أظهرت تقارير صحفية دولية أن مصر نشرت مقاتلات "رافال" في الإمارات، قبل أن يظهر عبد الفتاح السيسي في أبوظبي متفقداً الطائرات والطيارين المصريين إلى جانب محمد بن زايد؛ لتتحول الخطوة من ترتيب عسكري صامت إلى رسالة سياسية علنية وسط حرب إيران.

 

وتضع هذه الخطوة الحكومة المصرية أمام اتهام مباشر بإدخال الجيش في معادلة خليجية مرتبكة؛ لأن القاهرة لم تعلن تفاصيل الانتشار ولا مدته ولا أساسه القانوني، بينما يدفع المصريون ثمن سياسة خارجية صارت تتحرك تحت ضغط المال الإماراتي وحسابات البقاء الاقتصادي.

 

 

انتشار "رافال" يكشف قراراً عسكرياً يفتقر إلى الشفافية

 

بدأت القصة عندما بثت وسائل إعلام إماراتية رسمية لقطات للسيسي ومحمد بن زايد أمام مقاتلات "رافال" مصرية، بينما أدى نحو 12 طياراً مصرياً التحية العسكرية، وقال السيسي إن كل ما يضر الإمارات يضر مصر، في عبارة ربطت أمن القاهرة مباشرة بحسابات أبوظبي.

 

ولم يعرف المصريون بوجود هذه المقاتلات في الإمارات إلا بعد زيارة السيسي، بحسب صحيفة "فايننشال تايمز"؛ وهو ما جعل الإعلان يأتي من الخارج لا من مؤسسات الدولة المصرية، وكأن القرار العسكري لا يحتاج إلى رقابة سياسية ولا إلى شرح للرأي العام داخل مصر.

 

وأكد جيريمي بيني، محرر الشؤون الدفاعية في مجلة "جينز"، أن وزارة الدفاع الإماراتية كشفت في 7 مايو 2026 عن نشر مصر مقاتلات "رافال" متعددة المهام في الإمارات، وهو تأكيد مهني يحول الواقعة من صورة بروتوكولية إلى انتشار عسكري فعلي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.

 

وبحسب تقارير متابعة للصور الإماراتية، بدا أن وجود الطيارين والطائرات داخل الإمارات يرتبط بقاعدة عسكرية في أبوظبي، بينما التزمت القاهرة الغموض واكتفت بخطاب التضامن، وهو صمت يضاعف القلق من طبيعة المهمة، وما إذا كانت دفاعية رمزية أم مشاركة في تموضع أوسع.

 

ثم زادت حساسية المشهد لأن الحرب على إيران دفعت دول الخليج إلى طلب دعم دفاعي أوضح من الحلفاء، فيما ظلت مصر حذرة من الانجرار إلى مواجهة مباشرة، قبل أن تقدم هذا الانتشار باعتباره رسالة طمأنة للإمارات، لا موقفاً معلناً من مسار الحرب نفسه.

 

لذلك لا تبدو المشكلة في التعاون العسكري من حيث المبدأ، بل في إدارته من وراء ظهر المواطنين؛ لأن إرسال مقاتلات مصرية إلى دولة مشاركة في حسابات صراع إقليمي يحتاج إلى إعلان واضح وحدود معلنة، لا إلى لقطة تلفزيونية تكشف ما أخفته القاهرة.

 

 

أبوظبي تضغط بالمال والقاهرة تدفع بالسياسة

 

تقول "فايننشال تايمز" إن الانتشار المصري بدا محاولة لتهدئة توتر مع أبوظبي، بعدما انتقدت الإمارات دولاً عربية لعدم بذل جهد أكبر في دعم دفاعها ضد الهجمات الإيرانية، وهذا المعنى يضع القاهرة في موقع الحليف الذي يرسل رمزاً عسكرياً لتخفيف غضب الداعم المالي.

 

وتملك الإمارات أوراق ضغط ثقيلة على مصر، فهي مستثمر رئيسي في الاقتصاد المصري، كما وفرت صفقة "رأس الحكمة" البالغة 35 مليار دولار دفعة مالية حاسمة عام 2024، في وقت كانت فيه القاهرة تواجه أزمة عملة وديوناً مرتفعة وضغوطاً على الجنيه.

 

وفوق ذلك، تشكل تحويلات المصريين العاملين في الإمارات مورداً مهماً للعملة الأجنبية؛ وقد أشارت "فايننشال تايمز" إلى وجود نحو 500 ألف مصري في الدولة الخليجية، وهو رقم يفسر حساسية القاهرة أمام أي توتر مع أبوظبي في ظل اقتصاد يعتمد على الدولارات القادمة من الخارج.

 

وقال إتش إيه هيليير، الباحث المشارك في "المعهد الملكي للخدمات المتحدة" بلندن، إن الإمارات تتوقع دعماً في القضايا التي تعتبرها أولوية مقابل ما قدمته لمصر خلال 15 عاماً، وهذا الرأي يشرح منطق المقايضة السياسية وراء مشهد الطائرات أكثر مما يبرره أمنياً.

 

وبهذا المعنى، لا يظهر الانتشار العسكري كقرار مستقل نابع من تقدير مصري صرف، بل كجزء من علاقة غير متكافئة بين دولة مدينة اقتصادياً وحليف خليجي يطلب ترجمة الدعم المالي إلى اصطفاف سياسي وعسكري عند الأزمات، حتى لو خالف المزاج الشعبي المصري.

 

كما تضيف الحرب على إيران ضغطاً اقتصادياً جديداً على القاهرة، إذ ربطت تقارير اقتصادية بين الصراع وارتفاع تكلفة الطاقة وخروج أموال ساخنة وضغوط على الجنيه، ما يجعل الحكومة أكثر هشاشة أمام أي غضب خليجي، وأكثر استعداداً لتقديم إشارات ولاء سياسية مكلفة.

 

 

انقسام عربي ومزاج مصري غاضب من تل أبيب

 

كشفت الحرب ضد إيران عن انقسامات عربية أوسع، إذ تحدثت تقارير عن تقارب بين الرياض وإسلام آباد وأنقرة والقاهرة في مسارات وساطة لوقف الحرب، مقابل شكوك إماراتية في أي وساطة قد تبقي النظام الإيراني قوياً، وتعزز في نظر أبوظبي مساواة غير مقبولة بينها وبين طهران.

 

وقال مايكل وحيد حنا، رئيس البرنامج الأمريكي في "مجموعة الأزمات الدولية"، إن مشاركة مصر في المفاوضات بدت من وجهة نظر الإمارات كأنها تخلق مساواة غير مقبولة بين الإمارات وإيران، وهو تقييم يفسر غضب أبوظبي من الدور المصري الوسيط لا من موقف عسكري فقط.

 

وأضاف حنا أن القاهرة راقبت تعامل الإمارات مع باكستان، بعدما طلبت أبوظبي في أبريل سداداً فورياً لقرض بقيمة 3.5 مليار دولار كانت إسلام آباد تتوقع تجديده، وهي خطوة فسرها مراقبون باعتبارها رسالة عقابية مرتبطة بدور باكستان في الوساطة.

 

وفي المقابل، أثار قرار الإمارات مضاعفة علاقاتها مع تل أبيب خلال الحرب غضباً واسعاً في الرأي العام المصري؛ لأن المصريين يتابعون حرب الاحتلال على غزة منذ نحو عامين، ويرون أن أي تقارب إضافي مع تل أبيب يأتي فوق دماء الفلسطينيين لا بعيداً عنها.

 

ومن هنا، اتجه مستخدمون مصريون على وسائل التواصل الاجتماعي إلى انتقاد الإمارات بحدة، وهو ما أثار استياء داخل الدولة الخليجية، بحسب التقرير، وكشف فجوة بين مزاج شعبي مصري متعاطف مع ضحايا الحرب وقرار رسمي يحاول طمأنة أبوظبي مهما كانت كلفة الصورة داخلياً.

 

وعلق هيليير بأن الإماراتيين لم يكونوا راضين عن الرأي العام المصري؛ لأنه متعاطف جداً مع الإيرانيين الذين يتعرضون لهجمات من الاحتلال والأمريكيين، وهذا التعليق يكشف أن الأزمة لم تعد بين عواصم فقط، بل بين شارع مصري غاضب ومحور إقليمي يطلب الصمت.

 

ورغم مرور نحو 50 عاماً على اتفاق السلام بين مصر وتل أبيب، لم تلن مواقف المصريين تجاه الاحتلال، بل ازدادت تصلباً بعد 7 أكتوبر، كما بقيت العقيدة العسكرية المصرية تاريخياً مبنية على احتمال الدفاع عن النفس في مواجهة تل أبيب، لا الاصطفاف معها في مسرح إقليمي واحد.

 

لهذا يصبح إرسال مقاتلات "رافال" إلى الإمارات اختباراً سياسياً خطيراً؛ لأن الحكومة لا تكتفي بموازنة علاقتها مع أبوظبي وطهران، بل تقترب من بيئة أمنية تتداخل فيها حسابات الإمارات وتل أبيب وواشنطن، بينما لا يحصل المصريون على تفسير رسمي صريح لما يجري باسمهم.

 

وفي النهاية، تكشف مقاتلات مصر في الإمارات مأزق سياسة خارجية تدار بمنطق الاحتياج لا بمنطق المصلحة الوطنية المعلنة؛ فالحكومة التي أخفت الانتشار ثم حولته إلى عرض ولاء لأبوظبي، تضع الجيش في قلب صراع إقليمي وتترك المصريين أمام سؤال بلا إجابة: مَن يقرر حدود تورط مصر؟