تعتزم حكومة الانقلاب ضخ 30 مليار جنيه في 6 مشروعات للنقل خلال العام المالي المقبل، بينما تكشف الأرقام أن الموازنة تتحمل التزامات قديمة تعثرت القروض الخارجية في تغطية بعضها.

 

تضع الخطة الجديدة المترو والسكك الحديدية في قلب أزمة أوسع، لأن الحكومة توسع الإنفاق المحلي بالتوازي مع مفاوضات قروض خارجية، بينما ترتفع أعباء خدمة الدين وتتراجع الإيرادات العامة.

 

19.5 مليار جنيه للمترو بعد تعثر قرض خارجي

 

تبدأ الخطة الحكومية من الهيئة القومية للأنفاق، حيث قال مصدر عضو بمجلس إدارة الهيئة إن الحكومة ستضخ نحو 19.5 مليار جنيه من الموازنة العامة لتنفيذ التزامات تعاقدية مع شركة كاف الإسبانية، وتشمل هذه الالتزامات تحديث وإعادة تأهيل وصيانة 39 قطارا بالخط الثاني وصيانة 23 قطارا بالخط الأول.

 

وبحسب بيانات الهيئة القومية للأنفاق، وقعت الهيئة 3 عقود مع شركة كاف الإسبانية في سبتمبر 2025، وشملت العقود إعادة تأهيل وصيانة 39 قطارا بالخط الثاني لمترو الأنفاق، إلى جانب أعمال مرتبطة برفع كفاءة القطارات التي تعمل منذ التسعينيات.

 

ثم جاء التمويل المحلي بعد تراجع وزارة النقل في أكتوبر الماضي عن قرض خارجي بقيمة 200 مليون يورو، كان مخصصا للمساهمة في تمويل صيانة قطارات الخط الثاني، بسبب عدم التوصل إلى اتفاق نهائي مع مؤسسات تمويل دولية حول شروط القرض وفترة السماح.

 

وبذلك تتحمل الموازنة العامة عبء التزامات لم تستطع الحكومة حسم تمويلها الخارجي، وهو ما يحول الصيانة المطلوبة إلى بند جديد داخل الإنفاق المحلي، في وقت تواجه فيه الدولة ضغوطا مالية مرتبطة بتراجع الإيرادات وارتفاع أعباء خدمة الدين.

 

وفي هذا السياق، قال الدكتور هشام عرفات وزير النقل الأسبق إن تطوير البنية الأساسية ونظم الإشارات في السكك الحديدية كان ضروريا لتأمين الحركة ورفع معدل الأمان، وهو رأي يوضح أهمية التطوير الفني، لكنه لا يبرر ترك التمويل يتحول إلى قروض متراكمة أو أعباء مباشرة على الموازنة.

 

امتدادات المترو تكشف تكلفة قرارات النقل المؤجلة

 

بعد ملف الصيانة، تشمل مهام شركة كاف الإسبانية إعداد الدراسات الفنية لمد الخط الأول حتى شبين القناطر، واستكمال امتداد الخط الثاني حتى الطريق الدائري، وتقدم الحكومة هذه الدراسات باعتبارها جزءا من ربط منظومة النقل الجماعي في القاهرة الكبرى.

 

وتدرس الهيئة القومية للأنفاق إلغاء خط السكة الحديد 23 يوليو شبين القناطر، واستبداله بامتداد جديد للخط الأول يبدأ من المرج الجديدة شمالا حتى شبين القناطر بطول يقارب 19 كيلومترا ويضم 14 محطة، بما يعني نقل خدمة قائمة إلى مسار مترو جديد.

 

كما يجري العمل على مد الخط الثاني من محطة شبرا الخيمة لمسافة 3.2 كيلومتر عبر 3 محطات جديدة حتى الطريق الدائري، وترتبط هذه الخطوة بمشروع الأتوبيس الترددي الذي تراهن عليه الحكومة لتحقيق تكامل بين المترو ومحاور الطرق الجديدة.

 

وبحسب تغطيات منشورة عن خطة وزارة النقل، دخل مشروع مد الخط الأول من المرج إلى شبين القناطر مراحله الأولى بعد توقيع مذكرة تفاهم لإعداد دراسات المشروع بطول 19 كيلومترا و14 محطة، وتشمل الدراسات النقل والجدوى الاقتصادية والأثر البيئي والاجتماعي.

 

وفي المقابل، لا تنفصل هذه الامتدادات عن كلفة تشغيل وصيانة قائمة بالفعل، لأن التمويل الحكومي يغطي أيضا أعمال الصيانة الدورية والتطوير المستمر لأنظمة الخط الثاني، إلى جانب أعمال الصيانة الخفيفة التي تنفذها شركة المترو لضمان استمرار التشغيل وسلامة الحركة.

 

لذلك تظهر المشكلة في طريقة ترتيب الأولويات لا في أصل تحسين الخدمة، لأن الحكومة تجمع بين صيانة أسطول قديم ومد خطوط جديدة وسداد التزامات خارجية، ثم تقدم الفاتورة للموازنة العامة والقروض، من دون شفافية كافية حول العائد المالي والاجتماعي لكل مشروع.

 

10.5 مليار جنيه للسكك وقروض النقل تضغط على الدين

 

في محور السكك الحديدية، قال مصدر عضو بمجلس إدارة هيئة سكك حديد مصر إن مخصصات التمويل خلال العام المالي المقبل تقدر بنحو 10.5 مليار جنيه، وتستهدف استكمال الأعمال المدنية لمشروع كهربة الإشارات وتطوير خط بشتيل الاتحاد القباري بطول 224 كيلومترا.

 

وبالإضافة إلى ذلك، يشمل التمويل سداد مستحقات متبقية من صفقة القطارات الروسية، وهو بند يكشف استمرار الحكومة في دفع كلفة تعاقدات سابقة، بينما تعلن في الوقت نفسه عن مشروعات جديدة تحتاج إلى تمويل محلي وخارجي خلال مرحلة مالية ضاغطة.

 

ثم يمتد التمويل إلى نقل مسار خط فوكة سملا رأس الحكمة، تمهيدا لإحلاله بمسار القطار الكهربائي السريع، وتربط الحكومة هذا التحرك بخدمة منطقة رأس الحكمة عقب تشغيل المشروع خلال العام المقبل، بما يجعل المشروع متصلا مباشرة بترتيبات استثمارية وسياحية جديدة.

 

وتشير وثيقة حكومية حديثة إلى خطة نقل خط السكة الحديد في المسافة من منطقة فوكة حتى محطة سملا بمرسى مطروح، ضمن ترتيبات مرتبطة بالقطار الكهربائي السريع، وهو ما يؤكد أن إعادة تشكيل مسارات السكك باتت مرتبطة بمشروعات عمرانية وساحلية ضخمة.

 

وفي نهاية مارس الماضي، قال وزير النقل كامل الوزير إن قروض وزارة النقل تمثل نحو 12.5% من إجمالي ديون مصر، وإنها تتراوح بين 18 و20 مليار دولار من إجمالي دين خارجي يدور حول 160 مليار دولار، وهو رقم يجعل قطاع النقل لاعبا رئيسيا في ملف الديون.

 

وعلى هذا الأساس، قالت أستاذة الاقتصاد الدكتورة عالية المهدي إن ديون مصر الخارجية ارتفعت من نحو 35 مليار دولار بعد 2011 إلى نحو 165 مليار دولار نتيجة التوسع في الاقتراض لصالح مشروعات واستثمارات غير مدرة للعائد، واعتبرت أن كل قرض يمثل التزاما على الموازنة أو الهيئات الاقتصادية.

 

كما قال الخبير الاقتصادي الدكتور مدحت نافع إن المشكلة الأساسية في الدين الخارجي المصري لا تتعلق بالمسار فقط، بل بتكلفته الباهظة، وهو توصيف يضع قروض النقل ضمن سؤال واضح عن قدرة المشروعات على توليد إيرادات تغطي الأقساط والفوائد لا مجرد تحسين الشكل العمراني للخدمة.

 

وبناء على ذلك، لا تكفي تصريحات الحكومة عن تحديث المترو والسكك لطمأنة المواطنين، لأن الخطة الجديدة تضخ 30 مليار جنيه محليا بالتوازي مع حزمة قروض خارجية قيد التفاوض، بينما يعترف الوزير نفسه بأن قطاع النقل يستحوذ على ما بين 18 و20 مليار دولار من القروض.

 

وختاما فإن الأزمة ليست في صيانة قطار أو مد خط مترو، بل في سياسة حكومية توسع الاقتراض ثم تستخدم الموازنة لسداد التعثرات والالتزامات، بينما يتحمل المواطن نتائج الديون عبر ارتفاع أسعار الخدمة وتراجع الإنفاق على قطاعات أكثر احتياجا.