مما لا يخفى أن ارتفاع الأسعار في مصر خلال السنوات الأخيرة بات عبئًا كبيرًا على كثير من الأسر التي أنهكتها الظروف المعيشية، في ظل موجات غلاء متتالية، دفعت الأسر إلى ترتيب أولوياتها واحتياجاتها، وزادت معها الخلافات التي عصفت ببيوت لطالما عرف عنها الهدوء والحياة المستقرة، بل الأسوأ من ذلك تكررت حوادث عنف أسرية ارتبطت بالعجز عن تدبير الاحتياجات الأساسية للأسرة.
وكانت المجزرة التي شهدتها جزيرة الوراق قبل ثلاثة أعوام واحدة من تلك الجرائم الشاهدة على عمق الأضرار التي هزت المجتمع المصري، وذلك حينما أطلق رجل النار على زوجته وأبنائه الأربعة، فقتل ابنه الأكبر وأصاب البقية، بسبب شجار مع الزوجة حول "مصروفات البيت".
ظاهرة اجتماعية
وقال الدكتور عمار علي حسن، الباحث في علم الاجتماع السياسي إن هذا هو الحادث لم يكن الأول من نوعه، إذ تكررت، بوتيرة متسارعة، حوادث مشابهة أو أقل منها، حتى باتت تشكل ظاهرة اجتماعية لا يغفل عنها أحد، لاسيما أنها تمس الأغلبية الكاسحة من المصريين.
وتابع في تحليله لهذه النوعية من الجرائم المرتبطة بتردي أوضاعت الأسر المصرية، قائلاً: "هذه الجرائم المتوالية أشبه بدخان ينبه إلى نار مستعرة تحت رماد كثيف. إنه رماد الصبر على الضيم والإفقار، إما بحكم تمرس المصريين عليه واستعذابهم له، أو لخوفهم المزدوج مرة على المجتمع من الفوضى إن خرجوا بصدور عارية يئنون مما هم فيه، ومرة من عقاب سلطة، زجت في السجون بآلاف من المعترضين ولو لفظًا، عبر شبكات التواصل الاجتماعي".
وأوضح: "وتدرك الأغلبية الكاسحة من المصريين ما هم فيه من إفقار متواصل، أدى إلى انهيار الطبقة الوسطى ورمى الفقراء تحت خط الكفاف، ومن كانوا تحت هذا الخط يندهش الحكماء والعلماء ويتعجبون من بقائهم على قيد الحياة أصلاً".
ولم يعف المصريون السلطة الحاكمة من المسؤولية عن ذلك بسبب سياستها المثيرة للجدل القائمة على الاقتراض، وهو ما يشير إليه حسبن، بقول: "يوجه أغلب المصريين أصابع الاتهام إلى السلطة في إفقارهم، الذي يعود الجانب الأكبر منه إلي ىسياسات هوجاء رعناء فاشلة، كانت مصر في غنى عنها، لو تقدم (قائد الانقلاب) عبدالفتاح السيسي ببرنامج مدروس يضبط إيقاعه على أولويات المجتمع في هذا الوقت الفارق من تاريخ مصر، حين تقدم إلى الرئاسة في دورتها الأولى، ثم التزم بهذا البرنامج أو أكثره".
"السلطة تصم آذانها عن مطالب الشعب"
وأشار إلى أنه "رغم أن فرص اختبار ما مضت فيه السلطة الحالية قد تكررت وتجددت فإنها صمت آذانها عن مطالب الشعب، وأعطت ظهرها لتنبيه ذوي الخبرة، ومضت فيما تراه، رغم آثاره الجارحة على المجتمع كله، ومنه بالقطع على الدولة، التي يكون المجتمع في قلبها من حيث التكوين، وفي مقصدها من حيث الوظيفة، وفي صلبها إن تحدثنا عن بقاء الدولة ووجودها".
وقال إنه "على مدار التاريخ واجه المصريون حالات شبيهة، لا سيما في زمن حكم العثمانيين الذين ولوا المماليك الإدارات المحلية للبلاد. ولم تخرج تصرفاته أهل عن ستة مسارات:
1 ـ المقاومة: حيث قامت احتجاجات متقطعة بين زمن وآخر، إثر اعتراضات الفلاحين في الريف، وأهل الحرف في المدن، على الظلم الواقع عليهم نتيجة فرض ضرائب باهظة على كل شيء، وأي أحد. ولم يكن بوسع هؤلاء تغيير الأوضاع جراء تفرقهم، وتقطع احتجاجاتهم، وغياب أي تنظيم يجمعهم، أو قائد ينهض بهم، في مقابل ضراوة الممسكين بعصا السلطة، حيث فرضوا الأمر الواقع، وأخمدوا أي احتجاج في مهده، ونكلوا بأهله، وساعدهم في هذا الوجهاء أصحاب الالتزام في الريف، وبعض شيوخ الطوائف الحرفية في المدن.
2 ـ الوساطة: ويتم هذا من خلال مشايخ الطرق الصوفية وشيوخ الأزهر وبعض قادة الجند، الذين كانوا يتدخلون أحيانا منبهين من بيده الأمر إلى أنين الناس جراء الضرائب، محذرين من أن هياج بسبب الإفقار المتوالي والقبضة الشديدة.
3 ـ التحايل: حيث كان الناس يلتفون على قرارات السلطة وتدابيرها، فيفرغونها من مضمونها تباعا، بينما يتظاهرون بالامتثال والطاعة.
4 ـ الدروشة: ففي أوقات الفقر والظلم الشديد، وحين يعجز الناس عن استيعاب ما يجري لهم، ولا يقدرون على بذل أي جهد في سبيل تغييره، في وقت لا يرون فيه ضوءاً في نهاية النفق الذي يمرون به، يلجؤون إلى الانخراط في التدروش، ويقصدون من يزعمون إطلاعهم على بعض الغيب، باختلاف أنواعهم.
5 ـ الهروب: حيث كان كثير من الفلاحين يهجرون الأرض التي يزرعونها، ويهربون من قراهم، للبحث عن ملتزم آخر يجدون في كنفه بعض العدل والرأفة. وفي المدن كان بعض أصحاب الحرف يتركونها، إن عجزوا عن دفع الظرائب الباهظة الظالمة التي تفرض عليهم.
6 ـ التناحر: وهذا المسار هو الأشد قسوة، وأكثر فداحة، حيث يتآكل المجتمع داخليا، فيسعى أعضاؤه إلى البحث عن حل فردي لمشكلاتهم أولا، دون اعتبار ملموس لمشكلات الآخرين. وهذا السعي، الذي يتم في ظل ندرة وقهر، يؤدي ثانيا إلى صراع مع الآخرين حول تحقيق المصالح الصغرى، وانتزاع المنافع الضيقة. وهذا الصراع قد يقف لدى البعض عند حالة من التربص والحنق، ويمتد عند البعض إلى إلحاق الأذى اللفظي والمادي بالآخرين.
وهذا الأذى قد يلحقه الشخص بأقرب الناس إليه، داخل الأسرة الواحدة، أو حتى بنفسه حين يسقط في اكتئاب قد يفضي إلى الانتحار، أو إدمان قد يؤدي إلى الانهيار، أو تفلت يذهب به إلى حال من اللامبالاة، بما يجعله يتحول سريعًا إلى عبء على نفسه وأهله ومجتمعه.
وخيار التناحر يعني أن يدرك المجتمع أنه غير قادر على مواجهة عسف السلطة وظلمها، بما يساعده في الوصول إلى حل جماعي أو عام لمشكلاته، فيدخل في صراع مفتوح مع أفراد المجتمع، يستبيح فيه كثير من الناس كل شيء، لاسيما إن وجدوا أن بقاءهم على قيد الحياة مهدد، وهذا يتم حين يعجز المرء منهم عن تدبير قوت يومه.
"انجراف السلطة إلى الهاوية"
وقال حسن: "يمكن لسلطة سياسية غارقة في الأنانية وقصور النظر أن تستريح لهذا المسار، وتفضله عن وجود قوى فاعلة مناهضة لها بين الناس، تستطيع أن تعكس مطالبهم، أو تنظم جهدهم لتضغط في سبيل ترشيد القرار، وتحسين الأحوال، لكنها لا تدرك أن مجتمعُا يتناحر يعني انجراف التربة من تحت أقدام هذه السلطة تباعًا، حتى تنجرف هي نفسها إلى الهاوية".
وتابع: "كما لا يوجد ما يمنع مجتمعًا متناحرًا من أن يستعيد قواه الفاعلة في زمن وجيز، خاصة في ظل ثورة الاتصالات التي أعطت الناس وسيلة للتفاعل والتواصل والحشد، فإن حدد المجتمع أسباب ما هو فيه من فقر وضيم وحيف، ثم أشار بشكل لا مواربة فيه إلى من يفقره ويقهره، وتأكد من أن الحياة لن تستقيم إلا بمواجهته فوقتها سينفجر في وجهه، لاسيما إن تساوت عنده كل الاحتمالات، ولم يجد بُدا من الصراخ".
وذكر الباحث في علم الاجتماع السياسي أنه "بعد سنوات قليلة من هذه الثورة المجهضة عادت حوادث انتحار الشباب تتوالى، حتى صارت ظاهرة، لا تخطئها عين بصيرة، ولا أذن سميعة، ولا ضمير حي. ولم تكن هذه الظاهرة، في أغلبها، تعود إلى الأسباب التي رأيتها في عنبر المستشفى قبل ربع قرن، إنما هي أقرب إلى حالة الفتى (عبدالحميد) شتا، منها إلى شيء آخر. وساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في انتقال أخبار المنتحرين بسرعة خاطفة، وراحت كثير من التعليقات، التي يتجاذبها الجمهور في خفة، تربط وقائع موتهم المؤلم بالظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية القابضة".
وقال: "في كثير من المرات لم يترك المنتحرون فرصًا لتأويل مفتوح حول الأسباب التي جعلت هؤلاء يختارون إنهاء حيواتهم على هذا النحو القاسي، نظرًا لأن الراحلين تركوا شرحًا لأسباب انتحارهم، في تدوينات على صفحاتهم في فيسبوك، أو فيديوهات ظهروا فيها صوتًا وصورة، يعلنون عن عزمهم الموت بأيديهم، بعد أن ضاق بهم العيش، وانقضت في عيونهم فسحة الأمل".
وأضاف "لا يعني هذا أن دوافع تكرار انتحار الشباب يعود جميعها إلى أسباب عامة، تحمل أوزارها السلطة السياسية، والمجتمع الذي تتراجع فيه الرحمة والتساند. فلا تزال هناك مشكلات تحتد بين الأهل، وإخفاقات في تجارب عاطفية، وموت بفعل جرعات زائدة من المخدرات، علاوة على وجود "الاكتئاب الانتحاري" وهو حالة من القنوط العميق الأسود الذي يجعل صاحبه يرى طريق التخلص من حياته هينا لينا، فيمضي فيه دون تردد، بل يفعل هذا في سعادة غامرة غريبة".

