كشفت بيانات قطاع الكهرباء في مصر تراجع استهلاك التيار خلال ذروة الأحمال بنحو 500 ميغاواط، ليسجل الحمل الأقصى قرابة 33 ألف ميغاواط، مقارنة بنحو 34 ألف ميغاواط الأسبوع الماضي، بعد تحسن الأحوال الجوية وانخفاض درجات الحرارة، ما خفف ضغط أجهزة التكييف على الشبكة القومية.
بينما يطرح استمرار شكاوى قطع التيار في عدد من المحافظات سؤالا سياسيا مباشرا عن معنى الأرقام الرسمية في حياة المواطنين، لأن الحكومة تعلن فائضا وقدرات توليد ضخمة، لكن الأسر تواجه انقطاعات محلية تربك المعيشة والعمل والدراسة، وتكشف فجوة واضحة بين خطاب الاستقرار وتجربة الخدمة اليومية.
الطقس خفف الأحمال ولم يلغ سؤال قطع التيار
وبعد موجة حرارة رفعت الاعتماد على أجهزة التكييف والتبريد، أدى انخفاض درجات الحرارة إلى تقليص الطلب خلال ساعات الذروة المسائية، وهي الفترة التي تسجل عادة أعلى ضغط على الشبكة، لذلك جاء تراجع استهلاك الكهرباء نتيجة مناخية مباشرة لا نتيجة إصلاح حكومي ملموس يشعر به المواطن في منزله.
وفي هذا السياق، يربط الدكتور هاني النقراشي، عضو المجلس الاستشاري العلمي لرئاسة الجمهورية لشؤون الطاقة، بين الاستهلاك الصيفي واستخدام المكيفات في البلاد الحارة، إذ يرى أن الطلب على الكهرباء يزيد بوضوح مع التبريد، وهو ما يجعل تحسن الطقس عاملا حاسما في خفض الأحمال لا إنجازا إداريا.
غير أن الحكومة تتعامل مع رقم 500 ميغاواط كعلامة اطمئنان، بينما لا يملك المواطن في المناطق المتضررة معيارا سوى استمرار التيار داخل بيته، فالحمل القومي قد يتراجع على شاشات التحكم، لكن محولا متهالكا أو خطا ضعيفا في حي مزدحم يكفي لتحويل الفائض المعلن إلى خدمة منقطعة.
لذلك لا يجيب تراجع الاستهلاك وحده على السؤال الأشد إلحاحا، هل انخفض الحمل لأن الطقس تحسن فعلا، أم لأن بعض المناطق تحملت انقطاعات غير معلنة، فغياب بيانات تفصيلية عن الأعطال وجداول الصيانة ومناطق الفصل يترك الباب مفتوحا أمام شكوك لا ترد عليها عبارات الاستقرار الرسمي.
فائض الإنتاج يتعطل عند شبكات التوزيع
على مستوى الإنتاج، تمتلك مصر قدرات توليد تتجاوز احتياجات الذروة المعتادة، إذ تدور الأرقام الرسمية والمتداولة حول طاقة تقارب 60 ألف ميغاواط، بينما تتراوح ذروة الأحمال غالبا بين 32 و35 ألف ميغاواط، لكن هذه المقارنة لا تكفي عندما تفشل شبكات التوزيع المحلية في إيصال الكهرباء بانتظام.
ويقول الدكتور حافظ سلماوي، أستاذ هندسة الطاقة والرئيس التنفيذي الأسبق لجهاز تنظيم مرفق الكهرباء، إن أسباب الانقطاع ترتبط بمشكلات شبكات التوزيع لا بمحطات الإنتاج، بسبب تقادم المحولات والأعمدة والخطوط، خصوصا في القرى، وهو تقدير يضع مسؤولية الأزمة عند نقطة الخدمة لا عند رقم الإنتاج.
كما تظهر الشكاوى المحلية أن أعمال الصيانة الدورية في شبكات التوزيع والمحولات قد تتحول إلى انقطاع مزمن عندما تغيب الجداول المعلنة، لأن المواطن لا يعرف هل يواجه عطلا فنيا أم تخفيضا تشغيليا، ولا يعرف متى تعود الكهرباء، فتتبدد قيمة الفائض القومي عند أول غرفة محولات ضعيفة.
لكن الأعطال المفاجئة في الخطوط القديمة لا تفسر وحدها استمرار المشكلة، لأن الأحمال غير المتوازنة داخل بعض المناطق تضغط على مغذيات بعينها رغم انخفاض الحمل القومي، فتعيش منطقة ظاهريا داخل شبكة مستقرة، بينما يعاني شارع أو قرية أو حي جديد من اختناق موضعي يتكرر مع كل ذروة.
وبين فائض الإنتاج وضعف التوزيع، تبرز مشكلة التوسع العمراني السريع في أطراف المدن والمحافظات، حيث تتزايد الوحدات السكنية والمحلات والخدمات قبل تحديث المغذيات والمحولات، فتظهر الكهرباء كخدمة مركزية قوية على الورق، لكنها تصل للمواطن عبر شبكة محلية أضعف من الوعود الحكومية.
المواطن يدفع ثمن الفجوة بين البيانات والخدمة
ويضع الباحث في قطاع الطاقة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية محمد يونس الأزمة في زاوية أوسع، إذ يرى أن التوسع في إنشاء المحطات الكهربائية لم يقابله توسع مماثل في تطوير شبكات نقل الكهرباء، وهذا التفاوت يفسر لماذا لا يتحول فائض الإنتاج إلى استقرار كامل في البيوت والمحال.
في المقابل، تستمر الحكومة في تقديم مؤشرات عامة عن كفاءة الشبكة ووجود احتياطي آمن، لكنها لا تنشر خريطة تفصيلية سهلة القراءة عن مناطق الأعطال ومواعيد الصيانة وأسباب الفصل، وبذلك يتحمل المواطن تكلفة الغموض مرتين، مرة بانقطاع التيار ومرة بعدم معرفته من المسؤول عن الانقطاع.
ومع تكرار الحديث الرسمي عن تحديث الشبكة وزيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة وتحسين إدارة الطلب، تبدو النتائج متفاوتة على الأرض، لأن المواطن لا يقيس الخدمة بعدد المحطات أو حجم القدرات المركبة، بل يقيسها بساعات الإضاءة وتشغيل الثلاجة والمروحة وجهاز التنفس والمحل الصغير دون انقطاع.
وعندما تعلن الحكومة تراجع الأحمال دون أن تكشف بالتوازي سجل الانقطاعات المحلية، يتحول الرقم من مؤشر فني إلى أداة دفاع سياسي، لأن انخفاض 500 ميغاواط لا يبرئ الإدارة من مسؤولية قطع التيار، ولا يبرر ترك المحافظات تواجه أعطالا متفرقة باسم الصيانة أو إعادة توزيع الأحمال.
أما السؤال عن كون التراجع جاء على حساب المواطن، فلا يملك جوابا حاسما من البيانات المعلنة وحدها، لكن الحكومة هي التي صنعت هذا الفراغ عندما اكتفت برقم الحمل الأقصى، وتجاهلت نشر بيانات الفصل المحلي، فصار المواطن مضطرا إلى مقارنة بيان رسمي مضيء بواقع منزلي مظلم.
لذلك يحتاج ملف الكهرباء إلى شفافية لا إلى طمأنة، وإلى إعلان يومي واضح عن مناطق الصيانة والأعطال وخطط الإحلال والتجديد، لأن الفائض الحقيقي لا يقاس بما تنتجه المحطات فقط، بل بما يصل إلى آخر بيت في القرية والمدينة دون انقطاع مفاجئ أو اعتذار متأخر.
وتبقى الخلاصة أن تراجع استهلاك الكهرباء في مصر بنحو 500 ميغاواط لا يكشف نجاحا حكوميا بقدر ما يكشف هشاشة في إدارة الخدمة، فالطقس خفف الضغط، لكن قطع التيار فضح ضعف التوزيع، والمواطن لا يطلب رقما أقل على الشبكة بل خدمة مستقرة لا تنطفئ عند أول اختبار.

