حذر الخبير الاقتصادي هاني توفيق من مؤشرات فقاعة عقارية صامتة في مصر خلال مايو 2026، بعد تقديره وجود نحو 20 مليون شقة بينها قرابة 10 ملايين وحدة مغلقة أو غير مستخدمة، مع تباطؤ شديد في السوق وارتفاع أسعار يتجاوز قدرة أغلب المواطنين.
وتضع هذه المؤشرات سياسات الحكومة العمرانية أمام اتهام مباشر بتغذية سوق منفصل عن احتياجات السكن الفعلي، لأن ملايين الأسر تعيش في وحدات مزدحمة أو تبحث عن مسكن مناسب، بينما تتمدد الأبراج والمشروعات المغلقة حول الطريق الدائري والعاصمة الإدارية ومدن الساحل بأسعار لا تطاردها الدخول.
أسعار منفصلة عن القدرة الشرائية
قال هاني توفيق إن الفقاعة العقارية لا تعني بالضرورة انهيارا مفاجئا، لكنها تعني وصول الأسعار إلى مستويات لا تعكس القيمة الحقيقية للعقار ولا قدرة المجتمع على الشراء، وهو توصيف يضرب جوهر خطاب الحكومة والمطورين عن العقار باعتباره ملاذا آمنا دائما.
وبحسب تقدير توفيق فإن ارتفاع عدد السكان والمواليد لا يكفي وحده لتبرير القفزات السعرية الحالية، لأن السوق لا تواجه نقصا مجردا في عدد الوحدات، بل تواجه اختلالا بين ملايين الشقق المغلقة وبين أسر لا تستطيع دفع ملايين الجنيهات لشراء وحدة جديدة.
كما يربط توفيق استمرار رفع الأسعار بحسابات المطورين الهادفة إلى حماية هوامش الربح وتعويض ارتفاع التكلفة، لا بوجود طلب حقيقي مستدام، مستشهدا بكثافة الحملات التسويقية والاتصالات اليومية بالعملاء باعتبارها دليلا على بطء البيع لا على قوة السوق.
وتدعم مريم السعدني محللة القطاع العقاري بشركة إتش سي للأوراق المالية هذا المحور من زاوية مختلفة، إذ تشير إلى أن السوق الثانوية أصبحت تحت ضغط واضح، وأن بعض المالكين يضطرون إلى خفض الأسعار للحصول على سيولة، خصوصا مع ارتفاع أسعار الوحدات وتعاملات إعادة البيع النقدية.
لذلك لا تبدو الأزمة مجرد خلاف بين متفائلين ومتشائمين، بل تبدو نتيجة مباشرة لسياسات سمحت بارتفاع سعر الوحدة أسرع من الدخل وأسرع من حاجة السكن، ثم تركت المواطن أمام سوق يعامله كمستثمر محتمل بينما هو يبحث عن حق أساسي في السكن.
ملايين الوحدات المغلقة وسوق يبني فوق الحاجة
أوضح توفيق أن وجود نحو 10 ملايين وحدة مغلقة أو غير مستخدمة داخل سوق يعاني فيه المواطنون من أزمة سكن يكشف خللا واضحا بين العرض والطلب، لأن المشكلة لم تعد في البناء وحده، بل في توجيه البناء إلى شرائح لا تستطيع الشراء أو لا تحتاج السكن.
ومن هذا الخلل تظهر مسؤولية الحكومة عن تضخم المعروض غير المستخدم، لأنها دفعت التوسع العمراني في العاصمة الإدارية ومدن الجيل الرابع ومناطق الأطراف دون ربط كاف بين حجم الإنشاءات وحجم الطلب القادر على الدفع، ودون معالجة جذرية لأزمة السكن المتوسط والشعبي.
في المقابل تنفي السعدني وجود فقاعة شاملة بالمعنى التقليدي، وتقول إن البنوك ليست طرفا رئيسيا في تمويل البيع بين المطورين والعملاء، لأن أغلب الشركات تعتمد على التقسيط المباشر، وهو ما يقلل خطر عدوى مصرفية واسعة إذا تعثر بعض المشترين.
لكن هذا النفي لا يلغي جوهر الأزمة الاجتماعية، لأن غياب التمويل البنكي لا يحمي المواطن من تعثر المطور ولا يحمي السوق من تباطؤ طويل، بل ينقل العبء إلى علاقة مباشرة بين شركة تبحث عن السيولة ومشتر يدفع أقساطا طويلة مقابل وحدة قد لا يستلمها في موعدها.
كما تشير السعدني إلى أن المطورين يستعيدون وحدات متعثرة ثم يعيدون بيعها بأسعار أعلى، وهو ما يفسر استمرار أرباح الشركات الكبرى، لكنه يكشف في الوقت نفسه أن التصحيح يقع على ظهر المشتري الضعيف بينما تحتفظ الشركات الأكبر بقدرتها على إعادة التسعير.
تراجع المبيعات وهيمنة الكبار وسياسات حكومية بلا رقابة كافية
قدرت السعدني تراجع نشاط السوق الأولية بنحو 30% مقارنة بمستويات ما قبل 10 سنوات، لكنها أكدت أن المطورين الكبار ما زالوا يحققون هوامش ربح مرتفعة، لأن أسعار البيع ارتفعت بوتيرة أسرع من التكلفة، بينما خرج مطورون صغار أو تقلص نشاطهم.
وبذلك أدى التباطؤ إلى نتيجة خطيرة على المنافسة، إذ زادت هيمنة كبار المطورين على الحصة الأكبر من السوق، وتراجعت المنافسة الحكومية المباشرة، فحصلت الشركات الكبرى على مساحة أوسع للتحكم في حركة العرض والتسعير بينما تآكلت قدرة المشتري على التفاوض.
ويربط المهندس طارق شكري رئيس غرفة صناعة التطوير العقاري هذا الخلل بحاجة السوق إلى تنظيم وتصنيف للمطورين وفق قدراتهم وخبراتهم، وهو طرح يخدم هذا المحور تحديدا لأنه يقر ضمنيا بأن السوق لا تستطيع البقاء مفتوحة بلا فرز ولا محاسبة ولا وضوح أمام المشترين.
غير أن تنظيم السوق لا يكفي إذا ظلت الحكومة طرفا في رفع تكلفة الأرض والمرافق والرسوم ثم تركت المطور ينقل التكلفة كاملة إلى المشتري، لأن الدولة لا تستطيع إعلان حماية المواطن بينما تدير الأرض كوعاء مالي وتترك الأسعار تصعد خارج القدرة الشرائية.
كذلك قال توفيق إن جزءا من الأسعار الحالية نشأ في ظروف دولار وفائدة وتكلفة بناء مرتفعة، وإن وحدة تباع بنحو مليوني جنيه قد تتراوح قيمتها الفعلية إذا أعيد بناؤها في الظروف الحالية بين مليون ومليون و200 ألف جنيه، وهو تقدير يفتح باب مراجعة الأسعار.
وتزيد خطورة هذا التقدير مع حديث توفيق عن أن نحو 70% من مدخلات ومواد تشطيب العقارات تعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الاستيراد، لأن الحكومة تركت القطاع رهينة سعر الدولار ثم استخدمت العقار كواجهة نمو رغم حساسيته الشديدة للصدمات الخارجية.
كما يشير توفيق إلى أن الإنفاق على النشاط العقاري في مصر يمثل نحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي مقابل متوسط عالمي يدور حول 10%، وهي مقارنة تجعل السوق المصرية أقرب إلى ضخ استثمارات فوق الحاجة الفعلية منذ سنوات لا إلى استجابة طبيعية للطلب.
وفي المقابل تراهن شركات كثيرة على المصريين بالخارج والمشترين الخليجيين والأجانب لتعويض تباطؤ الطلب المحلي، وتصل مبيعات بعض الشركات في الساحل الشمالي والبحر الأحمر إلى نحو 40% من إجمالي المبيعات لهؤلاء العملاء، ما يؤكد ابتعاد الأسعار عن قدرة الداخل.
وتنتهي الأزمة عند سؤال حكومي لا يمكن الهروب منه، فإما أن تعيد الدولة ربط البناء بالسكن الحقيقي والقدرة الشرائية والرقابة على المطورين، وإما أن تواصل صناعة سوق مرتفعة الأسعار ومغلقة الوحدات، يدفع المواطن ثمنها من دخله ومستقبله وحقه في مدينة قابلة للعيش.

