أقر جيش الاحتلال الإسرائيلي، اليوم بإصابة 45 ضابطا وجنديا في جنوب لبنان خلال الساعات 48 الماضية، في اعتراف جديد يكشف أن جبهة الشمال ما زالت تستنزف قواته رغم الحديث المتكرر عن ترتيبات تهدئة ومسارات تفاوض. هذا الإعلان لم يأت منفصلا عن سياق ميداني أوسع، إذ قال الجيش نفسه إن عدد المصابين منذ تجدد القتال في جنوب لبنان ارتفع إلى 735 عسكريا، بينهم 44 إصابة خطرة و100 متوسطة.
هذا الرقم لا يقدمه الاحتلال باعتباره تفصيلا عابرا، بل يقدمه بوصفه حصيلة مباشرة لمواجهة مفتوحة لم تنجح الضربات الجوية ولا التصريحات السياسية في حسمها. وفي اللحظة نفسها، كانت بيروت تتحرك دبلوماسيا لوقف الهدم والقتل، بينما كانت باريس تعلن بوضوح أن استقرار لبنان والمنطقة لن يتحقق إلا عبر اتفاق سياسي بين إسرائيل ولبنان يضمن أمن البلدين، وهو موقف يعكس اتساع القناعة الدولية بأن المعالجة العسكرية فشلت في فرض نهاية مستقرة للمعركة.
تكشف هذه التطورات أن الحكومة الإسرائيلية تدير جبهة لبنان بمنطق الاستنزاف الممتد، لا بمنطق الحسم، وأنها تدفع المنطقة إلى حافة انفجار جديد بينما تحاول تسويق المشهد على أنه دفاع أمني منضبط. غير أن الوقائع المنشورة خلال الأيام الأخيرة نسفت هذا الادعاء، لأن الغارات الإسرائيلية واصلت حصد المدنيين داخل لبنان، ولأن الاحتلال واصل تدمير المنازل في القرى الجنوبية حتى أثناء الهدنة الهشة التي دخلت حيز التنفيذ في 16 أبريل 2026 لمدة أولية قدرها 10 أيام.
وفي موازاة ذلك، تستعد بيروت وتل أبيب لجولة ثانية من محادثات تستضيفها واشنطن سعيا إلى تمديد التهدئة، بعدما تحولت الأيام الماضية إلى اختبار قاس أثبت أن وقف النار من دون التزام إسرائيلي فعلي لا يمنع سقوط القتلى ولا يوقف تدمير القرى ولا يضمن عودة السكان. لذلك تبدو أرقام الإصابات الإسرائيلية الأخيرة جزءا من صورة أكبر تقول إن الحرب مستمرة بأشكال متعددة وإن كلفة هذا المسار ترتفع على الجانبين، فيما يدفع المدنيون اللبنانيون الثمن الأثقل.
تصاعد الخسائر الإسرائيلية يكشف فشل الحسم في جنوب لبنان
وفي هذا السياق، جاء إعلان الجيش الإسرائيلي عن إصابة 45 عسكريا خلال 48 ساعة ليؤكد أن العمليات في جنوب لبنان لم تتحول إلى سيطرة مستقرة كما تحاول الحكومة الإسرائيلية أن توحي، بل بقيت مواجهة مكلفة ميدانيا وبشريا. كما أظهر الإعلان نفسه أن إجمالي المصابين منذ 2 مارس 2026 بلغ 735 عسكريا، وهو رقم يبدد رواية السيطرة الكاملة على الجبهة الشمالية.
ثم إن هذا التصاعد في الخسائر وقع رغم اعتماد إسرائيل على كثافة نارية عالية وغارات متكررة على الجنوب اللبناني والبقاع والضاحية، وهو ما يعني أن التفوق العسكري لم ينتج استقرارا ميدانيا دائرا لصالحها. كما أن استمرار القتال بعد أسابيع من التصعيد يثبت أن الحكومة الإسرائيلية لم تضع لنفسها سقفا سياسيا واضحا، بل أبقت الجبهة مفتوحة على استنزاف متبادل.
وبحسب الباحثة كسينيا سفِتلُوفا من المعهد الملكي للشؤون الدولية، فإن إسرائيل تعيش في أبريل 2026 حالة تعب استراتيجي ناتجة عن تعدد الجبهات وغياب نصر حاسم، وهو توصيف ينسجم مباشرة مع ارتفاع أعداد الجرحى على جبهة لبنان. هذا التقدير يكتسب وزنا أكبر لأن أرقام الجيش نفسه تعكس اتساع فجوة الكلفة بين الخطاب السياسي والنتيجة العسكرية.
وبعد ذلك، يصبح من الصعب فصل هذه الخسائر عن قرار الحكومة الإسرائيلية مواصلة العمليات حتى مع وجود تهدئة معلنة، لأن الجيش لم يكتف بالاشتباك الميداني بل واصل الغارات والوجود داخل مناطق حدودية لبنانية. هذا المسار يفسر لماذا لا تتراجع الخسائر، ولماذا تتحول كل هدنة قصيرة إلى محطة لالتقاط الأنفاس لا إلى نهاية فعلية للقتال.
استمرار الغارات والهدم ينسف أي حديث إسرائيلي عن تهدئة مستقرة
وفي الميدان اللبناني، لم يقتصر المشهد على الاشتباكات، لأن وكالة أسوشيتد برس نقلت في 23 أبريل 2026 أن إسرائيل واصلت هدم منازل في قرى الجنوب، ولا سيما في بيت ليف، حيث قال مسؤولون وسكان إن التدمير طال مساحات واسعة ومنع الأهالي من تصور عودة قريبة. هذه الوقائع تنسف عمليا أي حديث إسرائيلي عن التزام جاد بوقف الأعمال العدائية.
ثم جاءت غارة الأربعاء التي قتلت ما لا يقل عن 5 أشخاص، بينهم الصحفية اللبنانية آمال خليل، لتؤكد أن الهدنة المعلنة لم تمنع سقوط الضحايا. كما أوضحت رويترز أن هذا اليوم كان الأكثر دموية في لبنان منذ بدء التهدئة في 16 أبريل 2026، وهو تطور يكشف أن النار لم تهدأ فعليا بل تغير شكلها فقط.
ومن جهة أخرى، قال مايكل يونغ من مركز كارنيغي إن المواقف الإسرائيلية التوسعية والحديث عن توسيع الحدود شمالا حتى الليطاني يقوضان أي مسار تفاوضي ويدفعان خصوم التفاوض داخل لبنان إلى مزيد من التشدد. هذا التوصيف يفسر لماذا يتحول كل إجراء ميداني إسرائيلي إلى عقبة جديدة أمام أي تثبيت سياسي للهدنة.
وبالتالي، فإن الحكومة الإسرائيلية لا تكتفي بتقويض الهدنة داخل الجنوب اللبناني، بل تخلق أيضا بيئة سياسية أشد صعوبة أمام أي تسوية. وكلما واصل الجيش هدم البيوت أو تنفيذ غارات قاتلة خلال فترة التفاوض، تراجعت قدرة الوسطاء على تقديم المفاوضات باعتبارها طريقا واقعيا لإنهاء القتال وعودة السكان إلى قراهم.
الدفع الفرنسي والدولي يؤكد أن الحل سياسي لكن الاحتلال يعرقله بالنار
وفي هذا الإطار، أعلنت الخارجية الفرنسية أن السبيل الوحيد إلى استقرار لبنان والمنطقة هو التوصل إلى اتفاق سياسي بين إسرائيل ولبنان يضمن أمن البلدين، وهو موقف يضع باريس بوضوح داخل معسكر الضغط الدبلوماسي لا داخل معسكر تبرير العمليات العسكرية. كما تزامن هذا الموقف مع إعلان فرنسي عن إرسال مساعدات إنسانية جديدة إلى لبنان دعما للنازحين.
ثم إن رويترز أكدت أن بيروت وتل أبيب تتجهان إلى جولة ثانية من محادثات تستضيفها واشنطن لتمديد وقف إطلاق النار الذي ينتهي الأحد 26 أبريل 2026، بينما أعلن الرئيس اللبناني جوزاف عون أن بلاده ستطالب بوقف عمليات الهدم الإسرائيلية ووضع خريطة طريق لانسحاب الاحتلال وعودة المعتقلين. هذه المعطيات تجعل التفاوض مرتبطا مباشرة بوقف الانتهاكات الميدانية.
وبحسب محللي المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، فإن تثبيت أي تهدئة يتطلب ضغطا أوروبيا عاجلا على إسرائيل لوقف هجومها على لبنان، مع دعم الدولة اللبنانية والجيش اللبناني في الجنوب. هذا الرأي يكتسب أهمية لأنه يربط بين الأمن والاستقرار المؤسسي، لا بين الأمن واستمرار الغارات، وهو ما يناقض منطق القوة الذي تتمسك به حكومة الاحتلال.
كما كتب معهد تشاتام هاوس أن المحادثات بين لبنان وإسرائيل تستحق فرصة لأنها تمنح الدولة اللبنانية مساحة لاستعادة دورها في السياسة الخارجية واتخاذ خطوات بناء ثقة، لكن المعهد نفسه حذر من أن النجاح الطويل الأمد يبقى صعبا من دون معالجة جذرية لعوامل النزاع. وهذا التحذير يوضح أن الهدنة لن تصمد إذا واصلت إسرائيل العمل كأن التفاوض مجرد غطاء زمني للنار.
وفي المحصلة، فإن أرقام الإصابات الإسرائيلية الأخيرة لا تعني فقط أن المعارك ما زالت مستمرة، بل تعني أيضا أن الحكومة الإسرائيلية فشلت في تحويل القوة العسكرية إلى واقع سياسي مستقر. كما أن استمرار الغارات والهدم خلال أيام التهدئة يثبت أن الاحتلال يعطل المسار الذي تقول باريس وواشنطن وبيروت إنه الطريق الوحيد إلى الاستقرار. لذلك يقف لبنان اليوم أمام معادلة واضحة تقول إن أي اتفاق سياسي بلا وقف حقيقي للقتل والهدم سيبقى وثيقة هشة، وإن أي حديث عن أمن متبادل بينما تبقى القرى مدمرة والحدود مشتعلة لن يكون سوى إعادة تدوير لحرب مفتوحة تستفيد منها حكومة الاحتلال وتدفع ثمنها الشعوب.

