كبيرة لهذا المؤشر باعتباره دليلًا على الانضباط المالي، بينما تستمر معدلات الاقتراض وتكاليف خدمة الدين في الارتفاع عامًا بعد عام، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى استدامة السياسات المالية الحالية وقدرتها على تحقيق التوازن بين الاستقرار المالي ومتطلبات التنمية الاجتماعية.

