أعلنت وزارة التموين في مصر طرح كيلو الضأن البلدي بسعر 425 جنيهًا والسوداني بسعر 350 جنيهًا مع حلول عيد الأضحى في 27 مايو 2026، لتدخل الأسر موسم الأضاحي أمام أسعار رسمية مرتفعة تكشف ضيق القدرة على شراء اللحوم لا مجرد اضطراب عابر في السوق.

 

وتكشف هذه الأسعار نتيجة سياسة اقتصادية تركت الأعلاف والنقل والطاقة وسعر العملة تضغط على المربين والمستهلكين معًا، بينما اكتفت الحكومة بمنافذ موسمية لا تعالج أصل التكلفة ولا تحمي حق الأسر في الاحتفال بمائدة عيد لا تتحول إلى عبء مالي جديد.

 

أسعار اللحوم تكشف عيدًا ضيقًا على الأسر

 

مع حلول عيد الأضحى، تحولت الأضحية من طقس اجتماعي واسع إلى قرار مالي صعب داخل بيوت كثيرة، لأن الأسرة التي تدفع إيجارًا ومواصلات وفواتير ومدارس لا تملك مساحة كافية لفصل ثمن الخروف أو نصيب العجل عن بقية الالتزامات الشهرية الثقيلة.

 

كما رفعت أسعار القائم كلفة المشاركة في الأضحية فوق قدرة شرائح واسعة، إذ تراوح كيلو الخروف البلدي بين 210 و220 جنيهًا، وارتفع الخروف الرحماني إلى ما بين 220 و230 جنيهًا، بينما سجل الخروف البرقي نطاقًا بين 240 و250 جنيهًا للكيلو.

 

وفي أسواق الأبقار، تراوح سعر كيلو القائم بين 200 و220 جنيهًا، وهو مستوى يجعل المشاركة في عجل كامل عبئًا على أسر كانت تعتمد سابقًا على تقسيم التكلفة بين الأقارب والجيران، لكن ضعف الدخل جعل حتى المشاركة الجماعية أكثر صعوبة من مواسم سابقة.

 

لذلك اتجه مواطنون إلى شراء كميات أقل من اللحوم أو الاكتفاء بصكوك الأضاحي بدل الذبح الفردي، لكن هذا التحول لا يعبر عن رفاهية اختيار، بل يكشف أن الحكومة تركت الأسر تنتقل من الاحتفال الكامل إلى بدائل محدودة تحفظ الشكل ولا تحمي القدرة الشرائية.

 

ويشرح الخبير الاقتصادي علي الإدريسي هذا الضغط بوصفه تضخمًا هيكليًا، لأن زيادة الطاقة والكهرباء والنقل ومدخلات الإنتاج تنتقل إلى السلع والخدمات، ولذلك لا يشعر المواطن بتحسن فعلي عندما تعلن الحكومة عن منافذ أو تخفيضات محدودة لا تمس أصل الأسعار.

 

الأعلاف وسعر العملة يرفعان ثمن الأضحية

 

بعد ذلك، تبدأ أزمة اللحوم من المزرعة لا من الشادر، لأن المربي يشتري العلف والدواء والنقل والطاقة بتكلفة مرتفعة، ثم يضيف هذه التكلفة إلى سعر الحيوان القائم، فيدفع المستهلك النتيجة النهائية يوم العيد كأنه المسؤول الوحيد عن فشل منظومة الإنتاج.

 

كذلك جعل الاعتماد على الأعلاف المستوردة تربية الماشية مرتبطة مباشرة بسعر الدولار وتكاليف الإفراج والنقل، بينما لم تنجح الحكومة في بناء بدائل محلية كافية من الذرة الصفراء وفول الصويا، فبقيت أسعار اللحوم مكشوفة أمام كل صدمة في العملة أو الاستيراد.

 

هنا يوضح الخبير الزراعي نادر نور الدين أن الأعلاف تمثل نسبة كبيرة من تكلفة إنتاج اللحوم والدواجن والأسماك، ويربط ذلك باعتماد مصر على استيراد مكونات رئيسية، بما يجعل الغلاء نتيجة سياسة زراعية ضعيفة لا مجرد جشع تاجر في نهاية السلسلة.

 

وبسبب هذه المعادلة، يجد صغار المربين أنفسهم أمام خيارين قاسيين، إما تقليل دورات التربية والخروج المؤقت من السوق، وإما رفع سعر البيع لتعويض التكلفة، وفي الحالتين يخسر المستهلك جزءًا من المعروض المحلي وتزداد قبضة المستوردين والوسطاء على السوق.

 

ومن ثم تبدو حملات الرقابة الحكومية محدودة الأثر، لأن الأزمة لا تبدأ عند الجزار الذي يبيع اللحم للمواطن، بل تبدأ عند علف غير مستقر وتمويل مكلف وطاقة مرتفعة وسوق لا يمنح المنتج الصغير حماية كافية، ولذلك يصل الغلاء إلى مائدة العيد كاملًا.

 

منافذ الحكومة لا تعوض غياب سياسة إنتاجية

 

في المقابل، قدمت وزارة التموين خطة موسمية تقوم على طرح لحوم في المجمعات الاستهلاكية وفتح منافذ وشوادر، لكنها تعاملت مع عيد الأضحى كأزمة توزيع لا كأزمة إنتاج ودخل، ولذلك بقي تدخلها محصورًا في البيع لا في خفض تكلفة التربية والنقل.

 

ثم يظهر عجز هذه الخطة في الفارق بين ما تعلنه الحكومة وما يراه المواطن في السوق، لأن معيار النجاح لا يقاس بعدد المنافذ، بل بقدرة الأسرة على شراء كيلو لحم أو المشاركة في أضحية من دون استدانة أو تقسيط أو حذف بنود أساسية من الميزانية.

 

وفوق ذلك، تؤكد هبة الليثي أستاذة الإحصاء بجامعة القاهرة أهمية مؤشرات الفقر النقدي في قياس قدرة الأسر على تلبية احتياجاتها الأساسية، وهو ما يجعل حجب المؤشرات أو تأخيرها مسألة سياسية تمس حياة الناس اليومية لا مجرد ملف فني داخل أجهزة الدولة.

 

وعليه، يصبح عيد الأضحى شاهدًا على فشل الحماية الاجتماعية، لأن الأسرة الفقيرة لا تحتاج إعلانًا جديدًا عن توافر اللحوم بقدر ما تحتاج دخلًا يسمح بالشراء، وسوقًا منضبطًا من أول حلقة الإنتاج، وسياسة لا تترك الغذاء تحت رحمة الدولار والرسوم والطاقة.

 

وفي النهاية، لا تكشف أسعار اللحوم عن أزمة عيد فقط، بل تكشف حكومة عالجت الغلاء بالمنافذ وتركت الإنتاج بلا حماية كافية، فدفع المربي ثمن الأعلاف، ودفع المواطن ثمن اللحم، وبقيت السلطة تقدم أرقام الطرح بينما يخرج العيد من بيوت كثيرة ناقصًا ومؤجل الفرح.