يؤكد الدكتور علي محمد الصلابي في إحدى مقالاته أن مرحلة الجهر بالدعوة في السيرة النبوية مثّلت منعطفًا حاسمًا في مسار الدعوة إلى الإسلام، بعدما انتقل النبي صلى الله عليه وسلم من الدعوة السرية إلى المواجهة العلنية مع رؤوس الشرك وقادة قريش في مكة، عقب إعداد قوي لأصحابه قائم على الإيمان والثبات والصبر.

 

وأوضح الصلابي أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ مرحلة الجهر بالدعوة بإنذار أقرب الناس إليه تنفيذًا لأمر الله تعالى، مشيرًا إلى أن هذه المرحلة شهدت تصاعدًا واضحًا في حجم التحديات التي واجهت المسلمين، مع اشتداد الصراع بين الحق والباطل، رغم استمرار انتشار الدعوة الإسلامية بين الناس.

 

إنذار العشيرة وبداية المواجهة مع قريش

 

أوضح الصلابي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد نجاح المرحلة السرية في إعداد الصحابة وبناء قاعدة إيمانية صلبة، نزل عليه قول الله تعالى:


﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214].

 

وأضاف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج حتى صعد جبل الصفا، ثم نادى بطون قريش قائلاً: «يا صباحاه»، فاجتمعوا إليه، فقال: «يا بني فلان، يا بني عبد مناف، يا بني عبد المطلب، أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقيَّ؟» فقالوا: ما جربنا عليك كذبًا. فقال صلى الله عليه وسلم: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد».

 

وأشار الصلابي إلى أن أبا لهب كان أول من تصدى للدعوة علنًا، بعدما قال للنبي صلى الله عليه وسلم: تبًا لك، أما جمعتنا إلا لهذا؟ موضحًا أن الله تعالى أنزل فيه قوله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: 1].

 

وأكد الصلابي أن بدء الدعوة العلنية بالعشيرة الأقربين كان أمرًا طبيعيًا في مجتمع تحكمه الروابط القبلية، موضحًا أن وجود النصرة القبلية كان عنصرًا مهمًا في حماية الدعوة في بدايتها، إلى جانب أن مكة كانت تمثل مركزًا دينيًا مؤثرًا بين العرب.

 

ويرى الصلابي أن رسالة الإسلام منذ بدايتها لم تكن موجهة إلى قريش وحدها، بل كانت رسالة عالمية، اتخذت من دعوة قريش خطوة أولى للوصول إلى بقية القبائل والشعوب.

 

تصاعد الإيذاء وانتشار أخبار الإسلام بين القبائل

 

قال الصلابي إن النتيجة المباشرة للجهر بالدعوة كانت تصاعد حملات الصد والإعراض والسخرية والتكذيب ضد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، بعدما شعرت قريش بأن الإسلام يهدد واقعها الجاهلي ومكانتها بين العرب.

 

وأضاف أن زعماء قريش حاولوا مواجهة الدعوة الجديدة عبر حملات منظمة استهدفت تشويه الإسلام وإيذاء المسلمين، خاصة بعدما عابت الدعوة عبادة الأصنام وكشفت فساد التصورات الجاهلية عن الحياة والإنسان والكون.

 

وأشار الصلابي إلى أن الصراع بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش أصبح حديث الناس في مكة، موضحًا أن تناقل الأخبار مشافهة كان الوسيلة الإعلامية الأبرز في ذلك العصر، وهو ما ساهم في انتشار أخبار الدعوة الإسلامية خارج مكة.

 

وأكد أن كثيرًا من العرب لم يكونوا يسلمون تلقائيًا بما تقوله قريش عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل كانوا يتابعون الأخبار ويتحرون الحقيقة، خاصة مع معرفتهم السابقة بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم وأمانته.

 

وأوضح الصلابي أن قريش حاولت محاصرة الدعوة والحد من انتشارها، لكن هذا الحصار دفع النبي صلى الله عليه وسلم إلى التفكير في نقل الدعوة إلى مواقع جديدة، سواء عبر عرض الإسلام على القبائل أو الخروج إلى الطائف أو البحث عن بيئات آمنة للمسلمين.

 

الهجرة إلى الحبشة وخطة حماية المسلمين

 

أكد الصلابي أن النبي صلى الله عليه وسلم فكر في الخروج بالدعوة خارج مكة لتحقيق هدفين رئيسيين، أولهما حماية المسلمين من بطش قريش وتعذيبها، وثانيهما البحث عن بيئة تستجيب للدعوة وتساعد على انتشار الإسلام.

 

وأضاف أن الهجرة الأولى إلى الحبشة وقعت في شهر رجب من السنة الخامسة من البعثة، وشارك فيها أحد عشر رجلًا وأربع نسوة، بعدما خرجوا من مكة سرًا حتى وصلوا إلى البحر واستأجروا سفينة أقلّتهم إلى الحبشة.

 

ونقل الصلابي عن أم سلمة رضي الله عنها قولها: «لما ضاقت علينا مكة وأوذي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفتنوا ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة في دينهم، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في منعة من قومه وعمه، لا يصل إليه شيء مما يكره مما ينال أصحابه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن بأرض الحبشة ملكًا لا يُظلم أحد عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجًا ومخرجًا مما أنتم فيه».

 

وأضافت أم سلمة رضي الله عنها: «فخرجنا إليها أرسالًا حتى اجتمعنا بها، فنزلنا بخير دار إلى خير جار، أمنا على ديننا ولم نخش منه ظلمًا».

 

ويرى الصلابي أن اختيار الحبشة يكشف عن دقة التخطيط النبوي وبعد النظر، موضحًا أن الحبشة كانت تضم ملكًا عادلًا لا يظلم أحدًا، كما بقي فيها أثر من رسالة عيسى عليه السلام، بخلاف القوى الكبرى التي كانت غارقة في الظلم والصراعات.

 

وأكد الصلابي أن الهجرة إلى الحبشة حملت أبعادًا دعوية وسياسية وإعلامية مهمة، وأسهمت في حماية المسلمين وفتح آفاق جديدة للدعوة الإسلامية خارج مكة، في وقت كانت فيه قريش تحاول بكل الوسائل القضاء على الإسلام وإيقاف انتشاره.