كشفت شكاوى صيادلة من الجيزة والقليوبية والمنيا والغربية والبحيرة، خلال مايو 2026، عن تعثر مبادرة سحب الأدوية منتهية الصلاحية، رغم إعلان هيئة الدواء المصرية تسليم تعويضات شركات التوزيع بنسبة 100%، بينما وجد صيادلة أنفسهم أمام خسائر بمئات الآلاف وتعويضات هزيلة ومرتجعات لم تسحب.
ويضع هذا الملف حكومة السيسي أمام اتهام مباشر بإدارة سوق الدواء بمنطق حماية الشركات لا حماية الصيدليات والمرضى، لأن الأزمة لم تقف عند مستحقات مالية مؤجلة، بل كشفت فراغا رقابيا يسمح بتكدس أدوية منتهية الصلاحية داخل الصيدليات ثم يعاقب الصيدلي على نتيجة صنعتها المنظومة نفسها.
قرار معلن لا يصل إلى الصيدليات
بدأت الأزمة بقرار هيئة الدواء في فبراير 2025 بإلزام شركات الدواء بسحب الأدوية منتهية الصلاحية خلال 90 يوما وتعويض الصيادلة خلال 180 يوما، ثم تحول القرار إلى مبادرة عرفت باسم ووش آوت، قبل أن تمدد الهيئة المهلة أكثر من مرة دون ضمان تنفيذ كامل.
وبعد ذلك، أعلنت هيئة الدواء في 7 مايو 2026 انتهاء شركات الإنتاج من تسليم شركات التوزيع التعويضات المستحقة ضمن المبادرة بنسبة 100%، لكن نقابات فرعية وصيادلة تحدثوا عن واقع مختلف، لأن الصيدليات لم تحصل على مستحقاتها كاملة ولم تسحب منها كل الأصناف المسجلة.
كما أظهر مسار التطبيق فجوة واضحة بين القرار المعلن والتنفيذ الفعلي، لأن الصيدلي سجل بيانات منشأته والأصناف المنتهية عبر رابط إلكتروني، ثم انتظر شركات التوزيع التي تملك وحدها قرار الحصر والاستلام والتسوية، بينما بقيت هيئة الدواء في موقع المتفرج على نزاع غير متكافئ.
لذلك تخدم قراءة الدكتور محمود فؤاد، مدير المركز المصري للحق في الدواء، هذا المحور تحديدا، لأن خبرته الحقوقية في ملف الدواء تربط بين التعويض العادل وسلامة السوق، وتكشف أن المبادرات الورقية لا تحمي المواطن عندما تغيب أدوات إلزام الشركات وتختفي العقوبة الواضحة.
في المقابل، دفع الصيادلة ثمن هذا الفراغ من رأس مالهم اليومي، لأن الدواء المنتهي لا يمثل سلعة راكدة فقط، بل يمثل أموالا مدفوعة وضرائب مسددة وفرصة بيع مهدرة، بينما تستطيع الشركات الكبرى توزيع الخسارة على ميزانياتها دون أن تواجه الخطر نفسه.
شهادات الصيادلة تكشف حساب الخسارة
في الجيزة، قال صيدلي من منطقة الهرم إن مسؤولا في هيئة الدواء أبلغه بأن قيمة مرتجعاته تقدر بنحو 120 ألف جنيه، لكنه وجد المطالبة المالية لا تتجاوز 1100 جنيه، مع بقاء أصناف أخرى داخل الصيدلية دون احتساب أو استرداد من الأساس.
ثم جاءت شهادة صيدلي من القليوبية لتكشف حجما أكبر للأزمة، إذ قدر خسائره بنحو 400 ألف جنيه في أدوية منتهية الصلاحية كان يفترض أن يسترد قيمتها من شركات التوزيع، بينما قال إن ما ألقاه في القمامة أكثر بكثير من الرقم المسجل في ملفه.
وفي المنيا، تحدثت صيدلانية عن تسليم بعض المرتجعات إلى شركات توزيع معروفة دون الحصول على المستحقات كاملة، وقالت إن إحدى الشركات دفعت 30% فقط وأجلت الباقي إلى أجل غير مسمى، وهو ما حول التعويض إلى انتظار مفتوح بلا سند واضح.
كذلك أكد صيدلي من الغربية أن شركات سحبت جزءا من المرتجعات وطبع بعضها إشعارات لا تتحول إلى خصومات مالية فعلية أو تسويات مفهومة، فبدا النظام الإلكتروني كأنه يوثق الحركة فقط، ولا يضمن وصول المال إلى صاحب الحق في نهاية الدورة.
ومن جانبها، وصفت صيدلانية من البحيرة خللا آخر في عملية الاستلام، لأن مندوب شركة التوزيع كان يسجل الأصناف عبر التطبيق ثم تقبل الشركة جزءا منها وترفض جزءا آخر، وبعد ذلك يصدر إشعار لا يوضح هل جرى الخصم المالي فعلا أم بقي مجرد رقم معلق.
هنا تدعم الدكتورة منى مينا، وكيلة نقابة الأطباء سابقا وواحدة من الأصوات المدافعة عن الحق في الصحة، زاوية الأثر الإنساني، لأن الأزمة لا تخص الصيدلي وحده، بل تمس ثقة المريض في تداول دواء آمن داخل سوق تضغط فيه الخسائر على الحلقة الأقرب للناس.
رقابة غائبة وشركات تعرف أن العقوبة مؤجلة
اعترف مسؤول في الإدارة المركزية للرقابة الدوائية بأن الهيئة تمتلك وسائل ضغط كثيرة على شركات تصنيع وتوزيع الدواء، لكنها لا تستخدمها نتيجة قوة الشركات خلال السنوات الماضية، وهذا الاعتراف ينقل الأزمة من خانة التعثر الإداري إلى خانة العجز الرقابي المقصود سياسيا.
وبناء على ذلك، لم تعد المشكلة في تأخر شركة أو مندوب أو إشعار إلكتروني، بل في بنية رقابية تسمح للشركات بأن تؤجل السحب وتجزئ التعويض وتضغط لمد المهلة، بينما يعرف الصيدلي أن اعتراضه لن يغير ميزان القوة بينه وبين المنتج والموزع والهيئة.
كما تحدث مصدر نقابي عن ضغوط مورست على الصيادلة لتسليم الأدوية المنتهية تحت تهديد التفتيش والمحاضر، مع غياب مجلس نقابي منتخب قادر على تحريك دعاوى أو فرض مسار تفاوضي عادل، فبدا الصيدلي محاصرا بين سلطة التفتيش ومماطلة الشركات.
وفي السياق نفسه، يخدم الدكتور علاء غنام، مسؤول ملف الحق في الصحة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية سابقا، محور الرقابة العامة، لأن خبرته في سياسات الصحة العامة تضع الدولة أمام مسؤولية واضحة عن تنظيم السوق، لا الاكتفاء بإعلان نسب إنجاز لا يلمسها أصحاب الصيدليات.
ثم تكشف رواية مصدر من لجنة الصحة بمجلس النواب بعدا أخطر، حين أشار إلى أن الهيئة حاولت ترضية شركات تصنيع الدواء بعدما لم توافق على زيادات أسعار مطلوبة، ما يعني أن الصيادلة تحولوا إلى الطرف الأضعف في تسوية غير معلنة بين السلطة والشركات.
ولم تقف الأزمة عند الصيادلة فقط، لأن تراكم الأدوية منتهية الصلاحية داخل الصيدليات يفتح بابا لخطر صحي وتنظيمي، خصوصا عندما يخصص الصيدلي رفوفا واضحة لهذه الأدوية خوفا من التفتيش، بينما لا تتحرك الرقابة بالسرعة نفسها لإجبار الشركات على السحب والتعويض.
واخيرا تؤكد أزمة الأدوية منتهية الصلاحية أن هيئة الدواء المصرية فشلت في تحويل قرارها إلى حماية فعلية للصيدليات والمرضى، لأن إعلان 100% لم ينه خسائر الصيادلة ولم يمنع استمرار المرتجعات على الرفوف، بينما خرجت الشركات من المواجهة بأقل كلفة ممكنة.
ولهذا تبدو حكومة السيسي مسؤولة سياسيا عن منظومة رقابية ترفع شعار ضبط سوق الدواء ثم تترك الحلقة الأضعف تدفع الفاتورة، فلا الصيدلي حصل على مستحقاته ولا المريض اطمأن إلى سلامة التداول، ولا الهيئة استخدمت سلطتها ضد من عطل القرار وأفقده قيمته.

