كشفت وقائع ضبط متلاحقة في القاهرة وبورسعيد وكفر الشيخ والبحيرة والفيوم وسوهاج و6 أكتوبر عن تمدد ظاهرة انتحال صفة طبيب، بعدما دخل غير مؤهلين عيادات ومراكز تجميل وعلاج طبيعي، ووصل بعضهم إلى ممارسة إجراءات جراحية تهدد حياة المرضى.

 

وتفضح هذه الوقائع فشلًا رقابيًا مباشرًا في سوق العلاج الخاص، لأن المواطن الذي يهرب من تدهور الخدمة العامة أو ارتفاع قوائم الانتظار يجد نفسه أمام دعاية طبية مزيفة، ومنشآت بلا ترخيص، وعقوبات ضعيفة لا تمنع تكرار الجريمة.

 

جراح قلب مزيف وعيادات تعمل فوق غياب الرقابة

 

في أحدث الوقائع، سقط شخص قدم نفسه لسنوات باعتباره جراح قلب ورئيس قسم جراحات القلب في جامعة عين شمس، قبل أن تكشف التحقيقات أنه مفصول من كلية الألسن ولا يحمل أي صلة مهنية بالطب.

 

وبحسب تفاصيل القضية، استطاع المتهم تزوير 4 بطاقات رقم قومي متتالية وفتح عيادة في منطقة الوايلي بالقاهرة، ثم ظل يتحرك بصفة طبية مزيفة حتى جرى ضبطه لتنفيذ حكم بالسجن المشدد 10 سنوات.

 

وتكشف هذه الواقعة حجم الخلل في منظومة التحقق من هوية الأطباء، لأن شخصًا لا يحمل مؤهلًا طبيًا استطاع عبور أكثر من بوابة رسمية ومهنية، بينما لم يظهر الخطر إلا بعد سنوات من خداع المرضى.

 

وفي هذا السياق، شدد جمال عميرة وكيل نقابة الأطباء على أن عقوبة انتحال صفة طبيب غير كافية للردع، لأن المخالف يستطيع نقل نشاطه إلى مكان آخر والعودة لاستقبال المرضى تحت اسم جديد.

 

لذلك لا تبدو قضية جراح القلب المزيف حادثًا فرديًا، بل مؤشرًا على سوق طبي خاص يختلط فيه الترخيص الحقيقي بالدعاية المزيفة، وتغيب فيه آلية تحقق سهلة تحمي المريض قبل دخوله غرفة الكشف.

 

من الجلدية إلى السمنة عيادات مزيفة في المحافظات

 

ثم جاءت وقائع بورسعيد لتؤكد اتساع الظاهرة، حيث ضبطت حملة علاج حر مهندسة انتحلت صفة طبيبة جلدية وتجميل داخل مركز غير مرخص، إلى جانب طبيب أسنان قدم نفسه كطبيب تجميل.

 

وبعد ذلك، كشفت محافظة كفر الشيخ عن حالة أخرى لشخص حاصل على بكالوريوس زراعة، ظل يدير شقة سكنية كعيادة طبية للكشف على المواطنين وصرف أدوية وعقاقير مجهولة المصدر لسنوات.

 

كما قادت الصدفة في البحيرة إلى ضبط سيدة حاصلة على بكالوريوس اقتصاد منزلي، تدير مركزًا طبيًا تحت مسمى طبيب تغذية وعلاج سمنة، بما يكشف تحول احتياج المرضى إلى باب للاستغلال.

 

وفي الفيوم، ألقت الجهات المختصة القبض على مصطفى أ بتهمة مزاولة مهنة طبيب تجميل دون ترخيص رسمي، بعدما مارس نشاطه لفترة طويلة وقدم نفسه للناس بلقب الدكتور داخل سوق تجميل منفلت.

 

ويخدم رأي خالد سمير عضو مجلس نقابة الأطباء هذا المحور، إذ ربط انتشار الظاهرة بضعف العقوبات والرقابة، معتبرًا أن هذه الثغرة تشجع أصحاب مؤهلات غير طبية على ممارسة مهنة تمس حياة المرضى.

 

العلاج الطبيعي والتجميل سوق مفتوح للدعاية الكاذبة

 

في مدينة 6 أكتوبر، أغلقت النقابة العامة للعلاج الطبيعي والجهات الرقابية عيادة تديرها سيدة اشتهرت باسم الدكتورة علا، بعد اتهامها بإدارة منشأة طبية دون ترخيص وانتحال صفة طبيب.

 

وبدأت الواقعة في ديسمبر الماضي مع رصد نشاط مكثف للسيدة عبر منصات التواصل، حيث روجت لجلسات علاج طبيعي وادعت امتلاك مؤهلات علمية، قبل أن يتبين أنها ليست حاصلة على بكالوريوس العلاج الطبيعي.

 

وبالتوازي، أحيلت أخصائية علاج طبيعي في أكتوبر الماضي إلى التحقيق بعد ثبوت ممارستها حقن الفيلر والبوتوكس والميزوثيرابي وإجراءات تكميم، وهي أعمال طبية لا تدخل ضمن اختصاص العلاج الطبيعي.

 

وفي سوهاج، ضبطت الجهات المختصة منتحل صفة طبيب يدعى ج ك ع، بعد أن فتح مركزًا طبيًا باسم الشافي ومارس الطب لسنوات قبل سقوطه في يناير 2025.

 

ويرى عبد العاطي محسن أخصائي العلاج الطبيعي أن المهنة قد تتحول إلى خطر حقيقي عندما يمارسها غير المتخصصين، لأن التعامل مع أنسجة الجسم والإصابات يحتاج إلى دراسة علمية لا دورات قصيرة.

 

أرقام الإغلاق لا تكفي أمام قانون ضعيف

 

ورغم إعلان إغلاق أكثر من 300 مركز وهمي خلال 3 سنوات، لا تزال مراكز العلاج غير المرخصة تعمل تحت غطاء الدعاية الكاذبة، مستفيدة من حاجة المرضى للعلاج ومن ضعف الثقة في الرقابة.

 

وتشير البيانات الإحصائية الأخيرة المنسوبة لوزارة الصحة إلى إغلاق أكثر من 3500 منشأة طبية خاصة ومراكز تجميل مخالفة وغير مرخصة، مع تحرير محاضر ضد أكثر من 180 شخصًا انتحلوا صفة طبيب.

 

لكن هذه الأرقام لا تعني نجاح الرقابة، لأنها تكشف في الوقت نفسه حجم السوق غير القانوني الذي نما أمام عين الدولة، ثم صار يحتاج إلى حملات ضبط متكررة بعد تعرض المرضى للخطر.

 

كما تقول نقابة الأطباء إن جوهر الأزمة يرتبط بضعف العقوبات في قانون مزاولة مهنة الطب القديم، حيث لا تزال بعض النصوص لا تتناسب مع فداحة الجريمة ولا مع خطرها على حياة المواطنين.

 

ولهذا تظل جرائم التزوير وحدها هي الباب الأشد للعقاب، كما حدث مع جراح القلب المزيف، بينما تبقى ممارسة الطب دون ترخيص بحاجة إلى تغليظ مستقل يجعل العقوبة رادعة قبل وقوع الضرر.

 

وتنتهي هذه الوقائع إلى نتيجة واضحة، وهي أن حكومة السيسي لا تستطيع الاكتفاء ببيانات الغلق بعد انتشار الخطر، لأن حماية الحق في العلاج تبدأ من رقابة مسبقة وقانون حاسم وقاعدة بيانات علنية للأطباء المرخصين.