في الوقت الذي تواصل فيه حكومة عبدالفتاح السيسي، الإعلان عن اكتشافات جديدة للغاز الطبيعي وتأكيد خططها لزيادة الإنتاج المحلي، تكشف بيانات حديثة عن استمرار الاعتماد على الواردات الإسرائيلية لتلبية احتياجات السوق المحلية، خاصة مع تصاعد الطلب على الطاقة خلال فصل الصيف وارتفاع استهلاك الكهرباء.
وأظهرت معلومات مطلعة بقطاع البترول أن تدفقات الغاز الطبيعي الإسرائيلي إلى مصر شهدت زيادة ملحوظة خلال الأسابيع الأخيرة، في خطوة تستهدف مواجهة الضغوط المتزايدة على منظومة الطاقة المحلية وضمان استمرار إمدادات الوقود اللازمة لتشغيل محطات الكهرباء والمصانع.
زيادة واردات الغاز الإسرائيلي بنسبة 26%
وبحسب مصدر مطلع على ملف الواردات بوزارة البترول، ارتفعت كميات الغاز الطبيعي الواردة من إسرائيل بنحو 26% منذ منتصف شهر مايو الجاري، لتصل إلى نحو 1.2 مليار قدم مكعب يوميًا، مقارنة بنحو 950 مليون قدم مكعب يوميًا في بداية الشهر نفسه.
وأوضح المصدر أن الزيادة اليومية بلغت في المتوسط نحو 250 مليون قدم مكعب، جرى ضخها مباشرة إلى الشبكة القومية للغاز الطبيعي، قبل توزيعها على القطاعات الأكثر استهلاكًا للطاقة، وفي مقدمتها قطاع الكهرباء والصناعات كثيفة الاستهلاك للغاز.
وتأتي هذه الزيادة في وقت تشهد فيه البلاد ارتفاعًا متسارعًا في الطلب على الكهرباء نتيجة ارتفاع درجات الحرارة وزيادة استخدام أجهزة التبريد، ما يفرض ضغوطًا إضافية على منظومة إنتاج الطاقة.
قفزة في استهلاك الكهرباء
وتشير البيانات إلى أن أحمال الشبكة القومية للكهرباء سجلت منذ بداية مايو ارتفاعًا ملحوظًا بلغ نحو 34 ألف ميجاوات يوميًا، بزيادة تقدر بنحو 9% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
هذا الارتفاع انعكس مباشرة على معدلات استهلاك الغاز الطبيعي داخل محطات توليد الكهرباء، التي تحتاج إلى كميات إضافية من الوقود لتلبية الطلب المتزايد على الطاقة الكهربائية، وهو ما دفع الحكومة إلى تعزيز وارداتها من الغاز الإسرائيلي لسد العجز المؤقت بين الإنتاج المحلي والاستهلاك الفعلي.
الاعتماد على الغاز الإسرائيلي
وأكد المصدر أن الغاز الإسرائيلي أصبح خلال السنوات الأخيرة أحد المصادر الرئيسية التي تعتمد عليها مصر لسد الفجوة القائمة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك المتزايد.
ورغم استمرار برامج البحث والاستكشاف والتنمية في الحقول المصرية، فإن الإنتاج المحلي لا يزال يدور حول 4.2 مليار قدم مكعب يوميًا، وهو مستوى لا يكفي بمفرده لتغطية الاحتياجات المتنامية للسوق، خصوصًا خلال فترات الذروة.
وتسعى وزارة البترول، وفق التصريحات الرسمية، إلى تقليص الاعتماد على الواردات تدريجيًا عبر تسريع عمليات تنمية الحقول الجديدة وزيادة معدلات الإنتاج المحلي، إلا أن تحقيق هذا الهدف يحتاج إلى استثمارات ضخمة وفترات زمنية طويلة نسبيًا قبل ظهور نتائج ملموسة على أرض الواقع.
صفقة استراتيجية ممتدة حتى 2040
وكانت شركة نيوميد إنرجي الإسرائيلية، الشريك الرئيسي في حقل ليفياثان، قد أعلنت في أغسطس الماضي عن تعديل اتفاقية تصدير الغاز إلى مصر في صفقة وُصفت بأنها الأكبر في تاريخ صادرات الغاز الإسرائيلية.
وبموجب الاتفاق الجديد، ارتفعت الكميات المتعاقد عليها بصورة كبيرة، حيث تم تمديد العلاقة التعاقدية بين الجانبين حتى عام 2040، مع التزام بتصدير نحو 130 مليار متر مكعب من الغاز إلى مصر، مقارنة بنحو 60 مليار متر مكعب فقط كانت منصوصًا عليها في الاتفاق الأصلي الممتد حتى عام 2030.
وتبلغ القيمة الإجمالية للاتفاق نحو 35 مليار دولار، ما يجعله إحدى أكبر صفقات الطاقة في منطقة شرق المتوسط خلال السنوات الأخيرة.
اكتشافات جديدة في الصحراء الغربية
في المقابل، تواصل الحكومة الترويج لنتائج أعمال الاستكشاف والتنمية باعتبارها الطريق الرئيسي لتحقيق الاكتفاء الذاتي وتقليل الحاجة إلى الاستيراد.
وفي هذا السياق أعلنت السلطات نهاية الأسبوع الماضي عن تحقيق شركة عجيبة للبترول كشفًا جديدًا للغاز في الصحراء الغربية، وصف بأنه الأكبر للشركة خلال خمسة عشر عامًا.
وتشير التقديرات الأولية إلى احتواء الكشف على نحو 330 مليار قدم مكعب من الغاز الطبيعي، إضافة إلى 10 ملايين برميل من المتكثفات البترولية والزيت الخام، بإجمالي احتياطيات تقدر بنحو 70 مليون برميل مكافئ.
جدل اقتصادي وسياسي متواصل
ورغم المبررات الحكومية المرتبطة بتأمين احتياجات الطاقة، فإن ملف استيراد الغاز من إسرائيل لا يزال يثير جدلًا واسعًا داخل الأوساط الاقتصادية والسياسية.
فقد دعا عدد من الاقتصاديين والكتاب خلال السنوات الماضية إلى وقف استيراد الغاز الإسرائيلي، معتبرين أن الاعتماد المتزايد على مصدر خارجي واحد يحمل مخاطر استراتيجية واقتصادية قد تؤثر على أمن الطاقة المصري في المستقبل.
ويؤكد أصحاب هذا الرأي أن ربط جزء من احتياجات الطاقة المصرية بإمدادات قادمة من إسرائيل قد يجعل الاقتصاد المصري أكثر عرضة للتقلبات السياسية أو الأزمات الإقليمية، خاصة في ظل التوترات المتكررة التي تشهدها المنطقة.
وفي هذا الإطار، سبق أن حذر الصحفي الاقتصادي مصطفى عبدالسلام من تداعيات الاعتماد المتزايد على الغاز الإسرائيلي، معتبرًا أن أمن الطاقة يجب أن يستند بالأساس إلى الإنتاج المحلي وتنويع مصادر الإمداد، بما يضمن استقرار السوق وحماية القطاعات الحيوية من أي اضطرابات محتملة.
وبين الاكتشافات الجديدة وخطط زيادة الإنتاج من جهة، واستمرار الحاجة إلى الواردات لتلبية الطلب المتنامي من جهة أخرى، يظل ملف الغاز الطبيعي أحد أكثر الملفات الاقتصادية حساسية في مصر، وسط تساؤلات متزايدة حول قدرة الإنتاج المحلي على استعادة التوازن وتقليص الاعتماد على الواردات خلال السنوات المقبلة.

