كشفت شكوى مزارعين في منطقة المحسمة القديمة التابعة لزمام جمعية القصاصين الجديدة الزراعية وجمعية المحسمة القديمة الزراعية بزمام الإدارة الزراعية بالقصاصين في الإسماعيلية عن تعطل بوابة عبد الناصر وضعف وصول مياه الري إلى نهايات المساقي لفترة طويلة، قبل أن تتحرك مديريتا الزراعة والري لإصلاح العطل وإعادة ضخ المياه.

 

وتضع الواقعة ملف الري الزراعي في الإسماعيلية أمام سؤال مباشر عن مسؤولية الحكومة في حماية أراضي صغار المزارعين، لأن تأخر المياه لا يعني مجرد عطل فني في بوابة، بل يعني تهديد المحاصيل وزيادة كلفة الزراعة ودفع الفلاح وحده إلى مواجهة نتائج إدارة لا تتحرك غالبًا إلا بعد الشكوى والضغط.

 

عطل بوابة عبد الناصر يكشف ضعف المتابعة الميدانية

 

بدأت الأزمة عندما اشتكى مزارعون في نطاق المحسمة القديمة من ضعف وصول مياه الري إلى نهايات المساقي لفترة طويلة، وهي شكوى تكشف أن المشكلة لم تكن لحظة عابرة، بل امتدت بما يكفي لإثارة قلق أصحاب الأراضي الواقعة في نهايات الشبكة الزراعية التابعة للقصاصين.

 

وبعد تصاعد الشكوى، انتقلت الجهات المختصة إلى موقع المشكلة عند ترعة الإسماعيلية، وشارك في التحرك الدكتور محمد عطوة جمال الدين وكيل وزارة الزراعة بالإسماعيلية، والمهندس علي الروبي رئيس الإدارة المركزية للموارد المائية والري لمدن القناة وسيناء، وفق ما نشرته وسائل محلية.

 

ثم تبيّن للفريق الفني وجود عطل في البوابة الرئيسية للري، وهي بوابة عبد الناصر بمنطقة المحسمة القديمة، وبدأت أعمال الإصلاح باستخدام معدات مديرية الموارد المائية والري، قبل فتح المجرى المائي وإعادة تدفق المياه إلى الترع والمساقي المتأثرة.

 

غير أن سرعة الإصلاح بعد الشكوى لا تلغي مسؤولية التقصير السابق، لأن البوابة الرئيسية لا يفترض أن تنتظر صراخ المزارعين حتى تدخل جدول الصيانة، ولا يفترض أن تصل أزمة المياه إلى نهايات المساقي قبل أن تكتشف الإدارة الزراعية والري وجود عطل مؤثر.

 

وفي هذا السياق، يرى خبير الموارد المائية الدكتور نادر نور الدين أن إدارة المياه في مصر تحتاج إلى متابعة يومية دقيقة لشبكات الري الفرعية، لأن أي خلل في البوابات أو الترع لا ينعكس على الورق فقط، بل ينعكس مباشرة على إنتاجية الأرض ودخل الفلاح.

 

نهايات المساقي تدفع ثمن الإهمال الإداري

 

في المناطق الزراعية التي تعتمد على الترع والمساقي، يدفع مزارعو النهايات الثمن الأول لأي عطل في البوابات أو ضعف في المناسيب، لأن المياه تصل إليهم بعد مرورها على مسارات طويلة، ولذلك تؤدي أي مشكلة صغيرة في بداية الشبكة إلى أزمة حقيقية في آخرها.

 

وعندما تتأخر المياه عن الأرض، يضطر المزارع إلى البحث عن بدائل أكثر كلفة، وقد يستخدم ماكينات ري أو ينتظر دور المياه في ظروف غير مستقرة، وتؤدي هذه الضغوط إلى تراجع جودة المحصول وزيادة التكلفة، بينما لا يحصل الفلاح على تعويض واضح عن خسائر التأخير.

 

لذلك لا يمكن التعامل مع عودة المياه باعتبارها نهاية كاملة للأزمة، لأن السؤال الأهم يتعلق بمدة ضعف الضخ قبل الإصلاح، وحجم الأراضي التي تأثرت، وطبيعة المحاصيل القائمة، والإجراءات التي اتخذتها مديريتا الزراعة والري لمنع تكرار العطل خلال فترة الري التالية.

 

ومن جانبه، يؤكد الخبير الزراعي الدكتور عبد التواب بركات في مداخلات سابقة حول أزمات الزراعة أن صغار المزارعين يتحملون تكلفة القرارات والأعطال الحكومية من دخلهم المباشر، لأن محصول الفدان لا ينتظر البيانات الرسمية، ولا يعوضه خطاب إداري عن أيام عطش الأرض.

 

وبناء على ذلك، يجب أن تعلن مديرية الري في الإسماعيلية جدول صيانة واضحًا للبوابات الحيوية في نطاق القصاصين والمحسمة القديمة، لأن غياب الشفافية يسمح بتكرار الأزمة في مواقع أخرى، ويحوّل شبكات الري إلى مصدر خوف مستمر بدل أن تكون ضمانة للإنتاج الزراعي.

 

إصلاح العطل لا يعفي الحكومة من مسؤولية حماية الفلاح

 

أعلنت التغطيات المحلية أن إصلاح بوابة عبد الناصر أعاد المياه بشكل طبيعي إلى نهايات الترع والمساقي، كما تحدثت عن حالة ارتياح بين المزارعين بعد فتح المجرى المائي، لكن هذا الارتياح لا يحجب حقيقة أن المزارعين عاشوا فترة ضعف في المياه قبل التدخل.

 

كما أكدت مديرية الزراعة استمرار جهودها بالتعاون مع الجهات المعنية لضمان وصول مياه الري للأراضي الزراعية بشكل منتظم، غير أن هذا التعهد يحتاج إلى متابعة فعلية ومحاسبة واضحة، لأن الفلاح لا يحتاج إلى وعود بعد كل أزمة، بل يحتاج إلى شبكة تعمل قبل أن يضيع موسم أو يتضرر محصول.

 

وفي قراءة اقتصادية للواقعة، يقول الخبير الاقتصادي الزراعي الدكتور رشاد عبده إن أي اضطراب في مستلزمات الإنتاج الزراعي يرفع التكلفة النهائية على المنتج والمستهلك معًا، لأن نقص المياه أو تأخرها يدفع المزارع إلى مصروفات إضافية ثم ينتقل الأثر إلى أسعار الغذاء في السوق.

 

وبالتالي تكشف أزمة بوابة عبد الناصر علاقة مباشرة بين إدارة الري وأسعار الغذاء، لأن ضعف المياه لا يتوقف عند حدود أرض في المحسمة القديمة، بل يدخل في حساب تكلفة الزراعة وربحية الفلاح واستقرار المعروض، وهي أمور تدفع الأسر ثمنها عند شراء الخضر والمحاصيل.

 

كذلك يجب أن تتحمل الحكومة مسؤولية البنية التحتية الزراعية بدل تحميل الفلاح نتائج الأعطال، لأن المزارع يدفع تكلفة التقاوي والأسمدة والعمالة والطاقة، ولا يملك قدرة على إصلاح بوابة رئيسية أو ضبط توزيع المياه بين الجمعيات الزراعية والمناطق الواقعة في نهايات المساقي.

 

وفي النهاية، تمثل واقعة تعطل بوابة عبد الناصر في المحسمة القديمة إنذارًا محليًا واضحًا لا يجوز طمسه بعبارات الإشادة بالتنسيق السريع، لأن إصلاح العطل خطوة ضرورية، لكن حماية أراضي القصاصين تحتاج صيانة مسبقة ورقابة يومية ومحاسبة إدارية تسبق الشكوى ولا تلحق بها.