تضع الحكومة زيادة الأجور الحكومية في موازنة 2026-2027 داخل خطاب رسمي يتحدث عن تحسن القوة الشرائية، بينما تكشف تفاصيل البيان المالي أن هذا التحسن مشروط بتضخم منخفض لا تؤكده الأسواق ولا تقديرات محللين اقتصاديين، ولذلك يتحول رقم النمو الحقيقي للأجور إلى وعد سياسي معلّق على فرضية ضعيفة.

 

وتعرض وزارة المالية نموًا قياسيًا بنسبة 10.6% في القيمة الحقيقية للأجور، لكنها تبني هذا الرقم على توقع وصول التضخم إلى أقل من 10%، في وقت تضغط فيه أسعار الطاقة والدولار وخروج الأموال من الدين المحلي على تكلفة المعيشة، لذلك تبدو الزيادة المعلنة أقل من احتياجات الموظفين اليومية.

 

نمو حقيقي مشروط بتضخم غير مؤكد

 

في البداية، عرض وزير المالية أحمد كجوك أمام مجلس النواب مؤشرات موازنة 2026-2027، ووضعت الوزارة بند الأجور ضمن أبرز رسائلها الاجتماعية، إذ قالت إن القيمة الحقيقية للأجور الحكومية ستنمو بنسبة 10.6% بعد سنوات من التراجع الذي ضرب القوة الشرائية للعاملين بالدولة.

 

وبناء على هذا العرض، ربطت الحكومة تقديرها بزيادة مرتقبة في الرواتب، وفي مقدمتها رفع الحد الأدنى للأجور إلى 8000 جنيه بداية من يوليو المقبل، وهي زيادة قدرها 1000 جنيه عن المستوى السابق، لكنها لا تكشف وحدها أثر الأسعار على دخل الموظف.

 

ثم أوضحت بيانات وزارة المالية أن نمو القيمة الحقيقية للأجور يعني قياس القوة الشرائية بعد خصم التضخم، ولذلك لا يكفي إعلان الزيادة الاسمية في المرتبات، لأن أي ارتفاع قوي في الأسعار يستطيع أن يلتهم الزيادة قبل أن يشعر بها العاملون في الأسواق.

 

وفي المقابل، يعترف الرسم الذي عرضته وزارة المالية ضمنًا بأن سنوات 2022-2023 و2023-2024 و2024-2025 و2025-2026 شهدت نموًا سلبيًا للقيمة الحقيقية للأجور، وهي فترة رافقها تضخم واسع وخفض متكرر للقوة الشرائية لدى موظفي الحكومة.

 

لذلك تبدو رواية الحكومة الجديدة قائمة على افتراض حاسم، لأن وزارة المالية تحتاج إلى انخفاض التضخم إلى رقم أحادي حتى تثبت أن الزيادة حقيقية، بينما يحتاج الموظف إلى أسعار مستقرة في الغذاء والطاقة والنقل حتى تتحول الأرقام إلى دخل فعلي.

 

محللون يحاصرون فرضية الحكومة

 

في هذا السياق، قالت إسراء أحمد محللة الاقتصاد الكلي في شركة ثاندر لتداول الأوراق المالية إن متوسط التضخم في السنة المالية الجديدة قد يدور بين 15% و16%، وهو مستوى يضع توقع وزارة المالية تحت اختبار قاس، لأنه يخصم أغلب أثر الزيادة المعلنة.

 

وبحسب تقدير إسراء أحمد، يظل السيناريو المتفائل عند متوسط تضخم قريب من 11%، بينما يصبح الهبوط إلى رقم أحادي ممكنًا في بعض القراءات الشهرية فقط، وليس في متوسط عام مالي كامل، ولذلك تفقد الحكومة أساسها الحسابي الأكثر أهمية في ملف الأجور.

 

وبالتوازي مع ذلك، قالت ولاء أحمد رئيسة قسم البحوث في شركة برايم لتداول الأوراق المالية إن الموازنة الجديدة بُنيت على الأرجح على افتراض أن الحرب الإيرانية لن تطول، وهذا الافتراض يخفف أثر الطاقة في الورق لكنه لا يلغيه من فاتورة السوق.

 

وبعد ذلك، وسعت إسراء أحمد نطاق التحذير عندما ربطت توقعها للتضخم باستمرار آثار الحرب حتى يوليو 2027، حتى مع افتراض وقف إطلاق النار في المدى القريب، لأن الأضرار اللوجستية في الدول المصدرة للطاقة تترك أثرًا ممتدًا على أسعار المحروقات.

 

كما قال هاني جنينة رئيس قطاع البحوث في الأهلي فاروس إن التضخم هو العدو الأول حاليًا، ورأى أن البنك المركزي يستخدم أدواته للسيطرة عليه، ولذلك يظهر الخلاف بين خطاب الحكومة الذي يبيع تحسن الأجور وبين سوق يضغطه التضخم وسعر الصرف والطاقة.

 

الوقود والدولار ينسفان وعد القوة الشرائية

 

وبسبب تداعيات الحرب الإيرانية، ارتفعت أسعار الطاقة عالميًا بقوة، ثم رفعت الحكومة أسعار الوقود في مارس الماضي، ولذلك دخلت الموازنة الجديدة وهي تحمل أثرًا مباشرًا على النقل والإنتاج وأسعار السلع، وهو أثر يصعب فصله عن دخل الموظفين الحكوميين.

 

ثم رفعت الحكومة أسعار الغاز المورّد لمصانع الأسمدة، فتسببت الخطوة في قفزة كبيرة في أسعار الأسمدة، وهذا القرار لا يبقى داخل القطاع الصناعي فقط، لأنه ينتقل إلى الزراعة ثم الغذاء، ولذلك يدفع المواطن ثمنه في السوق قبل أن يقرأه في الموازنة.

 

وفي الوقت نفسه، أدى الخروج السريع للأموال الساخنة من سوق الدين المحلي بسبب مخاطر الحرب إلى صعود الدولار فوق 54 جنيها، قبل أن يتراجع لاحقًا بعد إعلان الهدنة الأمريكية الإيرانية، لذلك ظل سعر الصرف عامل ضغط على الواردات والأسعار.

 

وبناء على ذلك، لا تكفي زيادة الحد الأدنى للأجور إلى 8000 جنيه لتأكيد تحسن القوة الشرائية، لأن الزيادة ترتبط بحجم التضخم الفعلي لا بالتضخم المأمول، وكلما اقترب التضخم من 15% أو 16% تراجع معنى النمو الحقيقي الذي تروجه الحكومة.

 

وفي النهاية، تكشف موازنة 2026-2027 أن الحكومة لا تقدم حماية مؤكدة للأجور بقدر ما تقدم معادلة مشروطة بانخفاض الأسعار واستقرار الطاقة وهدوء الدولار، ولذلك يبقى الموظف أمام وعد رسمي كبير وحساب معيشي قاس، وتبقى القوة الشرائية هي الحكم لا البيان المالي.