كشفت دراسة صادرة عن مؤسسة ديوان العمران البحثية المستقلة أن حكومة السيسي نزعت ملكية نحو 88.8 ألف فدان لصالح 525 مشروعا بين عامي 2021 و2025، ما أثر على أكثر من 136 ألف أسرة، بإجمالي يقترب من 546 ألف مواطن.
وتضع هذه الأرقام مشروعات الطرق والكباري والتوسع العمراني أمام سؤال إنساني مباشر، لأن نزع الملكية لا يعني نقل ملكية على الورق فقط، بل يعني اقتلاع أسر من بيوت وأراض وشبكات معيشة، مقابل تعويضات لا تقيس وحدها خسارة المكان والرزق والذاكرة الاجتماعية.
نزع الملكية يتحول إلى موجة إزاحة واسعة
في البداية، اعتمدت دراسة ديوان العمران على تحليل قرارات نزع الملكية المنشورة رسميا من الجهات الحكومية، بهدف قياس التأثيرات الاجتماعية والعمرانية للمشروعات العامة على السكان والممتلكات خلال فترة امتدت من 2021 إلى 2025.
ثم أظهرت الدراسة أن عمليات نزع الملكية شملت 88,769 فدانا، و19,627 عقارا، و32,533 قطعة أرض، و110,537 وحدة سكنية، وهي أرقام تكشف أن المسألة تجاوزت حدود قرارات منفردة إلى موجة واسعة أعادت تشكيل مناطق كاملة.
وبحسب الدراسة، بلغ عدد الأسر المتضررة 136,519 أسرة، فيما وصل عدد الأشخاص المتأثرين مباشرة إلى 546,077 شخصا، وفق منهجية تقديرية اعتمدت متوسط 4 أفراد لكل أسرة واستخدمت الخرائط وصور الأقمار الصناعية عند غياب البيانات التفصيلية.
لذلك لا يمكن وصف ما جرى بأنه إجراء إداري محدود لصالح منفعة عامة، لأن نصف مليون شخص تقريبا يعني مدارس تغيرت، وأعمالا تضررت، وأحياء فقدت سكانها، وشبكات اجتماعية جرى تفكيكها تحت عنوان تطوير البنية التحتية.
كما سجل عام 2022 أعلى مستويات نزع الملكية وتأثيراتها الاجتماعية خلال فترة الرصد، وهو توقيت ارتبط بتوسع كبير في تنفيذ المشروعات القومية والمحاور والطرق، قبل أن تتغير وتيرة القرارات والتعويضات في الأعوام التالية.
وفي هذا المحور، يخدم رأي يحيى شوكت، الباحث العمراني ومؤسس مرصد العمران، جوهر القضية، لأنه يشدد في كتاباته على أن نزع الملكية استثناء دستوري مشروط بالمنفعة العامة والتعويض العادل والمسبق لا أداة تخطيط يومية.
وبناء على ذلك، يصبح استخدام نزع الملكية بهذا الاتساع مؤشرا خطرا على علاقة الدولة بالملكية الخاصة، لأن الأصل أن يحظى السكان بمعلومات كافية وحق اعتراض وتعويض عادل قبل الإخلاء، لا أن يكتشفوا مصير بيوتهم عبر قرارات منشورة.
كذلك تكشف الدراسة أن الوحدات السكنية كانت الفئة الأكبر بين الأصول المتضررة، وهو ما يعني أن الضرر لا يقتصر على الأراضي المفتوحة أو العقارات الخالية، بل يمتد إلى منازل قائمة عاش فيها الناس سنوات وربطوا بها حياتهم اليومية.
ومن هنا، يصبح سؤال المنفعة العامة ناقصا إذا لم يتضمن أثر المشروع على البشر، لأن الطريق أو المحور قد يختصر زمنا للسيارات، لكنه قد يطرد عائلة من بيتها أو ينتزع أرضا زراعية من صاحبها أو يقطع حيا عن جذوره.
القاهرة والجيزة تدفعان ثمن الكثافة العمرانية
في المقابل، أظهرت الدراسة أن محافظة مطروح تصدرت المحافظات من حيث المساحات المنزوعة بإجمالي 49,939 فدانا، مدفوعة بمشروعات استثمارية وساحلية ضخمة، بينها رأس الحكمة، لكن القاهرة سجلت أعلى مؤشر لشدة نزع الملكية.
وبسبب الكثافة السكانية والعمرانية، سجلت القاهرة 1,086.16 نقطة على مؤشر شدة نزع الملكية، تلتها الجيزة بـ784.72 نقطة، بينما سجلت محافظات مثل المنوفية والغربية مستويات مرتفعة نسبيا رغم محدودية المساحات المنزوعة داخلها.
وتوضح هذه المفارقة أن المساحة وحدها لا تكشف حجم الضرر، لأن نزع فدان داخل كتلة سكنية مكتظة قد يضر عشرات الأسر، بينما نزع مساحة أكبر في منطقة منخفضة الكثافة قد يكون أثره البشري المباشر أقل.
كما تصدرت القاهرة قائمة المتضررين بإجمالي 201,639 شخصا، تلتها الجيزة بـ157,476 شخصا، وهو ما يؤكد أن القاهرة الكبرى كانت ساحة رئيسية لتأثيرات المحاور وإعادة التخطيط الحضري ومشروعات الطرق.
وفي هذا السياق، يخدم رأي ديفيد سيمز، الباحث العمراني وصاحب دراسات عن القاهرة، محور الكثافة والعمران، لأنه انتقد سابقا نمط التخطيط الذي يعطي الأولوية للمشروعات الكبرى على حساب النسيج العمراني القائم واحتياجات السكان.
لذلك لا تبدو المشكلة في نقل أسرة من مكان إلى آخر فقط، بل في فقدان موقع العمل القريب والمدرسة والعائلة والجيرة وشبكة المواصلات اليومية، وهي خسائر لا تظهر في خانة التعويض النقدي ولا تعوضها شقة بعيدة أو مبلغ متأخر.
ثم إن تركز نزع الملكية داخل القاهرة والجيزة يعني أن الدولة تدخل إلى مناطق مأهولة وممتلئة بالحياة، لا إلى فراغ عمراني، وهو ما يجعل كل قرار نزع ملكية قرارا يمس حياة سكان لا مجرد خط على خريطة مشروع.
وبالتوازي، تكشف أرقام العقارات أن القاهرة وحدها سجلت 10,246 عقارا متأثرا، تلتها الجيزة بـ4,459 عقارا، بينما سجلت الإسكندرية 606 عقارات خلال 2025 ضمن مشروعات التطوير الساحلي والتوسعات العمرانية.
ومن ثم، تصبح كثافة الضرر في القاهرة الكبرى نتيجة مباشرة لاختيار الدولة مسارات مشروعاتها عبر مناطق مأهولة، بدلا من فتح نقاش عام مبكر حول البدائل الأقل كلفة على السكان أو تعديل المسارات أو تقليل الإزاحة.
الطرق والكباري تتصدر والتعويضات لا تكفي
على مستوى القطاعات، تصدر قطاع الطرق والكباري جميع القطاعات من حيث شدة نزع الملكية بقيمة 1,655.40 نقطة، كما سجل العدد الأكبر من المشروعات بإجمالي 157 مشروعا، نتيجة التوسع في المحاور المرورية والطرق الإقليمية.
وبحسب الدراسة، ارتبطت سياسات نزع الملكية بين 2021 و2025 بصورة مباشرة بموجة التوسع العمراني والبنية التحتية والمشروعات القومية، ما أسهم في إعادة تشكيل الخريطة الاجتماعية والعمرانية داخل محافظات عدة.
لكن التركيز على الطرق لا يعني أن المنفعة العامة محسومة تلقائيا، لأن طريقا جديدا قد ينقل السيارات بسرعة، بينما يفرض على سكان الهدم خسارة بيت وسوق ومورد رزق، خصوصا عندما تغيب المشاركة الشعبية قبل تحديد مسار المشروع.
وفي هذا المحور، يخدم رأي خالد علي، المحامي المتخصص في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، زاوية المساءلة القانونية، لأن نزع الملكية للمنفعة العامة يجب أن يخضع لتعويض عادل ومسبق وحق حقيقي في الطعن قبل الإزالة لا بعدها.
لذلك تبدو التعويضات البالغة 55.2 مليار جنيه خلال فترة الدراسة رقما كبيرا في الظاهر، لكنها لا تعني بالضرورة عدالة الضرر، لأن المال لا يقيس وحده الإزاحة السكنية وفقدان الروابط الاجتماعية وأنماط المعيشة المرتبطة بالمكان.
كما تصدرت المشروعات الإقليمية العابرة للمحافظات قائمة التعويضات بإجمالي 20.07 مليار جنيه، وجاءت الجيزة أولى المحافظات من حيث قيمة التعويضات بنحو 11.78 مليار جنيه، تلتها القاهرة بـ10.28 مليار جنيه ثم الإسكندرية بـ4.83 مليار جنيه.
وبالزمن، سجل عام 2023 أعلى مستوى للإنفاق على التعويضات بإجمالي 16.7 مليار جنيه، مقارنة بـ15.6 مليار جنيه في 2022 و13.4 مليار جنيه في 2021، قبل أن تتراجع إلى 4.31 مليار جنيه في 2024.
غير أن تراجع التعويضات لا يعني نهاية الضرر، لأن قرارات السنوات السابقة تستمر آثارها بعد الهدم والنقل، وتظهر في فقدان العمل القريب وتغير المدارس وارتفاع تكاليف الانتقال وتفكك الروابط داخل المناطق التي أعيد تخطيطها.
إلى جانب ذلك، تكشف الدراسة أن ضخامة التعويض لا تلغي شدة النزع في القاهرة والجيزة، لأن المحافظتين جمعتا بين تعويضات مرتفعة ومؤشر ضرر عال نتيجة كثافة السكان واتساع إزالة الكتل العمرانية القائمة.
وفي النهاية، تظهر أرقام ديوان العمران أن نزع الملكية في مصر لم يعد استثناء محدودا، بل صار أداة واسعة في تنفيذ مشروعات الطرق والكباري والتوسع العمراني، على حساب مئات الآلاف الذين يدفعون كلفة اجتماعية لا تظهر في نشرات الإنجاز.
وبهذا المعنى، لا تكفي الحكومة أن ترفع لافتة المنفعة العامة فوق كل مشروع، لأن المنفعة التي تنتزع بيتا أو أرضا أو وحدة سكنية من مواطن يجب أن تثبت عدالتها وضرورتها، وأن تمنح المتضرر تعويضا عادلا ومسبقا وحقا كاملا في الاعتراض.

