كشفت شكاوى متصاعدة داخل الهيئة العامة للاستعلامات عن شبهات فساد إداري تحاصر لجنة اختيار القيادات، بعد استمرارها في أداء مهامها نحو 15 عاما دون تغيير واضح في أعضائها، رغم تعاقب رؤساء الهيئة وتغير الهياكل الإدارية، ما دفع عاملين للمطالبة بتدخل عاجل من السفير علاء يوسف لمراجعة تشكيلها وقراراتها.

 

وتضع الأزمة واحدة من أهم المؤسسات الإعلامية الرسمية في مصر أمام اختبار مباشر، لأن لجنة تتحكم في الترقيات والوظائف الإشرافية طوال هذه المدة لا تعبر فقط عن جمود إداري، بل تفتح باب الشك في احتكار القرار وتمرير اختيارات محددة وإقصاء كفاءات تحت غطاء مقابلات شكلية.

 

 

لجنة ثابتة منذ 15 عاما تتحول إلى مركز نفوذ داخل الهيئة

 

في البداية، تعود جذور الأزمة إلى تشكيل لجنة اختيار القيادات داخل الهيئة العامة للاستعلامات قبل نحو 15 عاما، وفق شكاوى العاملين، خلال فترة رئاسة السفير محمد بدر الدين زايد، ثم استمرت اللجنة نفسها في ممارسة مهامها رغم تغير الإدارات ورؤساء الهيئة.

 

ثم يطرح هذا البقاء الطويل سؤالا إداريا حادا حول سبب تمسك الهيئة بالأسماء نفسها داخل لجنة تمس مستقبل الموظفين والوظائف الإشرافية، لأن لجان اختيار القيادات تحتاج إلى تجديد دوري ومراجعة مهنية حتى لا تتحول إلى دائرة مغلقة تملك قرار الصعود والإقصاء.

 

وبحسب الشكاوى المتداولة داخل الهيئة، لا تقف الأزمة عند مدة بقاء اللجنة فقط، بل تمتد إلى اتهامات بافتقارها إلى التخصص الإعلامي المطلوب، رغم أن الهيئة العامة للاستعلامات مؤسسة إعلامية حساسة تتعامل مع صورة الدولة وخطابها ومراكزها الإعلامية داخليا وخارجيا.

 

لذلك يرى عاملون أن استمرار لجنة غير متخصصة في تقييم مرشحين لقطاعات إعلامية يضع القرار الإداري تحت شبهة عدم المهنية، لأن اختيار قيادة إعلامية لا يقوم على الانطباع الشخصي، بل على خبرة اتصال وإدارة محتوى وفهم لطبيعة العمل الجماهيري.

 

وفي هذا المحور، يخدم رأي يحيى قلاش، نقيب الصحفيين الأسبق، زاوية استقلالية القرار المهني، لأن خبرته النقابية والإعلامية تربط بين اختيار القيادات في المؤسسات ذات الصلة بالإعلام وبين الشفافية والكفاءة ورفض تحويل المواقع المهنية إلى دوائر ولاء.

 

كما أن استمرار اللجنة طوال هذه السنوات، وفق الشكاوى، أضعف ثقة الموظفين في عدالة المسابقات، لأن المتقدم عندما يشعر بأن النتيجة محسومة مسبقا أو خاضعة لعلاقات نفوذ، يتعامل مع المقابلة باعتبارها إجراء شكليا لا اختبارا حقيقيا للكفاءة.

 

ومن هنا، تتحول شبهات الفساد الإداري من اتهام عام إلى سؤال مؤسسي محدد، من اختار أعضاء اللجنة، ومن راجع أداءهم، ومن قيّم قراراتهم السابقة، ولماذا لم تتغير اللجنة رغم أن مواقع القيادة داخل الهيئة تحتاج إلى دماء مهنية جديدة.

 

 

مخالفات قانون الخدمة المدنية تفتح باب الطعن على قرارات القيادات

 

على الجانب القانوني، تستند الانتقادات إلى قواعد قانون الخدمة المدنية ولائحته التنفيذية بشأن شغل الوظائف القيادية والإشرافية، خصوصا ما يتعلق بالإعلان عن الوظائف غير المشغولة وتحديد شروطها ووصف مهامها ومعايير التقدم إليها بصورة واضحة وشفافة.

 

ثم تتهم الشكاوى اللجنة بمخالفة روح المادة 52 من قانون الخدمة المدنية ولائحته التنفيذية، لأن العاملين يتحدثون عن غياب إعلان واضح ومعايير معلنة لبعض المواقع، وعن مقابلات لا تلتزم بوجود قيادة من نفس الوحدة التي تجرى عليها التقييمات.

 

وبناء على ذلك، تصبح قرارات اللجنة الأخيرة معرضة للطعن إذا ثبت أن إجراءات الإعلان أو التشكيل أو المقابلات خالفت القواعد المنظمة، لأن الوظيفة العامة ليست منحة من لجنة ثابتة، بل حق تنافسي يخضع لقواعد معلنة وتكافؤ فرص.

 

وفي هذا السياق، يخدم رأي خالد علي، المحامي الحقوقي، محور المشروعية وحماية الحق في الوظيفة العامة، لأن مسار الوظائف القيادية لا ينفصل عن مبدأ تكافؤ الفرص، وحق الموظف في منافسة عادلة يمكن مراجعتها أمام القضاء الإداري.

 

كذلك يقرر قانون الخدمة المدنية أن التعيين في الوظائف القيادية والإشرافية يتم عبر مسابقة معلنة، وأن لجنة الاختيار تعمل لمدة أقصاها 3 سنوات قابلة للتجديد بحد أقصى 3 سنوات أخرى، وهو ما يجعل استمرار لجنة واحدة 15 عاما موضع سؤال قانوني وإداري.

 

وفقا لمصادر قانونية منشورة، يشترط قانون الخدمة المدنية في شاغلي الوظائف القيادية والإشرافية التأكد من صفات النزاهة، كما تضع اللائحة التنفيذية قواعد الاختيار وتشكيل اللجنة والتأهيل وتقييم النتائج، بما يجعل شفافية اللجنة جزءا من سلامة القرار لا تفصيلا جانبيا.

 

وبسبب ذلك، لا يكفي أن ترد إدارة الهيئة بعبارات عامة عن انتظام العمل، لأن الأزمة تتطلب نشر معايير الاختيار، وإعلان أسماء أعضاء اللجنة وصفاتهم، وتوضيح سبب استمرارهم، وفتح باب مراجعة نتائج المسابقات التي أثارت غضب العاملين.

 

كما أن إبقاء الملف داخل المكاتب المغلقة سيزيد الشكوك، لأن كل قرار ترقية جديد تصدره اللجنة نفسها سيبدو امتدادا لمسار متهم باختيار أشخاص بعينهم، وهو ما يهدد الاستقرار الإداري ويجعل الجهاز الإعلامي الرسمي فاقدا للثقة داخليا.

 

 

تضارب المصالح والإقصاء يضعان نسرين البغدادي في قلب الجدل

 

في المقابل، تضع شكاوى العاملين ضد الدكتورة نسرين البغدادي في قلب الجدل، بسبب اتهامات تتعلق بتأثيرها داخل لجنة القيادات وفرض رؤيتها على عملية الاختيار، إضافة إلى تساؤلات حول علاقتها بالمجلس القومي للمرأة واختيار سيدات من داخل الهيئة لمواقع إشرافية.

 

ثم تشير الشكاوى إلى أن البغدادي، وهي نائبة رئيسة المجلس القومي للمرأة بحسب بيانات منشورة، تواجه انتقادات من عاملين يرون أن وجودها ونفوذها داخل اللجنة قد يفتحان باب تضارب المصالح، خصوصا إذا ارتبطت اختيارات إشرافية بمسارات خارج الهيئة.

 

وفي هذا الموضع، يخدم رأي نجاد البرعي، المحامي الحقوقي، محور تضارب المصالح والشفافية، لأن مواقفه العامة في ملفات الإدارة والحقوق تؤكد أن غياب الإفصاح والمساءلة يحول السلطة الإدارية إلى مساحة مغلقة يصعب على المتضررين إثبات الانحراف داخلها.

 

كذلك تستحضر الشكاوى واقعة مسابقة القيادات عام 2022، حيث يقول عاملون إن أحد المتقدمين من ذوي الاحتياجات الخاصة تعرض لضغط للاعتذار عن واقعة قديمة قبل بدء المقابلة، ثم استُبعد بعد رفضه الاعتذار، وهي واقعة تحتاج إلى تحقيق مستقل.

 

وبحسب الروايات المتداولة داخل الهيئة، لا تتوقف الانتقادات عند واقعة واحدة، بل تمتد إلى أسلوب تعامل يتسم بالتوبيخ العلني وفرض الرؤية على أعضاء اللجنة، وهو ما يفرغ المقابلات من مضمونها إذا صح، ويحول التقييم إلى أداة إذلال لا اختبار كفاءة.

 

ومن ناحية إدارية، يفرض هذا الجدل على السفير علاء يوسف مسؤولية مباشرة، بعدما تولى رئاسة الهيئة العامة للاستعلامات في أبريل 2026، لأن موقعه الجديد يمنحه فرصة لتفكيك إرث لجنة استمرت 15 عاما وإعادة بناء مسار القيادات على أساس التخصص والإعلان والشفافية.

 

وفي النهاية، لا يمكن إصلاح هيئة الاستعلامات مع بقاء لجنة القيادات نفسها فوق المراجعة، لأن شبهة الفساد الإداري لا تعالج بتسكين الغضب، بل بتشكيل لجنة جديدة، وفحص قرارات السنوات الأخيرة، وإعلان معايير واضحة تمنع احتكار المناصب داخل مؤسسة إعلامية رسمية.

 

وبهذا المعنى، تصبح قضية لجنة القيادات اختبارا مبكرا لرئيس الهيئة الجديد، فإذا ترك اللجنة تمارس عملها بالوجوه نفسها، فستستمر الشبهات وتضعف ثقة العاملين، أما إذا أعاد تشكيلها وفتح ملفاتها القديمة، فسيبدأ تفكيك النفوذ الذي حاصر الترقيات طوال 15 عاما.