ظهر فيديو نشرته منصة ذا ناشيونال نساء في كفر الشيخ وهن ينزلن إلى مياه ترع عكرة بحثًا عن سمك قليل يضمن دخلا يوميًا لا يتجاوز 3 دولارات في بعض الأيام بينما انشغلت السلطة بمشهد إداري احتفالي لا يرى هذا النوع من البؤس.

 

الفيديو الذي أعاد نشره الدكتور مراد علي كشف واقعة أكثر قسوة من مجرد مشهد فقر لأن حذفه بطلب من السلطات المصرية بحسب ما كتبه علي حوّل القصة من توثيق اجتماعي إلى دليل على خوف رسمي من صورة المصريين خارج الدعاية الحكومية.

 

بين الترعة والدخل اليومي

 

في البداية وثقت منصة ذا ناشيونال مشهد نساء من كفر الشيخ يغطسن في مياه قناة ضيقة وعكرة بحثًا عن الأسماك باليد من أجل توفير نفقات البيوت اليومية ونشرت المنصة الفيديو بعنوان يفيد بأن نساء مصريات يصطدن باليد في الترع العكرة من أجل تدبير المعيشة.

 

ثم نقل الفيديو شهادة سيدة قالت إن هذه المياه صعبة جدًا في الصيف والشتاء وأظهر المشهد صندوقًا بلاستيكيًا يطفو فوق الماء بينما تتحرك النساء وسط الترعة كأداة بدائية تساعدهن على البقاء في الماء وقتًا أطول بحثًا عن رزق لا توفره سياسات الدولة خارج الشعارات.

 

بعد ذلك ظهرت منال وهي تعرف نفسها كصيادة باليد وقالت إن مياه الترعة هي مصدر الدخل الوحيد للأسرة وإن الصيد يغطي مصاريف البيت اليومية وهذا التصريح حصر الأزمة في نقطة واضحة لأن المرأة لا تتحدث عن اختيار مهني بل عن غياب بديل اقتصادي آمن.

 

كما أظهرت اللقطات أن معظم نساء القرية يمارسن هذا العمل منذ 25 عامًا وفق النص الظاهر داخل الفيديو وهو ما ينقل الواقعة من حدث عابر إلى نمط معيشة طويل تشكل تحت ضغط الفقر وغياب فرص العمل في مناطق ريفية تعتمد على موارد محدودة.

 

 

وفي تغريدته كتب مراد علي أن منصة ذا ناشيونال أزالت الفيديو بناء على طلب السلطات المصرية الأولى بالسلطات أن تعمل لتحسين ظروف السيدات اللاتي يضطررن للنزول للماء في الشتاء للحصول على 3 دولار يوميًا لكن يبدو أن أهل الحكم في مصر كل ما يهمهم ألا يزعجهم أحد في العاصمة الإدارية أثناء احتفالات ذا سابين.

 

الفقر حين يتحول إلى عمل يومي

 

في هذا السياق تضع أستاذة الاقتصاد هبة الليثي مشاهد الفقر في إطار رقمي واضح لأن تقديرات حكومية سابقة سجلت نسبة الفقر عند 29.7% في 2019 و2020 بينما توقعت دراسة مستقلة لها ارتفاع المعدل إلى 35.7% في 2022 و2023 مع ضغط التضخم على الأسر.

 

وبناء على ذلك لا تبدو 3 دولارات رقمًا هامشيًا في قصة الفيديو لأن هذا الدخل اليومي يعني أن الأسرة تعيش على هامش شديد الضيق بينما تشير مؤسسات دولية إلى أن آخر تقدير رسمي للفقر في مصر ظل عند 29.7% قبل موجات التضخم الكبيرة اللاحقة.

 

ثم يوضح الفيديو أن النساء قد يبقين في الماء ساعتين أو 3 ساعات وقد يسبحن أحيانًا مسافة تصل إلى 3 كيلومترات في القناة من دون العثور على حصيلة كافية وهذا التفصيل يكشف علاقة مباشرة بين مشقة العمل وانخفاض العائد اليومي.

 

كذلك قالت إحدى السيدات في الترجمة الظاهرة إنها تضطر يوميًا إلى تناول مسكن كي تستطيع النوم من شدة الإرهاق وهذا التصريح يضيف بعدًا صحيًا واضحًا إلى القصة لأن العمل لا يستنزف الدخل فقط بل يستهلك الجسد أيضًا.

 

وفي الاتجاه نفسه ترى الباحثة الاقتصادية سلمى حسين أن السياسات الاقتصادية الكلية لا تنفصل عن الأجور والحماية الاجتماعية والعدالة الضريبية لأن عملها البحثي يركز على السياسات المالية والعمل والأجور في مصر وهو ما يجعل قصة النساء نتيجة مباشرة لضعف شبكة الأمان لا حادثة محلية معزولة.

 

السلطة تخاف الصورة ولا تعالج السبب

 

في المقابل يكشف طلب إزالة الفيديو بحسب منشور مراد علي عن أولوية سياسية واضحة لأن السلطة تعاملت مع الصورة باعتبارها مشكلة سمعة لا باعتبارها إنذارًا اجتماعيًا يجب أن يدفع أجهزة الدولة إلى التحرك نحو النساء وأسرهن في كفر الشيخ.

 

ثم يفضح التزامن مع الاحتفالات الرسمية في العاصمة الإدارية فجوة بين خطاب الدولة ومجتمع الريف لأن مشروعات الواجهة لا تلغي مشهد نساء يدخلن الترع العكرة بحثًا عن 150 جنيهًا تقريبًا في يوم شاق كما ورد في ترجمة الفيديو.

 

ومن زاوية بيئية حذر الدكتور خالد فهمي وزير البيئة الأسبق في تصريحات سابقة من ارتباط صحة المواطنين والاقتصاد بنهر النيل ومن تتبع مصادر التلوث في الترع والمصارف كما دعا إلى معالجة الصرف وعدم ترك المياه تتحول إلى وعاء للمخلفات.

 

لذلك لا يقف الفيديو عند حدود الفقر فقط لأن النساء يعملن داخل مياه ملوثة محتملة ويواجهن إرهاقًا بدنيًا واضحًا ويعتمدن على مصدر دخل غير رسمي لا يحميهن من المرض ولا يوفر لهن تأمينًا ولا يضمن لهن عائدًا ثابتًا.

 

وفي النهاية تقدم نساء كفر الشيخ شهادة لا تستطيع الدعاية الرسمية حذف معناها حتى لو حذفت الفيديو لأن جسد المرأة داخل الترعة صار وثيقة على فشل السياسات في حماية الفقراء وعلى عجز السلطة عن مواجهة الحقيقة إلا بإخفاء الصورة.