لم تكتف أداة الهدم والتخريب الحكومية بالقضاء على أحد أبرز معالم الإسكندرية، وكأنها تصر على إظهار معاداتها لكل ما له علاقة بالحياة، حجرًا كان أو شجرًا. 

 

ففي الوقت الذي لم تستجب فيه لنداءات الكثيرين ولم تتوقف عن التخلص من ترام الإسكندرية، الذي أكسب المدينة الساحلية سمة مميزة على مدار عقود طويلة، امتدت يد العبث إلى الأشجار المحيطة به، وقضت عليها تمامًا.

 

واستنكرت اﻟﻣﻔوﺿﯾﺔ اﻟﻣﺻرﯾﺔ ﻟﻠﺣﻘوق واﻟﺣرﯾﺎت ﻗطﻊ اﻷﺷﺟﺎر اﻟﻣﺣﯾطﺔ ﺑﻣﺣطﺎت ﺗرام اﻹﺳﻛﻧدرﯾﺔ اﻟﺗﺎرﯾﺧﻲ، في خطوة اعتبرتها ﺟزءًا ﻣن ﻋﻣﻠﯾﺔ ﺗﻘﻠﯾص اﻟﻣﺳﺎﺣﺎت اﻟﺧﺿراء ﻓﻲ ﻋﻣوم اﻟﺑﻼد.

 

أشجار معمرة

 

وقالت إن هذه الأشجار المعمرة ﻣﻧذ ﻋﺷرات اﻟﺳﻧﯾن ﻛﺎﻧت ﺗﻠﻌب دورًا ﻓﻲ ﻣﻛﺎﻓﺣﺔ اﻟﺗﻠوث اﻟﺑﯾﺋﻲ اﻟﻧﺎﺗﺞ ﻋن وﺳﺎﺋل اﻟﻣواﺻﻼت واﻟﻧﻘل ﺑﺎﻟﻣدﯾﻧﺔ. ﺑﺧﻼف ﻛوﻧﮭﺎ ﺟزءًا ﻣن ھوﯾﺔ اﻷﺣﯾﺎء اﻟﻣوﺟودة ﻓﯾﮭﺎ ﻋﻠﻰ طول ﺷرﯾط ﺗرام اﻟرﻣل. وﯾﺑدأ ھذا اﻟﺧط ﻣن ﻧﻘطﺔ اﻧطﻼﻗﮫ اﻟﺗﻲ ﺗﺣﻣل اﻻﺳم ﻧﻔﺳﮫ “ﻣﺣطﺔ اﻟرﻣل” وﺣﺗﻰ “ﻓﯾﻛﺗورﯾﺎ” ﺷرق اﻹﺳﻛﻧدرﯾﺔ، ﻣرورا ﺑـ 24 ﻣﺣطﺔ. ﯾﺑﻠﻎ طوﻟﮭﺎ 13.2 ﻛﯾﻠو ﻣﺗر.

 

وﺗﺗزاﻣن إزاﻟﺔ اﻟﺗرام وھدم ﻣﺣطﺎﺗﮫ وﺑﯾﻊ ﻋرﺑﺎﺗﮫ وﻗﺿﺑﺎﻧﮫ، ﻣﻊ ﻗطﻊ اﻷﺷﺟﺎر اﻟﻣﺣﯾطﺔ ﺑﮫ. وﯾﺄﺗﻲ ھذا اﻟﺗزاﻣن ﻟﯾﻛﺷف واﻗﻊ ﻣﺷروع “اﻟﺗﺣدﯾث” ﻟﻣﻛون ﺗراﺛﻲ، ادﻋت اﻟﺣﻛوﻣﺔ ﻓﻲ اﻟﺷﮭور اﻟﻣﺎﺿﯾﺔ ﻧﯾﺗﮭﺎ اﻟﺣﻔﺎظ ﻋﻠﯾﮫ. ﻟﻛﻧﮭﺎ ﺗزﯾل ﺑﻧﯾﺗﮫ اﻟﺗﺣﺗﯾﺔ ﺗﺑﺎﻋًﺎ، ﺑﻣﺎ ﯾﺣول دون ﺗﺻور ﻛﯾف ﺳﯾﻌﺎد ﺗﺷﻛﯾل اﻟﻧﺳﯾﺞ اﻟﺣﺿري ﻟﻺﺳﻛﻧدرﯾﺔ ﺑﻌد اﻟﺗﺧﻠص ﻣن ﻛل ھذه اﻟﻌﻧﺎﺻر اﻟﻌﻣراﻧﯾﺔ وﻟﯾس ﻓﻘط ﻋرﺑﺎت اﻟﺗرام اﻷزرق وﺣدھﺎ.

 

ﻛﻣﺎ ﯾﺗرﺗب ﻋﻠﻰ إزاﻟﺔ اﻟﺗرام، زﯾﺎدة ﻧﺳب اﻟﺗﻠوث ﺑﻣدﯾﻧﺔ اﻹﺳﻛﻧدرﯾﺔ ﺑﻌد ﺧروج اﻟﺗرام ﻋن اﻟﺧدﻣﺔ واﺳﺗﺑداﻟﮫ ﺑﻌرﺑﺎت وأﺗوﺑﯾﺳﺎت أﻛﺛر ﺗﻠوﺛﺎ. وﻣﻊ إزاﻟﺔ اﻷﺷﺟﺎر، ﯾﺗوﻗﻊ ﺗﺿﺎﻋف ﻧﺳﺑﺔ اﻟﺗﻠوث أﻛﺛر وأﻛﺛر، ﺧﺻوﺻﺎ ﻓﻲ إطﺎر أزﻣﺔ ﺗﻐﯾر ﻣﻧﺎﺧﻲ ﻣﺗﺻﺎﻋدة.

 

ﺧطر اﻟﻣﻧﺎخ

 

وﺗﺄﺗﻲ ﻣدﯾﻧﺔ اﻹﺳﻛﻧدرﯾﺔ ﺿﻣن ﻗﺎﺋﻣﺔ ﻣدن ﺳﺎﺣل اﻟﺑﺣر اﻷﺑﯾض اﻟﻣﺗوﺳط اﻷﻛﺛر ﺗﻌرﺿًﺎ ﻟﺧطر اﻟﻣﻧﺎخ، ﻟﯾس ﻓﻘط ﻓﯾﻣﺎ ﯾﺧص ﺳﯾﻧﺎرﯾو اﻟﻐرق، وإﻧﻣﺎ أﯾﺿﺎ ارﺗﻔﺎع ﻧﺳب اﻟﻣﻠوﺣﺔ اﻟﺗﻲ ﺗﻔﺳد ﻣن ﺻﻼﺣﯾﺔ اﻷراﺿﻲ ﻟﻠزراﻋﺔ واﻟﺑﻧﺎء. ﻟذا ﯾﻌﺗﺑر ﻗطﻊ اﻷﺷﺟﺎر ﻓﻲ ھذه اﻟﻠﺣظﺔ ﺑﻣﺛﺎﺑﺔ ﻗﺿﺎء ﻋﻠﻰ اﻟﺑﻧﯾﺔ اﻟﺗﺣﺗﯾﺔ اﻟﺧﺿراء واﻟﺗﻲ ﺳﺗدﻓﻊ اﻟﻔﺋﺎت اﻷﺑﺳط اﻗﺗﺻﺎدﯾﺎ واﺟﺗﻣﺎﻋﯾﺎ ﺗﻛﻠﻔﺔ اﻟﺿرر اﻷﻛﺑر ﻓﯾﮭﺎ.

 

وحذرت من أن اﻟﻣﻣﺎرﺳﺎت اﻟﺣﻛوﻣﯾﺔ ﺣﯾث ﻗطﻊ اﻷﺷﺟﺎر وﺗﻘﻠﯾص اﻟﻣﺳﺎﺣﺎت اﻟﺧﺿراء ھﻲ ﻣﺧﺎﻟﻔﺎت واﺿﺣﺔ ﻟﻼﻟﺗزاﻣﺎت اﻟوطﻧﯾﺔ واﻟدوﻟﯾﺔ وﻓﻲ ﻣﻘدﻣﺗﮭﺎ اﻟﻣﺎدة (45) ﻣن اﻟدﺳﺗور واﻟﺗﻲ ﺗﻧص ﻋﻠﻰ “ﺗﻠﺗزم اﻟدوﻟﺔ ﺑﺣﻣﺎﯾﺔ ﺑﺣﺎرھﺎ وﺷواطﺋﮭﺎ وﺑﺣﯾراﺗﮭﺎ وﻣﻣراﺗﮭﺎ اﻟﻣﺎﺋﯾﺔ وﻣﺣﻣﯾﺎﺗﮭﺎ اﻟطﺑﯾﻌﯾﺔ، وﯾﺣظر اﻟﺗﻌدى ﻋﻠﯾﮭﺎ، أو ﺗﻠوﯾﺛﮭﺎ، أو اﺳﺗﺧداﻣﮭﺎ ﻓﯾﻣﺎ ﯾﺗﻧﺎﻓﻰ ﻣﻊ طﺑﯾﻌﺗﮭﺎ، وﺣق ﻛل ﻣواطن ﻓﻰ اﻟﺗﻣﺗﻊ ﺑﮭﺎ ﻣﻛﻔول، ﻛﻣﺎ ﺗﻛﻔل اﻟدوﻟﺔ ﺣﻣﺎﯾﺔ وﺗﻧﻣﯾﺔ اﻟﻣﺳﺎﺣﺔ اﻟﺧﺿراء ﻓﻰ اﻟﺣﺿر، واﻟﺣﻔﺎظ ﻋﻠﻰ اﻟﺛروةاﻟﻧﺑﺎﺗﯾﺔ واﻟﺣﯾواﻧﯾﺔ واﻟﺳﻣﻛﯾﺔ، وﺣﻣﺎﯾﺔ اﻟﻣﻌَرض ﻣﻧﮭﺎ ﻟﻼﻧﻘراض أو اﻟﺧطر، واﻟرﻓق ﺑﺎﻟﺣﯾوان، وذﻟك ﻛﻠﮫ ﻋﻠﻰ اﻟﻧﺣو اﻟذى ﯾﻧظﻣﮫ اﻟﻘﺎﻧون”

 

انتهاك مركب 

 

وأكدت اﻟﻣﻔوﺿﯾﺔ اﻟﻣﺻرﯾﺔ ﻟﻠﺣﻘوق واﻟﺣرﯾﺎت دﻋﻣﮭﺎ اﻟﻛﺎﻣل ﻟﺣﻘوق اﻟﻣواطﻧﯾن اﻟﺳﻛﻧدرﯾﯾن ﻓﻲ اﻟﺑﯾﺋﺔ واﻟﺻﺣﺔ واﻟﺗﻧﻘل اﻵﻣن، وﻛذﻟك اﻟﺣق ﻓﻲ اﻟﻣدﯾﻧﺔ، واﻟذي ﺗﺷﻛل ﻋﻣﻠﯾﺔ ﻗطﻊ اﻷﺷﺟﺎر وإزاﻟﺔ اﻟﺗرام اﻧﺗﮭﺎﻛًﺎ ﻣرﻛﺑًﺎ ﻟﮫ. ﻣﻣﺎ ﯾﺳﺗدﻋﻲ اﻟﺗﺣذﯾر ﻣن ﻋواﻗب ﺗزاﯾد اﻷﻋﺑﺎء اﻟﺗﻲ ﯾﺟﺑرون ﻋﻠﻰ ﺗﺣﻣﻠﮭﺎ ﻓﻲ آن واﺣد، دون اﻋﺗﺑﺎر إﻟﻰ ﻗدراﺗﮭم ﻓﻲ ﺳﯾﺎق اﺟﺗﻣﺎﻋﻲ واﻗﺗﺻﺎدي ھش. ﺗﺷﻣل اﻟﻔﺋﺎت اﻷﻛﺛر ﺗﺄﺛرًا ﻋﻣﺎل وطﻼب وﻧﺳﺎء، ﻣﻊ اﻟﺗﺄﻛﯾد ﻋﻠﻰ ﺣق ﺟﻣﯾﻊ ﻓﺋﺎت ﺳﻛﺎن اﻹﺳﻛﻧدرﯾﺔ ﻓﻲ اﺗﺧﺎذ اﻟﻘرارات اﻟﻣﺗﻌﻠﻘﺔ ﺑﻣدﯾﻧﺗﮭم وﺑﮭوﯾﺗﮭﺎ اﻟﻣﻛوﻧﺔ ﻟﺗﺎرﯾﺧﮭم اﻟﺷﺧﺻﻲ.

 

وقالت: إذا ﻛﺎن ﻣن ﺣق اﻟدوﻟﺔ ﺗطوﯾر اﻟﺑﻧﯾﺔ اﻟﺣﺿرﯾﺔ ﻟﻠﺑﻼد، ﻓﺈن ذﻟك ﯾﻧﺑﻐﻲ أن ﯾﻛون ﻟﺻﺎﻟﺢ اﻟﻣواطﻧﯾن اﻟﻣﺻرﯾﯾن وﻟﯾس ﻋﻠﻰ ﺣﺳﺎب ﻣﺻﺎﻟﺣﮭم واﺳﺗﺣﻘﺎﻗﺎﺗﮭم اﻟﺗﻲ أﻗرھﺎ ﻟﮭم اﻟدﺳﺗور واﻟﻘﺎﻧون.