كشفت أزمة قرية العنانية في مركز ومدينة دمياط عن تعطل مشروع الصرف الصحي بالمنطقة الوسطى رغم صدور قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 2031 لسنة 2024 في 12 يونيو 2024 بتخصيص أرض مساحتها 450 مترًا مربعًا لإقامة محطة رفع، وبقيت النتيجة أن القرية تنتظر التنفيذ بعد تبرع الأهالي بالأرض.

 

تضع هذه الواقعة أصل المشكلة أمام المسؤولية التنفيذية لا أمام طلب الإحاطة وحده، لأن المواطن علي السيد علي فرحات تبرع بالأرض بالمجان لصالح شركة مياه الشرب والصرف الصحي بدمياط، ثم توقفت الدولة عند خطوة الورق، بينما بقيت الأسر داخل القرية معرضة لمخاطر صحية وبيئية كان المشروع مخصصًا لمعالجتها.

 

أرض تبرع بها الأهالي ومشروع توقف عند القرار

 

في البداية، نشر قرار رئيس مجلس الوزراء في الجريدة الرسمية بالعدد 31 في أول أغسطس 2024، وخصص قطعة الأرض الواقعة في زمام قرية العنانية التابعة للوحدة المحلية لمركز ومدينة دمياط بالمجان لصالح شركة مياه الشرب والصرف الصحي بدمياط لإقامة محطة رفع صرف صحي.

 

وبعد صدور القرار، كان يفترض أن تتحول الأرض إلى بند تنفيذي داخل خطة الهيئة القومية لمياه الشرب والصرف الصحي، لأن تخصيص الأرض أزال عقبة الملكية التي تستخدمها الجهات الحكومية غالبًا لتبرير التأخير، غير أن المنطقة الوسطى بقيت خارج التنفيذ رغم مرور قرابة عامين.

 

لذلك، لا تقف أزمة العنانية عند خلاف إداري بين نائب وجهة حكومية، بل تكشف خللًا في دورة تنفيذ مرافق أساسية تبدأ بقرار رسمي منشور وتنتهي بلا محطة ولا شبكة مكتملة، بما يجعل حياة السكان اليومية معلقة على هيئة لم تحدد موعدًا واضحًا للبدء أو الانتهاء.

 

ثم يظهر العبء الأكبر على الأهالي، لأن المشاركة المجتمعية تحققت بالفعل عبر التبرع بالأرض المطلوبة للمشروع، ومع ذلك لم تقدم الدولة مقابلًا تنفيذيًا يليق بهذا التنازل، بينما بقيت القرية القديمة في دمياط بين انتظار المرحلة الثانية من حياة كريمة وانتظار إدراجها في خطة الهيئة.

 

الصرف الصحي ليس خدمة مؤجلة بل حق صحي عاجل

 

في المقابل، تؤكد المخاطر الصحية أن تأجيل الصرف الصحي ليس ملف مرافق عاديًا، لأن التخلص السليم من المخلفات يحمي السكان من أمراض تلوث المياه مثل التيفويد والإسهال وشلل الأطفال والبلهارسيا والتهاب الكبد الفيروسي أ، وهي أخطار ترتبط مباشرة بغياب الشبكات الآمنة.

 

ومن هذه الزاوية، قالت ليلى إسكندر، الخبيرة البيئية ووزيرة البيئة السابقة، إن هذه الأمراض تهدد الحياة، وإن الإسهال والبلهارسيا يشكلان خطرًا صحيًا حقيقيًا في مصر، وهو توصيف يضع تأخير محطة العنانية داخل ملف الصحة العامة لا داخل خانة الوعود المحلية المؤجلة.

 

كما كشفت تقارير عن قرى مصرية أخرى أن غياب الشبكات يدفع الأهالي أو جهات محلية إلى التخلص من مياه الصرف في الترع والمصارف، وهو ما يفتح مسارًا مباشرًا لتلوث المياه والزراعة، ويجعل تأخير محطة واحدة سببًا في أضرار تتجاوز حدود القرية.

 

وبناء على ذلك، يصبح انتظار المرحلة الثانية من حياة كريمة غير كاف لحماية سكان العنانية، لأن المبادرة الرئاسية نفسها تعلن أن الصرف الصحي ومحطات المعالجة ومد الشبكات من مستهدفاتها، لكن القرية التي قدمت أرض المحطة لا تزال خارج التنفيذ العملي حتى الآن.

 

عدالة المرافق تكشف فشل إدارة القرى لا نقص الشعارات

 

على مستوى التخطيط، قالت منال الطيبي، رئيس المركز المصري لحقوق السكن، إن الحكومة لا تملك استراتيجية دقيقة لقياس احتياجات المواطنين المائية، ووصفت التعامل مع ملف مياه الشرب والصرف الصحي بالعشوائية، وذكرت أن نسبًا واسعة من السكان تعتمد على الطرنشات أو تعيش بلا صرف صحي.

 

في الاتجاه نفسه، يربط الباحث العمراني يحيى شوكت في أعماله حول العدالة المكانية بين إدارة العمران وتوزيع الموارد وحق السكان في التأثير على القرارات التي تمس حياتهم اليومية، وهذا الإطار يفسر لماذا تتحول قرية مثل العنانية إلى ضحية ترتيب رسمي لا يضع القرى المحتاجة أولًا.

 

كذلك، تشير أعمال مرصد العمران التي شارك فيها يحيى شوكت إلى أهمية فحص العدالة المكانية في قطاعات العمران، لأن الأزمة لا تتعلق فقط بوجود مخصصات أو مبادرات، بل تتعلق بمكان صرف هذه الموارد ومن يحصل على الخدمة أولًا ومن يبقى خارج الشبكات لسنوات.

 

وعلى هذا الأساس، يكشف ملف العنانية أن الدولة تطلب من القرى الثقة في خطط طويلة، لكنها لا تقدم جدولًا ملزمًا بعد صدور قرار التخصيص، ولا توضح هل ستدرج محطة الرفع ضمن حياة كريمة أم ضمن خطة الهيئة القومية، وهذا الغموض يضاعف فقدان الثقة في وعود المرافق.

 

بعد ذلك، يصبح استدعاء رئيس الهيئة القومية لمياه الشرب والصرف الصحي ورئيس الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي ضرورة رقابية، لكن أصل الأزمة يبقى في أن الأجهزة التنفيذية لا تتحرك إلا بعد ضغط سياسي أو إعلامي، بينما كان قرار 2024 كافيًا لبدء المقايسات والاعتمادات والتنفيذ.

 

في النهاية، لا تحتاج قرية العنانية إلى بيان تعاطف جديد ولا إلى جولة وعود إضافية، بل تحتاج إلى جدول معلن لمحطة الرفع في المنطقة الوسطى، يبدأ من اعتماد التمويل وينتهي بتاريخ تشغيل واضح، لأن الأرض موجودة والقرار منشور والخطر الصحي قائم، والتأخير بعد ذلك مسؤولية حكومية مباشرة