فجرت تصريحات المهندس أحمد العتال، الرئيس التنفيذي لشركة العتال القابضة، جدلاً واسعاً داخل السوق العقاري المصري بعد إعلانه خفض أسعار بعض وحدات مشروع "1O1" في مدينة مستقبل سيتي بنسبة تتراوح بين 15% و20%، في وقت كانت فيه أغلب الشركات الكبرى تتحدث عن موجة زيادات جديدة خلال عام 2026.

 

وجاء الإعلان في 21 أبريل 2026 مصحوباً بتبرير مباشر يتعلق بضرورة مواءمة الأسعار مع القوة الشرائية للعملاء، مع حديث واضح عن حاجة السوق إلى إعادة تصحيح للأسعار بعد تراجع بعض عناصر التكلفة، إضافة إلى كشف الشركة عن خطة لإطلاق صندوق عقاري بقيمة 2.8 مليار جنيه منتصف العام الجاري. هذا الإعلان لم يفتح فقط نقاشاً حول مستقبل التسعير، بل كشف أيضاً خللاً أعمق في سوق تديره كلفة مرتفعة، وتمويل مرهق، وسياسات حكومية دفعت الأسعار إلى مستويات أبعد من دخول أغلب المصريين.

 

المفارقة أن الجدل لم ينشأ بسبب خلاف فني محدود بين شركات، بل بسبب اصطدام روايتين داخل السوق نفسه. فالرواية الأولى تقول إن أسعار العقارات في مصر 2026 ستواصل الصعود لأن كلفة التنفيذ والطاقة والخامات ما تزال تضغط على المطورين، بينما تقول الرواية الثانية إن السوق وصل إلى نقطة لم يعد فيها المشتري قادراً على تحمل زيادات جديدة، وإن استمرار التسعير المرتفع يهدد المبيعات نفسها. وبين الروايتين تظهر مسؤولية الحكومة بوضوح، لأن سياساتها في الطاقة والتمويل وسعر الفائدة وتكاليف التطوير لم تنتج سوقاً مستقرة، بل سوقاً تتسع فيها الفجوة بين سعر الوحدة ودخل الأسر. لذلك بدا خفض العتال كأنه اعتراف علني بأن السوق لم يعد يحتمل الخطاب الرسمي نفسه الذي يكرر أن الطلب قوي وأن كل شيء تحت السيطرة.

 

خفض العتال يكشف أزمة تسعير لا أزمة دعاية

 

أعلن أحمد العتال أن شركته خفضت أسعار وحدات مشروع "1O1" بنسبة تصل إلى 20% حتى تتماشى مع القدرة الشرائية، وقال بوضوح إن السوق يحتاج إلى إعادة تصحيح للأسعار مع تراجع بعض التكاليف. وجاء هذا الموقف مختلفاً عن خطاب السوق السائد لأنه ربط التسعير مباشرة بقدرة العميل الفعلية لا بالرغبة في تعظيم السعر فقط.

 

ثم إن قرار العتال لم يقتصر على التخفيض، بل تزامن مع إعلان خطة لإطلاق صندوق عقاري بقيمة 2.8 مليار جنيه في منتصف 2026، وهو ما يعني أن الشركة لا تتحدث من موقع الانكماش بل من موقع إعادة ترتيب أدواتها البيعية والاستثمارية. لذلك يصعب التعامل مع الخطوة باعتبارها عرضاً مؤقتاً، لأنها تحمل تصوراً مختلفاً لحركة السوق.

 

وفي هذا السياق، قال الدكتور وائل النحاس إن انتشار التقسيط واتساع الاعتماد عليه في السوق المصرية يعكسان تراجع القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار بوتيرة تفوق نمو الدخول، وهو توصيف يفسر لماذا أصبح خفض السعر نفسه أداة لإنقاذ الطلب لا مجرد تنازل من المطور. وهذا الرأي يضع الأزمة في أصلها الاجتماعي والاقتصادي لا في الإعلان التجاري.

 

وبناء على ذلك، يظهر قرار العتال كإشارة محرجة لبقية المطورين وللحكومة معاً، لأن خفض السعر هنا لم يأت نتيجة وفرة عامة في السوق، بل نتيجة انكماش قدرة الأسر على الشراء بعد سنوات من التضخم وارتفاع كلفة التمويل والطاقة. وعندما تضطر شركة كبرى إلى هذا التصحيح، فإن ذلك يعني أن الخلل أصبح مرئياً ولا يمكن تغطيته بخطاب التفاؤل الرسمي.

 

المطورون الكبار يدافعون عن الغلاء ويحمّلون المشتري الكلفة

 

في الاتجاه المقابل، قال هشام طلعت مصطفى في 31 يناير 2026 إن ما يثار عن انخفاض أسعار العقارات غير صحيح، وأكد أن الأسعار لن تنخفض لأن التسعير يعتمد على تكلفة الأراضي ومواد البناء، مع حديثه عن استمرار المبيعات القوية. هذا الموقف يعكس تمسكاً واضحاً بنقل كلفة السوق كاملة إلى المشتري حتى مع تراجع قدرته الفعلية.

 

وبعد ذلك، توقع ياسين منصور في 12 مارس 2026 ارتفاع تكلفة الإنشاء بنحو 25% بعد المتغيرات الأخيرة، بينما قال عبد الله سلام في 15 مارس 2026 إن أسعار العقارات قد ترتفع بين 15% و20% إذا استمرت الضغوط الاقتصادية والتحديات الحالية. هذان التصريحان يكشفان اتفاقاً داخل القطاع على أن الزيادة هي المسار الطبيعي الذي ينبغي أن يتحمله العميل في النهاية.

 

كما عزز المهندس محمد البستاني، رئيس جمعية المطورين العقاريين، هذا الاتجاه حين قال في 19 أبريل 2026 إن قطاع التشييد والبناء واجه ضغوطاً ملموسة بعد ارتفاع أسعار الحديد بنسب تراوحت بين 20% و25%، مؤكداً انعكاس ذلك مباشرة على تكلفة التنفيذ. لكن هذا الكلام لا يغيّر حقيقة أن السوق يواجه أيضاً تراجعاً في القدرة الشرائية، وهي نتيجة مباشرة لسياسات اقتصادية حكومية رفعت الكلفة وأضعفت الطلب معاً.

 

ومن هنا تبدو الرواية السائدة بين المطورين الكبار منحازة بالكامل إلى حماية هوامش الربح، بينما يُترك المشتري أمام أقساط أطول وأسعار أعلى وشروط أشد قسوة. ولا يمكن فصل هذا المسار عن بيئة حكومية رفعت أسعار الطاقة ووسعت كلفة الاقتراض ودفعت السوق إلى معادلة مختلة يكون فيها السكن سلعة أعلى من قدرة أغلب العاملين بأجر.

 

الحكومة صنعت سوقاً تضغط فيه الطاقة والتمويل على السكن

 

زاد نجيب ساويرس حدة الصورة حين توقع ارتفاع أسعار العقارات خلال الأشهر المقبلة بسبب زيادة تكاليف الطاقة ومواد البناء والشحن والتأمين، مع إشارته إلى أن التوترات الإقليمية ترفع الضغوط على السوق. وعندما يربط مستثمر بحجمه بين الطاقة والسعر النهائي للعقار، فإن ذلك يعيد النقاش مباشرة إلى السياسات الحكومية التي جعلت أي زيادة في المدخلات تنتقل فوراً إلى المشتري.

 

وفي الإطار نفسه، قال أيمن عبد الحميد، العضو المنتدب لشركة "الأولى" للتمويل العقاري، إن أسعار العقارات في مصر ستزيد 25% خلال 2026، موضحاً أن توقعاته السابقة كانت تميل إلى ثبات نسبي لعدة أشهر قبل زيادات طفيفة، لكن ارتفاع أسعار الطاقة بدّل المشهد. هذه الشهادة مهمة لأنها تربط بين التمويل والطاقة والتسعير في خط واحد واضح.

 

ثم إن الأزمة لا تتوقف عند تكلفة التنفيذ، لأن السوق العقاري نفسه بات يعتمد على تقسيط ممتد لتعويض ضعف الدخول، وهو ما يثبت أن الزيادة السعرية لم تعد ناتجة عن قوة طلب صحية، بل عن محاولة إبقاء المبيعات حية بأي صيغة تمويلية ممكنة. وهنا تظهر مسؤولية الحكومة مرة أخرى لأنها لم تنتج استقراراً نقدياً أو دخلاً حقيقياً يوازي القفزات السعرية.

 

ولذلك فإن الانقسام الحالي بين من يدعو إلى "تصحيح الأسعار" ومن يتمسك بالزيادات لا يعبر عن حيوية صحية داخل السوق بقدر ما يعبر عن وصول الأزمة إلى نقطة لم يعد إخفاؤها ممكناً. وإذا كانت شركة مثل العتال قد بدأت الخفض لحماية المبيعات، فإن ذلك يعني أن 2026 قد يتحول من عام زيادات مفتوحة إلى عام افتضاح كامل لفشل السياسات التي رفعت الكلفة وخفضت القدرة على السداد معاً.

 

في الخلاصة، يكشف الجدل حول أسعار العقارات في مصر 2026 أن الأزمة لم تعد خلافاً بين مطور وآخر، بل صارت أزمة سوق أنتجتها سياسات حكومية حمّلت المواطن ثمن الطاقة والخامات والتمويل ثم تركته يواجه وحده أسعاراً تتجاوز دخله. لذلك لا يبدو خفض العتال حدثاً عابراً، بل يبدو أول اعتراف صريح من داخل القطاع بأن استمرار الغلاء لم يعد قابلاً للتسويق، وأن السوق الذي روّجت له السلطة باعتباره ملاذاً آمناً يتحول الآن إلى عبء ثقيل على المشترين، وإلى اختبار قاسٍ لنموذج اقتصادي يرفع الأسعار أسرع مما يرفع الأجور، ثم يطلب من الناس أن تصدق أن هذا هو الاستقرار.