كشفت وزارة الصحة والسكان في مصر تسجيل 1.4 مليون حالة عقر خلال عام 2025 بمختلف المحافظات نتيجة تصاعد هجمات الكلاب الضالة، ما أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في استهلاك الأمصال وتوسيع خطط المواجهة الحكومية.
وتضع هذه الأرقام الحكومة أمام أزمة صنعتها سنوات من الإهمال في إدارة المخلفات والرقابة البيطرية، بعدما تحولت الشوارع إلى بيئة مفتوحة لتكاثر الكلاب بينما تحمل المواطنون مخاطر الإصابة وتكبدت الدولة فاتورة متصاعدة للعلاج.
انفجار حالات العقر يضع الحكومة في مواجهة أزمة صحية متفاقمة
وبحسب البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة والسكان بلغ عدد حالات العقر المسجلة خلال عام 2025 نحو 1.4 مليون حالة، وهو الرقم الأعلى الذي يتم تسجيله خلال السنوات الأخيرة في مصر.
في المقابل كانت معدلات الإصابة تدور حول 650 ألف حالة خلال عام 2022 قبل أن ترتفع إلى نحو 800 ألف حالة في عام 2023 ثم تتجاوز 1.2 مليون حالة خلال عام 2024.
كما تؤكد البيانات الحكومية أن الكلاب الضالة تقف وراء ما يقرب من 90% من إجمالي حالات العقر المسجلة، وهو ما يرفع المخاوف من زيادة احتمالات التعرض لمرض السعار القاتل.
ويعكس هذا التصاعد المتواصل حجم العجز في احتواء الظاهرة خلال السنوات الماضية، إذ لم تنجح الإجراءات المتفرقة في وقف الزيادة السنوية الكبيرة التي سجلتها معدلات الإصابات بالمحافظات المختلفة.
وفي هذا السياق يرى الطبيب والباحث المصري الدكتور عمرو قنديل المتخصص في الصحة العامة أن السيطرة على السعار تبدأ من تقليل مصادر العدوى الحيوانية وليس الاكتفاء بعلاج المصابين بعد وقوع الهجوم.
لذلك باتت المستشفيات ومراكز السموم تواجه ضغوطا متزايدة نتيجة الارتفاع الحاد في أعداد المصابين، خاصة مع الحاجة إلى توفير الجرعات الوقائية بشكل مستمر وعلى مدار العام.
كذلك دفعت الزيادة الكبيرة في أعداد المصابين الجهات الصحية إلى توسيع مخزون الأمصال واللقاحات تحسبا لمزيد من الارتفاع، في ظل استمرار انتشار الحيوانات الضالة بالمناطق السكنية.
ومن ثم تحولت أزمة الكلاب الضالة من ملف بيطري محدود إلى قضية صحة عامة تتعلق مباشرة بسلامة المواطنين وبقدرة المنظومة الصحية على استيعاب الأعداد المتزايدة من المصابين.
وعلى هذا الأساس تتعامل الأجهزة الحكومية مع الملف باعتباره أحد التحديات الصحية الكبرى خلال المرحلة الحالية بعدما تجاوزت أعداد المصابين كل المعدلات المسجلة سابقا.
وبالتزامن مع ذلك تتصاعد شكاوى السكان في عدد من المحافظات بسبب تكرار حوادث الهجوم بالقرب من المدارس والشوارع السكنية والمناطق التجارية المزدحمة.
أعداد الكلاب الضالة تتضخم وسط فشل إدارة المخلفات والرقابة
وبحسب التقديرات الرسمية الصادرة خلال عام 2026 يتراوح عدد الكلاب الضالة المنتشرة في مصر حاليا بين 15 و40 مليون كلب، وهو نطاق عددي يعكس حجم الأزمة المتفاقمة.
في الوقت نفسه أرجع خبراء بيطريون هذا التزايد الكبير إلى تراكم القمامة في عدد من المناطق الحضرية والريفية، ما وفر مصادر غذاء مستمرة ساعدت على التكاثر السريع.
كما أدى ضعف منظومة جمع المخلفات في بعض المناطق إلى خلق بيئات مناسبة لاستقرار قطعان الكلاب بالقرب من الكتل السكنية، الأمر الذي زاد الاحتكاك المباشر مع المواطنين.
ومن جانب آخر يرى الخبير العمراني الدكتور خالد فهمي أستاذ التخطيط العمراني السابق بجامعة القاهرة أن إدارة المخلفات تعد جزءا أساسيا من إدارة المجال العام والصحة البيئية.
وبناء على ذلك يؤكد متخصصون أن استمرار تراكم القمامة يجعل أي خطة للسيطرة على الكلاب الضالة محدودة الفاعلية، لأن البيئة المنتجة للمشكلة تبقى قائمة دون معالجة حقيقية.
كذلك لم تتمكن السلطات المحلية خلال السنوات الماضية من تحقيق نتائج ملموسة في تقليص مصادر الغذاء المتاحة للحيوانات الضالة رغم تكرار التحذيرات من خطورة الوضع.
وعلاوة على ذلك أدى الانتشار الواسع للكلاب في الشوارع والميادين إلى خلق بؤر جديدة للتكاثر تفوق قدرة برامج المكافحة التقليدية على الاحتواء والمتابعة المستمرة.
في حين تشير المعطيات الحالية إلى أن الأزمة لم تعد مرتبطة بأحياء بعينها، بل أصبحت ممتدة عبر نطاقات جغرافية واسعة تشمل محافظات ومدنا مختلفة.
وبالتالي تجد الحكومة نفسها أمام ظاهرة تراكمت تدريجيا حتى وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، بعدما غابت المعالجة المبكرة التي كان يمكن أن تحد من تفاقم الأعداد.
ومع استمرار التوسع العددي للحيوانات الضالة تتزايد الضغوط على الأجهزة البيطرية التي تواجه فجوة واضحة بين الإمكانات المتاحة وحجم المشكلة على الأرض.
مليارات الجنيهات وخلافات التصدير تكشف تعثر استراتيجية المواجهة
وبسبب الارتفاع الكبير في أعداد المصابين تخصص وزارة الصحة ميزانية سنوية تصل إلى 1.2 مليار جنيه لتوفير الأمصال واللقاحات المضادة للسعار مجانا للمواطنين.
في المقابل تبلغ تكلفة الجرعات الوقائية للمصاب الواحد نحو 1250 جنيها وفقا للبيانات الرسمية، وهو ما يضاعف الأعباء المالية الواقعة على الموازنة العامة للدولة.
كما كشفت هيئة الخدمات البيطرية عن تحصين 121 ألف كلب ضد السعار خلال عام 2025 إلى جانب تنفيذ عمليات تعقيم لأكثر من 8 آلاف كلب.
ومن ناحية أخرى تشير التقديرات البيطرية إلى أن تكلفة تطعيم وتعقيم الكلب الواحد تصل إلى نحو 1360 جنيها، ما يرفع كلفة برامج المواجهة إلى مستويات مرتفعة.
وفي هذا الإطار ترى الناشطة الحقوقية والباحثة في شؤون الرفق بالحيوان منى خليل أن الحلول المستدامة تعتمد على التوسع في التعقيم والتحصين بدلا من أساليب الإعدام الجماعي.
لذلك أطلقت الحكومة خطة مصر خالية من السعار 2030 التي تستهدف تنفيذ برامج الحصر والتطعيم والتعقيم وإنشاء مراكز إيواء للحيوانات بعيدا عن الكتل السكنية.
كما بدأت محافظات القاهرة والجيزة والإسكندرية وبورسعيد في تخصيص مساحات لإنشاء مراكز الإيواء التي تستقبل الكلاب بعد جمعها ونقلها عبر سيارات مجهزة.
وبعد ذلك تخضع الحيوانات للفحص البيطري والرعاية الطبية وبرامج التعقيم الهادفة إلى تقليل التكاثر، مع تطبيق القتل الرحيم فقط على الحالات المصابة بالسعار أو الميؤوس منها.
غير أن الجدل لم يتوقف عند حدود التعقيم والإيواء بعدما امتد إلى مقترحات تصدير الكلاب للخارج باعتبارها وسيلة لتقليل الأعداد والاستفادة الاقتصادية من الحيوانات الضالة.
في المقابل يدافع مؤيدو المقترح عن التصدير باعتباره بديلا أقل قسوة من القتل بالسم وأداة لتخفيف العبء المالي الذي تتحمله الدولة سنويا في مواجهة الأزمة.
بينما ترفض جمعيات الرفق بالحيوان هذه الفكرة بسبب مخاوف تتعلق بمصير الحيوانات بعد خروجها من البلاد واحتمال تعرضها لممارسات تسيء إلى سلامتها.
كذلك يستند الرافضون إلى اعتبارات دينية وأخلاقية تتعلق برفض الاتجار بالحيوانات في ظروف قد تنتهي باستخدامها في أغراض يعتبرونها منافية لمبادئ الرفق بالحيوان.
وفي ظل هذا الانقسام تبقى الحكومة مطالبة بتقديم نتائج ملموسة على الأرض بعدما تحولت أزمة الكلاب الضالة إلى ملف يستنزف المليارات ويهدد الأمن الصحي للمواطنين.
وأخيرا تكشف الأرقام الرسمية أن سنوات التأجيل والمعالجة الجزئية أوصلت الأزمة إلى مرحلة حرجة، حيث تواجه الدولة ملايين الكلاب الضالة وملايين المصابين وفاتورة مالية تتسع عاما بعد آخر دون حسم نهائي.

