حذرت النائبة سحر عتمان، عضو مجلس النواب، من اتساع شكاوى المواطنين في محافظة الشرقية وعدد من المحافظات بسبب انتشار الكلاب الضالة، بعد تزايد حوادث العقر وتجمع الكلاب في الشوارع المظلمة والقرى المكشوفة.
وتكشف الأزمة عجز الحكومة عن إدارة ملف بيئي وصحي متشابك، لأن ترك القمامة والظلام والفقر البيطري صنع بيئة عدوانية للإنسان والحيوان، بينما تطرح الإبادة كاختصار خطير يعاقب الشارع بدل إصلاح أسباب الانهيار.
البحيرة تكشف أصل الأزمة: قتل الكلاب يهدم التوازن البيئي
استشهدت سحر عتمان بواقعة شهدتها محافظة البحيرة، حين جرى إعدام أعداد كبيرة من الكلاب للحد من أضرارها، ثم ظهر في العام التالي هجوم واسع للثعابين والفئران، بما كشف أثر العبث بالسلسلة البيئية.
وفي هذه الواقعة، لا تبدو الكلاب مجرد حيوانات شاردة داخل الشارع، بل عنصرًا داخل توازن طبيعي هش، لأن اختفاءها المفاجئ ترك فراغًا بيئيًا استغلته القوارض والزواحف، ثم دفع السكان ثمن حل انتقامي قصير النظر.
لذلك تتحول واقعة البحيرة إلى دليل ضد منطق الإبادة، لأنها تكشف أن التخلص من الكلاب لا يساوي التخلص من الخطر، بل قد ينقل الخطر من عقر ظاهر إلى أوبئة وقوارض وثعابين داخل البيوت والحقول.
وتدعم الناشطة في حقوق الحيوان دينا ذو الفقار هذا الاتجاه، إذ تعتبر أن الأزمة تبدأ من إدارة الشارع والقمامة وملكية الحيوانات، لا من وجود الكلاب وحده، وترفض تحويل الحيوان إلى شماعة لفشل إداري ممتد.
وبحسب هذا الطرح، تؤدي مخلفات الطعام المكشوفة ومزارع الإكثار غير المنضبطة وترك الحيوانات بلا تسجيل إلى زيادة أعداد الكلاب، ثم تستخدم السلطات النتيجة كذريعة للعنف، بدل معالجة المصدر الذي صنع التكاثر والفوضى.
كما أن الكلب البلدي المصري ليس كيانًا دخيلًا على البيئة المحلية، بل حيوان قابل للتدجين والحراسة والتعايش، وتتحول خطورته غالبًا حين يجتمع الجوع والخوف والمرض والاعتداء البشري داخل شارع بلا إدارة.
ومن هنا يصبح أصل المشكلة انهيار التوازن البيئي لا مجرد انتشار الكلاب، لأن الشارع الذي يترك القمامة بلا رفع، والظلام بلا إنارة، والتطعيم بلا خطة، يصنع الخطر ثم يطالب بإعدام نتيجته.
القمامة والظلام والسعار: كيف صنعت المحليات بيئة العقر
بدأت شكاوى أهالي القرى من نقاط واضحة، أبرزها الشوارع المظلمة التي تتحول ليلًا إلى أوكار لتجمع الكلاب، حيث تتحرك القطعان قرب القمامة ومداخل البيوت والطرق الزراعية، بعيدًا عن أي رقابة محلية حقيقية.
ومع غياب الإنارة المنتظمة، يزداد خوف المارة من الكلاب وتزداد عدوانية الحيوان نفسه، لأن الحركة المفاجئة والصراخ والمطاردة تخلق احتكاكًا يوميًا، ثم تتحول الشكوى من إزعاج عابر إلى حوادث عقر متكررة.
وتشير سحر عتمان إلى أن الكلاب تتجمع في قطعان أو قبائل داخل المناطق السكنية، وقد تنشب بينها صراعات شرسة، وهو ما يلحق أضرارًا بالإنسان والزراعات، خصوصًا حين تدخل هذه التجمعات في نطاق القرى.
في هذا المحور، تحذر الدكتورة هبة يوسف من اختزال الأزمة في العض فقط، لأن انتشار الكلاب غير المطعمة قد يفتح بابًا للأمراض المعدية والطفيليات، بجانب خطر السعار الذي يهدد حياة المصاب إذا تأخر العلاج.
ولهذا تبدو فاتورة الصحة العامة مضاعفة، فالدولة تنفق على الأمصال واللقاحات بعد وقوع العقر، لكنها لا تستثمر بالقدر نفسه في الوقاية السابقة، مثل التحصين والتعقيم وإزالة القمامة وإنارة البؤر الخطرة.
وبالتوازي، يضع ضعف الطب البيطري المواطنين أمام دائرة مفرغة، إذ تتكاثر الكلاب بلا سيطرة، وتزداد حالات العقر، ثم تتحرك المستشفيات بعد الإصابة، بينما يبقى المصدر قائمًا في الشارع نفسه بلا علاج جذري.
كذلك تتحمل المحليات مسؤولية مباشرة عن تحويل المشكلة إلى خطر يومي، لأن رفع القمامة وإغلاق مصادر الغذاء المكشوفة وإنارة الطرق ليست إجراءات ترفيهية، بل أدوات وقاية تمنع تجمع القطعان وتقلل الاحتكاك بالناس.
ومن زاوية إنسانية، يدفع الأطفال والنساء وكبار السن الثمن الأكبر، لأنهم الأكثر تعرضًا للخوف والعجز عن الهروب، بينما تكتفي الإدارات المحلية بردود متقطعة بعد الشكاوى، لا بخطة دائمة تمنع تكرار الخطر.
التعقيم والتطعيم لا الإبادة: حل مؤجل بين 5 وزارات
تقول سحر عتمان إن الحل يحتاج تنسيقًا بين 5 وزارات، لأن الملف موزع بين التنمية المحلية والبيئة والصحة والزراعة والداخلية والتضامن، لكن هذا التوزيع يتحول عمليًا إلى تهرب متبادل حين تغيب قيادة واحدة واضحة.
وفي هذا السياق، تتحمل التنمية المحلية والبيئة مسؤولية إدارة الشوارع والتنسيق مع المحليات، بينما تتحمل الصحة توفير الأمصال، وتتولى الزراعة والطب البيطري التعقيم والتحصين والملاجئ، وتتابع التضامن جمعيات الرفق بالحيوان.
غير أن جوهر الحل لا يبدأ من سيارات جمع الكلاب، بل من برنامج معلن للتعقيم والتطعيم والإعادة الآمنة إلى النطاقات التي تراقبها المحليات، مع عزل الحالات الخطرة والمصابة داخل مراكز بيطرية مجهزة.
وتؤكد منى خليل، رئيس الاتحاد المصري لجمعيات الرفق بالحيوان، أن التعقيم واسع النطاق ليس مستحيلًا إذا توفرت الإرادة والتمويل والتنظيم، وترى أن النموذج العلمي يقوم على التحصين والتعقيم بدل القتل العشوائي.
وبهذا المعنى، لا يتعارض الرفق بالحيوان مع حماية الإنسان، لأن الكلب المطعم والمعقم أقل خطرًا من كلب جديد يدخل المنطقة بعد الإبادة بلا تطعيم ولا معرفة بسلوكه، فتعود الأزمة بصورة أشد.
كما تؤكد التجارب الصحية الدولية أن قتل الكلاب لا يقضي على السعار، لأن الفراغ المكاني يجذب حيوانات جديدة غير مطعمة، بينما يحقق التطعيم الجماعي والتعقيم المستمر خفضًا فعليًا في العدوى والتكاثر.
لذلك تحتاج الحكومة إلى خريطة واضحة للبؤر الساخنة، تبدأ من القرى الأكثر شكوى في الشرقية والمحافظات المتضررة، ثم تربط الإنارة ورفع القمامة والتطعيم والتعقيم في جدول واحد، بدل حملات موسمية قصيرة العمر.
وعلى مستوى المجتمع المدني، تستطيع جمعيات الرفق بالحيوان دعم الرصد والتوعية والتبني، لكنها لا تستطيع وحدها إدارة أزمة بحجم الشارع المصري، لأن التمويل والسلطة التنفيذية والطب البيطري تقع في يد الدولة.
وتبقى الكارثة أن السلطة تتعامل مع الحيوان كعدو ومع المواطن كمتضرر ينتظر دوره، بينما يثبت مسار البحيرة أن الإبادة تفتح بابًا أخطر، وأن قتل الكلاب قد يستدعي الثعابين والفئران بدل الأمان.
في النهاية، لا تحتاج مصر إلى معركة بين سلامة الناس والرفق بالحيوان، بل إلى حكومة تعالج السبب قبل النتيجة، وتغلق منابع القمامة والظلام والمرض، حتى لا يصبح الشارع ساحة عقر اليوم ووباء غدًا.

